جغرافية الباز الأشهب
discussion
كلمة
date
newest »
newest »
message 1:
by
أ.فالح
(new)
-
rated it 5 stars
Sep 14, 2013 10:44AM
كتاب مهم حقا
reply
|
flag
كان ذو الرمة مثل كل شاب في سنه يتطلع إلى الحب ويبحث عنه في عيون من التقى بهن من النساء، ولكنه عندما رأى مية أدرك أنه عثر على ضالته أخيرا، وراح ينشد الأشعار تشبيها بها، ويسعى إلى لقائها ليروي أشواقه فيزيد من اضطرام نار عواطفه.إن موضوع الحب ليس سراً، فالشاعر يعلن حبه على الملأ ويبكي على مي حبيبته، فيبكي معه من يسمعه ويظلون يبكون ويذرفون الدموع ويتنهدون حزنا على ذلك الشاعر الذي يعاني من الحرمان ومن اليأس، ويتمنى الموت إذا كان سيسبقه لقاء مي واستعادة وصالها .
إن العاشق الولهان لم يكتفي بترديد الشعر حول حبيبته بل ظل يحوم حول ديارها، ومعه أصحابه، على أمل أن يلتقي بها ويستعيد ذلك الحوار العذب الذي يشتاق إليه معها.
ويروي أحد أصحابه قصة واحدة من تلك المحاولات عندما أتى إليه راغبا في استعارة واحدة من إبله، لا يتعرف على آثارها أحد من أهل مية ويركبان معا ناقة تسمى الجؤذر، حتى يقتربان من منزل مي فيتمهلان، ويراهما النساء فيخبرن مي بقدوم حبيبها، وتسعى إحداهن إلى عقد مجلس في بيتها ليجتمعوا به كلهم، وتطلب إلى الشاعر أن ينشدهن بعض أشعاره عن مي فيطلب من صاحبه أن ينشدهن إحدى قصائده :
نظرت إلى أظعـان مـي كأنها ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسبلـت العينان والصـدر كاتم بمغرورق نمت عـليـه سواكبه
بكى وامق حان الفراق ولم تجل جـوائلها أسـراره ومعـاتبـه
ويتكرر اللقاء، ومع تطور العلاقة يفكر ذو الرمة في خطبة مي لنفسه فيصارح أخاه هشام بذلك. ولكن الأخ الأكبر لم يتحمس كثيراً لفكرة الزواج ممن هي أرقى في السلم الاجتماعي. وكان للزواج مراسم ونفقات باهظة لا يقدر عليها فتى يتيم مثل ذو الرمة .
وأصبح على الفتى العاشق أن يغترب بحثا عن المال، فلا حل أمامه سوى الارتحال إلى العراق ومدح الأمراء والحكام، كما كان كل الشعراء في عصره يفعلون، ليحصل على بعض المال.
طالت غيبة ذي الرمة عن مي، وعن البادية ولم تكن في ذلك الوقت وسائل اتصال كالبريد والهاتف تبرد نار العاشقة أو تمنحها القوة والصبر وتجعلها تصر على الانتظار، مهما طال . والأهل لا يصبرون كثيرا على بناتهم، خصوصا إذا ما تقدم واحد من أبناء العم لخطبتها. فيعود ذو الرمة بعد غيبة باحثا عن حبه القديم، ناشدا الوصل، ولكنه يجد أن ميًّا قد تزوجت من ابن عمها وقد رحلت عن البادية معه بعيدا عن المكان الذي عهده ذو الرمة.
تختفي عن ناظره، لكنها لا تبرح خياله لحظة ، حتى بعد أن يلتقي بامرأة أخرى تشغله بعض الشيء. وتقول الحكايات أن ذي الرمة صدم وحزن وهام على وجهه طويلا إلى أن التقى بامرأة أخرى تدعى "خرقاء ". وفي غمرة من غمرات اليأس والحرمان والإحساس بالضياع خيل إليه أنها هي التي تسليه عن مية، وتنسيه غرامها وتعوضه عن حبه الضائع.
فالشاعر الذي مازال مفتونا بحبيبته البدوية، يتوصل أخيراً إلى عنوانها الجديد .ثم يتحين ليلة حالكة الظلام لكي ينزل ضيفا على زوجها، يفعل ذلك وهو متنكر. على أن غفلة الزوج لم تستمر طويلاً، فسرعان ما أدرك الحيلة الماكرة، وفطن إلى أن الضيف المتنكر ما هو إلا ذو الرمة، عاشق مية قبل زواجها منه، وشاعرها الذي تتناقل الأفواه قصائد تشببه بها في كل أرجاء البادية .فأسرع الزوج بطرد الشاعر العاشق من بيته، ملقياً حاجياته وراءه، تاركاً إياه في العراء. ولم يجد ذو الرمة وسيلة ليخفف بها على نفسه ما حدث سوى أن يتوقف أمام البيت، ويغني مردداً بيت شعر كان قد قاله في مي من قبل :
أراجعة يا مي أيامنا الألى بذي الأثل أم لا ما لهن رجوع
وسمع الزوج ذلك الغناء فثارت ثائرته وتساءل في غضب عن معنى الكلام، وما الذي يعنيه ذو الرمة بقوله " أيامنا الألى بذي الأثل "، وصرخ في زوجته مي، وطالبها بأن تقوم فتطرد ذا الرمة وتبعده عن المكان وإلا ضربها بالسيف. ففعلت مي ما أراد زوجها، فغضب ذو الرمة، ونهض إلى راحلته فركبها وانصرف، وقد ألى على نفسه أن يقطع صلته بمي تماماً، وأن يفعل ما بوسعه لكي ينساها. وظل يسير على غير هدى حتى وصل إلى مكان ينزل به أهل خرقاء وتعرف إليها، وأعجبه فقال فيها الشعر.
وقد تميز شعره في صاحبته مي بكثرة البكاء، فحبه عفيف كله أنين وزفرات ودموع وحنين بالغ، فيكثر من وصف دموعه التي لا تطفئ نيران الحب المندلعة في قلبه، وقد نظم يتعزى عنها بمحرابها الذي كانت تعيش فيه، ومن ذلك قوله فيها :
وقفت عـلى ربع لميّة ناقتي فما زلت أبكي عندهُ وأخاطبُه
وأسقيه حتـى كـاد ممـا أبثّه تكلمني أحجارهُ ومـلاعبـُه
all discussions on this book
|
post a new topic


