شبح طائرة ورقية شبح طائرة ورقية discussion


1 view
شبح طائرة ورقية.. طفل مؤتمن على شيخوخة الآخرين، طارق إمام

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by هشام (new)

هشام 1
شيء ما في الكتاب القصصي‮"‬شبح طائرة ورقية"لهشام أصلان،‮ (‬دار العين،‮ ‬القاهرة‮)‬،‮ ‬يُشعرك أن الشخوص المنثورة بامتداد القصص الإحدي عشرة،‮ ‬تعرف بعضها جيداً‮.. ‬أن واحداً‮ ‬منها لو مدّ‮ ‬قدماً‮ ‬خارج‮ "‬قصته‮" ‬باتجاه قصة أخري،‮ ‬سيصافح جاره بحرارة.كأن‮ ‬يداً‮ ‬قاسية لإله،‮ ‬أخرجت الجيران من مشهدهم الكبير،‮ ‬فصلتهم قسراً،‮ ‬لتحرمهم جيرة كانت قائمة في‮ "‬الواقع‮" ‬قبل أن تقسو عليها الكتابة،‮ ‬لتؤكد علي توحدهم،ولتزج بكل واحد في زنزانة حكايته‮. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
اليد القاسية نفسها تعرف حناناً‮ ‬آخر‮: ‬أن‮ ‬يتحول كل شبح من هؤلاء لبطل،‮ ‬ولو لصفحات معدودة،‮ ‬أن‮ ‬يغادر فوضي‮ "‬السكن المشترك"لحجرة سردية تخصه وحده‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬نحن أمام شخصيات في أغلبها‮ ‬غير مسماة،‮ ‬وكأن الاسم،‮ ‬كمعطي‮ "‬ثقافي‮"‬،‮ ‬لا‮ ‬يلائم تلك الذوات القادمة من عالم ما قبل الثقافة‮. ‬لا تكف ذوات‮ "‬شبح طائرة ورقية‮" ‬عن الاحتفاء بحسيتها،‮ ‬بجانبها الغريزي الذي لا تتواني الثقافة بدورها عن سحقه والتمثيل به‮. ‬للسبب نفسه،‮ ‬لا تتحول ذوات هذه المجموعة بغيابها لأموات،‮ ‬بل لأشباح‮. ‬نحن في القلب من شخصيات أسبق من حكايتها‮: ‬توجد الحكاية حيثما وجدت الشخصية‮. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هي أيضاً‮ ‬شخصيات تعيش علي حافة المدينة المضيئة،‮ (‬ذلك التمثيل الهائل للثقافة‮)‬،‮ ‬مجروحة بمسحة ضوء لا تكفي،‮ ‬رغم ذلك،‮ ‬لمنحها مكاناً‮ ‬حقيقياً‮ ‬تحت الشمس‮. ‬بيوت مرتجلة وغرف طارئة وأبنية مهددة بالسقوط‮: ‬هذه فقط هي الأماكن التي‮ ‬يمكن العثور عليها هنا‮. ‬الأمكنة بدورها لا تمنح علامة علي موقعها من العالم،‮ ‬لا اسم لشارع أو حي أو حتي مدينة،كأننا أمام ذوات مغتربة في أمكنة مغتربة بدورها‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
المدينة تقدم نفسها كـ"دمية عملاقة تبتسم‮"‬،‮ ‬مثلما‮ ‬يعلن عنوان أحد أشد النصوص محورية‮. ‬يبدو شخوص هذه القصة كأنهم جميع شخوص المجموعة،‮ ‬تؤرجحهم دمية عملاقة،‮ ‬تصل بهم لعنان السماء ثم تُنزلهم لتراب الأرض قبل أن تعيد الكَرة مرات ومرات‮. ‬نص‮ "‬تجريدي‮" ‬في حقيقته،‮ ‬يخلو من حكاية خطية،‮ ‬لحساب تأمل محتشد بالتفاصيل،‮ ‬يغور عميقاً‮ ‬في رسم صورة شعورية لمدينة تشبه ضوضاؤها الصمت‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
الأشكال والأصوات والروائح،‮ ‬ثالوث‮ ‬يؤطر النصوص ويهيمن حتي علي عناوينها‮: "‬أصوات الممر‮"‬،‮ "‬مجرد رائحة‮"‬،‮ "‬علي واجهة السبيل‮"‬،‮"‬دمية عملاقة تبتسم‮"‬،‮"‬شرفة الشارع الخلفي‮"‬،‮ "‬شرخ وهمية‮"‬،‮ "‬ثلاث كؤوس أخيرة‮"‬،‮ "‬غرف إضافية‮" ‬وغيرها‮. ‬لا وجود للذات نفسها في العناوين،‮ ‬يكفي استحضار ما‮ ‬يدل عليها لتتجسد من خلاله‮. ‬أليس ذلك هو نفسه العزاء الرمزي للغياب؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
2
بين ما كان وما هو ماثل الآن،‮ ‬تتحرك جميع القصص،‮ ‬متوترةً‮ ‬في عيني سارد‮ ‬يحمل الزمنين معاً‮ ‬ويتمزق بينهما‮: ‬ماضيه وحاضره‮. ‬يرصد الذوات في قمة حضورها،‮ ‬ليباغتنا في النهاية بقمة‮ ‬غيابها‮. ‬نحن هنا نواجه عالماً‮ ‬لم‮ ‬يعد له تمثل‮ "‬الآن‮" ‬سوي وجوده في الذاكرة‮.. ‬ذاكرة السارد الذي‮ ‬يكاد‮ ‬يكون الشخص نفسه بامتداد رحلة الكتاب‮. ‬إنه سارد‮ ‬يحمل وعيين متداخلين‮ ‬يترجمهما مستويان سرديان متقاطعان‮: ‬وعي الطفل الذي كانه ووعي النضج الذي‮ ‬يحياه.في الأخير،‮ ‬ثمة سؤال‮ "‬الزمن‮" ‬الذي‮ ‬يقبض عليه السارد من طرفيه‮: ‬البداية والنهاية‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬ربما‮ ‬يفسر ذلك وجود‮ "‬نفس روائي‮" ‬مقموع في فتات المشاهد،‮ ‬ذلك أن القصص،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن اتساع المدي الزمني الملحوظ في عدد منها،‮ ‬تتجرأ علي استعارة خصيصة روائية أصيلة‮: ‬فن التفتيش في المصائر‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
يجتهد السارد لمجافاة اللغة الانفعالية،‮ ‬بسرد‮ ‬يدعي الحياد‮. ‬بالقوة نفسها‮ ‬يجتهد في تبني صوت‮ ‬يُعلي من التساؤل،‮ ‬يدعي الافتقار للمعرفة فيستعيض عنها برصد مشهدي دقيق،‮ ‬كما لو كنا أمام طفل وجد نفسه فجأة مؤتمناً‮ ‬علي شيخوخة الآخرين‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬من جديد صراع الغريزة والثقافة ممتزجان في ذات واحدة ترصد العالم‮. ‬الحياة علي الدوام تستحضر وهي تعمل بلا هوادة في خدمة الموت‮. ‬إنه الحسي أيضاً‮ ‬وقد جري تكريسه،‮ ‬بعملية مجافية،‮ ‬لخدمة الثقافي المصطنع‮. ‬في‮ "‬علي واجهة السبيل‮" ‬هناك امرأة،‮"‬عروسة جديدة‮" ‬كما‮ ‬يصفها السارد،‮ (‬كأنه‮ ‬يقدمها علي عتبات الوجودالغريزي المرتبط بالزواج كدنيا جديدة‮) ‬تمثل وجوداً‮ ‬حسياً‮ ‬طاغياً،‮ ‬يجري توظيفه في الكتابة‮ (‬مفارقة واضحة بين الغريزة والثقافة‮)‬،‮ ‬وأي كتابة؟ إنها كتابة علي واجهة سبيل‮ ‬يحمل اسم جار ميت‮. ‬باكتمال‮ "‬المهمة‮" ‬يختفي صاحبها،‮ ‬دون دليل علي أنها وجدت ذات‮ ‬يوم سوي ذلك‮ "‬الأثر‮".‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮ ‬المفارقة ذاتها سنجدها في‮ "‬مجرد رائحة‮"‬،‮ ‬فالحسية الفادحة في زهور الفل التي اشتهرت مدينة ما،‮ ‬غير مسماة،‮ ‬بتقديمها لزائريها،‮ ‬يجهضها الواقع الذي تمثله شتلة ذابلة في جيب جاكيت‮: "‬انزعجت من البساطة التي وجدتها في التعامل مع مع شيء كنت جهزت له تلك الهالة في زيارتي للمدينة وأسطورتها،‮ ‬خصوصاً‮ ‬أن الفتاة الجميلة،‮ ‬التي ترافقنا،لم تكن تزين شعرها بواحدة منها‮". ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هي المفارقة نفسها التي‮ ‬يخلقها تلاعب لفظي بمفردة‮ "‬رأس‮" ‬في‮ "‬رأس السنة‮"‬،‮ ‬لتصبح‮ "‬رقص‮".. ‬وكأن السارد‮ ‬يحول المعني الثقافي لآخر متصل بالحسية،‮ ‬معتمداً‮ ‬النطق المتطابق للمفردتين في العامية المصرية التي تحيل حرف القاف ألفاً‮ ‬عند النطق‮. ‬وفي‮ "‬ثلاث كؤوس أخيرة‮" ‬يحيل النزق ممثلاً‮ ‬في طقس الشراب إلي موت مباشر،‮ ‬يشهد بدوره صراعاً‮ ‬بين الثقافة والفطرة،‮ ‬بطله أب فارق الحياة‮: "‬تحدثتُ‮ ‬بحدة عن تركهم للنعش معري دون الغطاء الخشبي‮. ‬قالوا إن ترك النعش دون‮ ‬غطاء سنة عن النبي صلي الله عليه وسلم‮. ‬المرأة تُغطي الرجل لا‮ ‬يغطي‮.. ‬شعرت بقلق من تحمل مسؤولية كهذه‮. ‬استسلمت للأصدقاء الذين راحوا‮ ‬يهدئون حدتي،‮ ‬وتركت الأقارب‮ ‬يذهبون بالنعش دون‮ ‬غطاء‮". ‬الثقافة،‮ ‬بعلاماتها،‮ ‬تنتصر في النهاية‮.. ‬أليس ذلك ما نراه بامتداد القصص؟‮ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‮"‬العلامات المستديرة‮"‬،‮ ‬إنه العنوان الذي‮ ‬يهيمن حضوره رغم‮ ‬غيابه إجرائياً‮ ‬عن النص الأول،‮ ‬غير المعنون‮. ‬غياب هذا العنوان‮ ‬يساوي بالضبط حضور العالم الراقد خلفه،‮ ‬حيث الحياة الإنسانية قطيع أشباح مؤلف من الذكري.إنه حضور أول،‮ ‬فادح،‮ ‬للأشياء وهي تدل علي الوجود الإنساني الذي خلقها‮. ‬علامات تختصر حزمةً‮ ‬من الدلالات‮: ‬أفدحها تلك الهوة بين فعل الوجودوفعل الذاكرة‮..‬تماماً‮ ‬مثل العنوان الكبير نفسه،‮ "‬شبح طائرة ورقية‮"‬،‮ ‬الذي ليس له وجود بدوره علي رأس واحدة من القصص،‮ ‬مكتفياً‮ ‬بالأفق الكبير الذي‮ ‬يخلقه،‮ ‬حيث لا تخفي دلالته الساطعة‮: ‬طفولة لم‮ ‬يتبق منها سوي شبح العلامة التي تدل عليها وفردوس مشيد علي أطلال التذكر‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
قصة أولي بلا عنوان‮.. ‬وعنوان نهائي بلا قصة‮.. ‬إنها المفارقة الكبري بين الأثر‮ "‬المحفور‮" ‬ونظيره‮ "‬المحلق‮"‬،‮ ‬وحيث تتحقق الذكري،‮ ‬غائمة‮ ‬ومغبشة في المسافة بين الأرض والسماء‮.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

*أخبار الأدب


back to top