كتاب النحات كتاب النحات discussion


21 views
الناقد محمود عبد الشكور عن "كتاب النحات"

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

Ahmad Abdulatif "كتاب النحات" لمؤلفها أحمد عبد اللطيف، رواية أخرى هامة ومدهشة، جديرة بالقراءة، وبالاشتباك مع أسئلتها الوجودية والفلسفية، هى بالفعل رواية الأسئلة وليس الإجابات، رواية الدائرة وليس الخط المستقيم( الذى يبدو فرضاً نظريا ليس إلا)، مجاز سردى بديع لأسفار الخلق والتكوين، الجبر والإختيار، الحياة والموت، الحلم والواقع والزمن المراوغ، الصانع والمصنوع، المجرد والمجسّد، و لاتنس أبدا ما يقوله بطل الرواية: "المجاز ليس ضد الحقيقة، هو طريقة مختلفة لقراءتها" .

يمتلك المؤلف جرأة فى المعالجة دون أن تفلت منه أفكاره/ أسئلته الصعبة، ودون أن يتورط فى أى إجابة، يكفيه أن يضع الإنسان أمام التجربة من جديد، بيجماليون آخر يحاول أن يسلى نفسه فى جزيرة منعزلة، نحات فى الأربعين يعيد نحت شخصيات من أقاربه ومعارفه، يحارب الفقد بالفن، يترجم الذاكرة الى كتلة من الطين أو الصلصال، ويكتب على كل تمثال حكايته، ما يعرفه عنه، أو بالأحرى ما بقى منه فى الذاكرة، بعد قليل تدب الروح فى التماثيل، ويخلق حبيبة تشاركه العالم الجديد، تدريجيا يكتشف أن التماثيل التى خلقها لا تراه، يقرر أن تختار مصيرها بحرية بعيدا عما يعرفه عنها فى حياتها السابقة، المذهل أن التجربة ستكون اكتشافا للصانع مثلما هى للمصنوع، هل ستختار الصنائع ما وقع فى الماضى؟ هل ما عرفه النحات عن حياة شخصياته السابقة يمثل النتائج أم المقدمات؟ هل يسعد الصانع بأن تحتاج إليه صنائعه أم تستقلّ عنه؟ هل يسعد بأن يعجنهم وفق إرادته أم بأن يخلق لهم إرادة تجعلهم، مثله، أقدر على الخلق والعجن وبث الروح من المادة؟
مجاز أحمد عبد اللطيف باتساع الكون، وبعمق التاريخ الإنسانى، لذلك جاءت الرواية مجردة من الزمان والمكان والأسماء، مجرد أم وأب وزوج أم ورجل القضيب ورجل البرميل وبائعة اليانصيب على سبيل المثال، مجرد جزيرة ونهر وتراب وأشجار، تتعدد أيضا وسائل المجاز وأدواته، كلها تنويعات على نغمة الخلق ( الذاكرة_ الحلم_ الكابوس السيريالى_ الرسم _ النحت_ التمثيل_ الإخراج المسرحى_ الحكى الشفهى_ كتابة المذكرات_ تعدد أصوات الرواية)، ومثل الخلق الذى يبدأ من العدم وينتهى بالموت الى العدم ، ننطلق الى الأمام، ثم نكتشف أننا عدنا الى بداية الدائرة، خرجنا من عالم دائرى (داخل الرحم) لندور فى دائرة العالم، جنون التشابه الذى يصيب الأبطال، لم يكن سوى مجازا لحياة متشابهة متكررة، "نحن من نخلق التشابه ثم نهرب منه"، ونكتب بعد ذلك :" هذا العالم متشابه الى حد الملل".
بهجة الخلق تولد ومعها مقصلة الموت التى تطارد بطلنا فى أحلامه، نداوة الطين تمتزج بسيولة الدماء، كل طفل يبدأ الإكتشاف من الصفر، يظل حائرا فى البحث عن صانع لا يراه، يولد الكهنة والكهان، يعيدون استعباد الباحثين عن أمل وطمأنينة، يولد المتأملون الباحثون عن الحقيقة وراء المحسوسات، يعرف الإنسان الملكية، ويعرف القتل والعنف، ويولد الفنان الذى يعيد خلق وابتكار الحكايات، فيهبها خلودا على الأرض، ينتقل من جيل إلى جيل.
أسفار الخلق فى "كتاب النحات" تجرّد القصة من قداستها الدينية، تتعامل معها كلعبة عقلية خالصة، وتلّونها بدهشة الفن وعجائبة، موهوب أحمد عبد اللطيف، لديه خياله البديع مثل فنان سيريالى يتلاعب بالواقع، ويصنع معادله الغريب، بيجماليون الجديد أصبح جزءا من اللعبة، رغم أنه أراد أن يتأملها من بعيد، تكفيه لحظات الحب مع عروس النهر، يكفيه أنه اكتشف ما لايعرفه عن الماضى، لن يتوقف عن المحاولة، سيذهب الى جزيرة أخرى، ربما على أمل أن يكون المصنوع أفضل.
أين تكمن المشكلة؟ هل هى مشكلة الصانع الذى صنع مخلوقا تتعارك بداخله المتناقضات؟ هل هى مشكلة المصنوع الذى تاه منه الطريق، أراد أن يهرب من قدره فوقع فيه مثل أوديب؟ هل المشكلة فى التناقض الصارخ بين الطين الثابت والروح الأثيرية؟ هل كانت ستصير الأمور أفضل لو أن المصنوع استطاع أن يرى الصانع وهو يراقبه وينظر إليه فى غضب؟ أم أن المأساة فى أن الموت مقصلة تسلب الحياة كل المعانى؟
يبدو أن المشكلة فى أنه عندما يولد الإنسان يولد السؤال، المشكلة فى أن علامة الإستفهام لا تتوقف عن الظهور، الأزمة فى أن بطلنا فكّر منذ الصفحة الأولى بأنه ربما استطاع التخلى عن عالمه بأكمله، دون أن يتمكن من التخلى عن الأسئلة، الإجابات نفسها تولّد أسئلة أخرى، أهمية هذه الرواية البديعة فى قدرتها على جعل قارئها أكثر قدرة على طرح الأسئلة، وأحسب أنها فعلت ذلك بامتياز.

محمود عبد الشكور..


back to top