ضريح أبي ضريح أبي discussion


10 views
ـ د.أماني فؤادالقدس العربي: الصراع الثقافي في قبضة الخيال السردي الجامح

Comments Showing 1-1 of 1 (1 new)    post a comment »
dateUp arrow    newest »

message 1: by Tareq (last edited Sep 03, 2013 02:12AM) (new) - rated it 5 stars

Tareq Imam نشأت في مدينة ساحلية، تقتات من رائحة البحر وزرقته، من صفاء تلال بيضاء، ينغرس فيه نخيل شامخ ، يتطاول لعله ينفذ إلي السماء.
من المعتاد هناك أن تجد عششا بسيطة يفترش فيها الرجال والنساء الأرض ؛ ليضفرون جدائل طويلة من السعف، يقبضون علي أطرافها بأصابع أرجلهم ، وتضفر أيديهم تلك المحكمات بحنكة وصبر، كما تضفر ألسنتهم حكايات العالم من حولهم في فطرة رائقة عميقة ، تنداح فيها الحدود بين الواقعي والغيبي.
تحت إحدي هذه العشش تراءي لي "طارق إمام" يغزل ضفيرته ، نص "ضريح أبي" من الأفكار والثقافات المتنوعة والمتداخلة والمتباينة : الشعبية، والصوفية، والدينية ، نصا يجدل فيه عالما مزدحما بموروثاته.
قد تراه الجموع كتلة متسقة واحدة ، فيواجهها المبدع ليفكك ثوابتها ومقدساتها، يخترق المتداول، ويتطاول إلي الميتافيزيقي؛ ليساءل الوجود وخزائنه الثقافية ، كما يناوش فلسفة الفن، ويضيف بصمته الخاصة.
يقبض الروائي علي اللغة وأساليبها ومجازاتها ويطوعها ، ويخلّق شخصيات بينية، موزعة بين الحقيقة والورق.
يجرد البشر من جسدانيتهم ، ويقطَّر الشخوص، يرشّحها من تفاصيلها المعتادة، ويضيف إليها تحولات غرائبية مشوهة ؛ لتحمل وتجسد قيما شديدة التجريد والالتباس والجدل.
ــ 1 ــ
تتبدي بنية الرواية غير كلاسيكية ، يتشكل الصراع فيها بداخل السارد، الموزع بين قبر افتراضي لأمه، التي ماتت لحظة ولادته ، بعد أن عانت وعاني معها الابن من توجس البشر منهما، ونعته بابن السفاح، وضريح أبيه الذي يباركه جموع الناس، ويضفون عليه التبجيل والتقديس ، رغم أنه أقرب إلي الموات ، لكنه يحيا في الأحلام ، وفي المدن الموزعة بين الطبيعة المتنوعة الجغرافيا ، في العقل الجمعي للبشر وأوهامهم التي تكتسب مع الوقت القداسة لقدمها، وبين الاثنين يحاول الابن أو السارد أن يجد له مكانا بالوجود، من خلال واقع يتنازعه الموروث الأسطوري والغيبي والديني، الذي يقف في مواجهة مع الفن والفكر والعلم، الذي يبدعه الإنسان ولا يدعي السماوية أو التعالي أو الغيبية والخرافة.
يُشهر النص مواجهة من خلال عالم الأحلام الذي يعرض لحيوات وعوالم مختلفة التكوين ، فيها يعصف الروائي بالمألوف والمعتاد ، ويسلط الأضواء علي العالم العجائبي مهما اختلفت بيئاته وتنوعت ، وفي هذا الخضم يحاول السارد أن يكتب وجوده الخاص ، بصمات أفكاره التي من حقها أن تترك أثرها علي العالم، وتعيد ترتيب قيمه، وموروثاته الأسطورية، والدينية ، تؤمن بها، أو تكفر بعوالم الكراهية والشر فيها، بالحروب والعنف، وعوالم اللامنطق.
ــ 2 ــ
تتنوع جدائل أو محاور ضفيرة نص "ضريح أبي" ويميزها أولا: انطلاق عالمها من ثقافة شديدة المحلية ، تبرز الفلكلور المصري التراثي، وخياله الديني الشعبي المستقر والمتوارث في قرانا ومدننا ، بشفراته ومفردات عالمه التي يتمثل بعضها في الولي وضريحه ، العتبات ، صندوق النذور ، طقس التمسح والتبرك بهذه الكيانات التي تكتسب صفة التقديس في أذهان البسطاء ، وتعد لديهم جسورا مادية محسوسة لمطلقات ربما تتسرب فاعلياتها الغيبية في هذه المجسدات، تتمثل في أذهانهم وعيونهم التي تبحث عن مرئي، مادي، مجسد، يسكبون بداخله متخيلهم للغيبي.
كما تتبدي مظاهر وشخوص هذا العالم في النص مثل : حارس الضريح ، قاطع الطريق التائب ، مقرئة القرآن ، وهنا لفته تفكيكية للموروث المستقر في مجمله، فمقرئ القرآن في المقابر عادة ما يكون رجلا لا سيدة .
تكتسب الجديلة الثانية نبض وحيوية البشر من خلال شخصيات العمل، التي قد نري البعض منهم حولنا رؤيا العين ، لكن المؤكد أننا لن نراهم علي النحو الذي يخلقهم به السريالي "طارق إمام" لأنهم في الحقيقة رموز لمعاني شديدة التجريد.
يصاحب تلك الشخوص عالم آخر من الكائنات العجائبية مثل الكلاب التي يصفها بقوله: "مسوخ سوداء لكلاب ذئبية نحيفة بلا آذان أو ذيول ، خطومها شديدة الطول، وكلها من الذكور، لم يعرف الناس أبدا كيف يمكن لهذه المسوخ أحادية الجنس أن تتناسل.."ص11.
أو رأس مشوهه تتحرك وتحيا بمفردها ص140 ، أو شخصية "إسحق" هذا المسخ الذي يصفه قائلا:"كان إسحق عجوزا غريبا ممسوخا بحاجبين كثيفين مقلوبين تحت عينيه، وله أنف بلا ثقوب ، .."ص142 ، وغيرها من شخوص متعددة.
تهب هذه التكونات الفنية العجيبة والمشوهة في الغالب عالما سحريا خاصا للنص، تبتعد به مسافة ما عن الواقع ، يفارقه الروائي لا ليعلو عليه، لكن ليستطيع أن يفككه ويعيد النظر فيه، ويضرب برمحه في قداساته. كما أنها تحمل شفراتها الرمزية التي يتغيا الكاتب منها دلالات فكرية متنوعة.
تعلو وترتفع الجديلة الثالثة لتنقلنا إلي ثقافة الوجود ، الثقافة الكونية ، كأننا إزاء نظرية فيض جديدة، فيض فني مستحدث، يعلو بالمقابر والأضرحة والشخوص، أشباه المجاذيب أو الممسوسين ، معتركي التناقضات ، غريبي الملامح ، إلي أزمة الإنسان في هذا الوجود الكلي ، الصراع بين الموروث والحداثة، الحرية في أشكالها كافة، وأولها حرية الإبداع والكتابة، ومناوشة ما اكتسب صفة التقديس.
تتحول تلك الكائنات الفنية المغموسة في فلكوريتها وتلتصق بالبيئة الريفية المصرية إلي دلالات مفتوحة رحبة؛ لترسم صراعا تعاني منه مجتمعاتنا العربية منذ قرون.
يتحول الولي في قراءاتي للنص إلي مجسدا للقوي الغيبية المتعالية، إلي كل ماهو ميتافيزيقي موروث وقديم ، قد يكون كينونة الزمان بعمقة الممتد في الماضي، وشبكة تشاعباته في الحاضر، بما يحمله من أساطير ومعارف، وقد تلصق بالولي معجزات الأنبياء، ويعير له الكاتب بعض إمكاناتهم وكتبهم المقدسة ، أو مخطوطاتهم.
في النهاية يمثل الولي كل ما اكتسب أو اُلصقت به سلطة القداسة ، وتكلست معجزاته التي لا محالة تشكلها الأوهام والخرافات بطبقاتها الجيولوجية المتراكمة التي يرسبها الزمان ، حتي تصير أيقونات راسخة في ذهن جموع البشر ، فيتحرك بعالمنا ظلالا كامنة في الموروث الجمعي من : الأولياء ، وأصحاب الكرامات ، الأنبياءوالرسل، أهل الخطوة وأصحاب الخوارق.
قد يمثل الضريح في النص وجثمان الأب فلسفة الرمز الوسيط في الأديان، ودوره في حياة البشر البسطاء ، الدين الذي في أجواءه يرتكن الإنسان إلي قوة وقدرة متعالية ، يستند عليها، ويهرب فيها البشر من الفناء والعدم .
في لفتة ذكية ينفتح مفهوم الدين في هذا النص، ليستدعي الروائي مذاهب الإسلام المتعددة وتياراته من السنة، والصوفية، والسلفية شديدة الأصولية، إلي ملامح من تيار التشيع أو ما أستطيع توصيفه باليسار الإسلامي في صورته الأكثر انفتاحا،ويشير بالرموز إلي الصراعات والحروب التاريخية بينهم.
وتأسيسا علي الظاهر والباطن ، يأخذ الكاتب ظلالا من عوالم التصوف ومعارجها الفكرية والوجدانية، متكئا علي الأحلام، والطقوس التحولية، والتأويل؛ ليشيد نصه ، تناصا مع موروث أزلي يتمثل في خوف الإنسان من الفناء، الذي يقف من وراء الدافع إلي نشأة فكرة الإله ذاتها، والوسائط التي تبتكرها أوهامه، فيقيم ويبني الإنسان التمثال والمعبد والضريح، وتتنزل الكتب المقدسة ، و المزامير والوصايا، وغيرها من وسائل، تطمئن البشر بعيدا عن نهاية يرونها أمامهم كل لحظة، وهنا تستدعي أيضا عملية كتابة ابن الولي لكتابه الخاص، وفعل الكتابة أو قيمة الكلمة، التي تعد امتدادا للهروب من الفناء .
وقد يعود الولي في أحد تأويلاته إلي مرحلة ماقبل الأديان ، الأساطير التي كانت تشغل مكانة الأديان، والحيز الذي كان شاغرا في العقل الجمعي للشعوب .
ــ 3 ــ
يبدو أن طارق إمام يلهو بنا ، يمارس لعبة المراوغة مع قارئه، وأنا بدوري سأعكس اتجاه اللعبة .
مع سبق الأصرار والترصد يفكك الروائي عوالم قد استقرت، فيضرب في أعمدتها بمعاول مراجعاته للموروث ، ويخدش طلائها الناعم البراق بأظافر كلماته ومجازاته.
من "الأم" سيدة هذا النص، المنغمس بالواقعية السحرية وعوالمها ؟ من نعمة ، ومن سبيل ، ومن سيدة الكحل، ومن السيدة من ورق؟
أتصور أن كل هذه الشخوص الورقية تتجمع معا، وتنعجن في بوتقة لغة "إمام" وتكويناته الأسلوبية، وتشكيله لبعض المشاهد السريالية والواقعية في هندسة سردية الرواية علي نحو خاص؛ لتحيلنا إلي المعرفة ، المعرفة الحرة ، إلي الإبداع الذي يجرب، ويفسر العالم موازاة معه، من مسافة بعيدة نسبية يراه ، يلتقط منه ما يحاكيه ويوظفه، لكنه لا يعترف بقداسته .
يسمو بالفن والغناء، النحت والتماثيل والتشكيل، الكتابة، وكل ما ينتجه الإنسان خارج سلطة المقدس والمؤسسي ، إلي معرفة العقل ، إلي التجربة و إمكان الخطأ والصواب ، إلي الإبداع علي غير مثال سابق، وهي حرب شديدة الوطأة، فاللقديم سطوة وقوة لا يعرف عمقها في عقول وقلوب المجتمعات إلا من يتبني التحديث، وسيظل يعاني من آثارها التي لن تنمحي كلية ، لكن يبقي الأمل دائما في خلخلتها.
ولذا تبدو الأم ونعمة وسبيل كلهن محملات بخطيئة ما ، قد تتحدد معالمها أو لا تتحدد ، النهائي والجوهري أنهن ينجبن مستقبلا ، يتسببن في قادم ، ينجبن إنسان الخطيئة، ولا تقاس الخطيئة هنا بالأخلاق، قدر قياسها بأنها تخرج عن إطار السلطوي والرسمي والمؤسسي، الذي يأخذ مسوح القداسة، وهو ما لا يناقشه المجتمع لوطأة صور كهنوته برغم لا منطقيته.
عودة معي إلي نزهة سريعة في الماضي، أسطورة "إيزيس وأوزوريس"، من رحم الموت وبقوة النهر يستجمع المصريون الحياة، يلملمون أشلائها ، من نفس هذا الطقس الفنتازي الأسطوري تترسب جينات باتت راسخة في الثقافة الموروثة لدي المصريات .
ففي المقابر، صوبة الموت المكثفة، تقف المرأة العاقر عارية في الليل المدلهم، ليخشاها الخوف، وتتلبسها قوة الموت، فتصب فوق جسدها مياة النهر وهي تضمر في ذهنها تعاويذ جدتها إيزيس باعثة الحياة ، يتكاتف النهر باعث الخصوبة، وسحر الكلمات، واستنفار الموت و تحديه فتبعث الحياة من طاقته الراسخة ، والتي لا تقف أمامها أية قوة، موروث نما وأخذ تنويعاته في الدماء المصرية وموروثاتها.
تبقي الأم في نص "ضريح أبي" مزيج رائق متداخل من إيزيس الخصوبة ، من المعرفة والحرية ، من هدم المتحفي والخرافي والجاهزي المعلب؛ للخروج إلي عوالم أكثر اتساعا ، عوالم من شأنها أن تموت وتندثر ، لكنها تستمد بعث الحياة فيها من سطوة الموروث وقدمه.
ــ 4 ــ
تستند تجربة الروائي في تصميم النص علي هندسة المتاهة والمراوغة ، منطقة مابين الحلم واليقظة، ما بين الغيبي والحقيقي الواقعي ، مابين الموت والحياة، وهنا أشير إلي ما ذكرته في دراسة سابقة، كنت قد قمت بها لرواية "إمام" "الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس" بعنوان "التقنية ثورة تحرر" ، وهو ما يجب التأكيد عليه مرة أخري ، فهذه العوالم تبعث علي الخروج من أسر التقنيات التقليدية ، وتفتح نوعا آخر من الجماليات المجاوزة، التي تدفع بتجدد عوالم الإبداع، وتنفي عنها نمطيتها فتصبح التقنية هي الحامل لطقس التغيير الفكري والثقافي.
تصبح التقنية لسان حال التحولات التي تعانيها المجتمعات التي يعوق مسار تطورها كل ما هو أقرب إلي القبور وساكنيها، فتظهر الكائنات المسخ ، والأجساد التي بلا رؤوس ولا عقول، بائع الوجوه الذي يبدل الوجوه القبيحة بأفضل منها، ثم ما تلبث أن تمحي الملامح المزيفة، وكلها كائنات وتكوينات فنية وتقنيات غرائبية تشير إلي تحولات المجتمع التي تشمل قيمه الأساسية، وحجم القبح والعنف المستشري فيه، تبعث بمناخ من الرعب والخوف من وجود كل هذا الخراب والقدم والضياع الذي يشمل الجميع.
ولذا أيضا قد يبدو النصف الثاني من النص المعنون "بحيوات الرجل الميت" دون تلمس القارئ لحبكة حقيقة ، وكأن الخيوط السردية انفلتت من الكاتب بدرجة نسبية ، لكن طبيعة الفكرة المعالجة، ورمزيتها المكثفة، هو ما فرض انفتاح التقنية علي هذا النحو، قد يتجلي ذلك حتي في تحديد هوية السارد ، هل ابن الولي من يحكي، أم أنه الولي ذاته؟ لكن في الحالتين لا يبقى النص قلقا ؛ لأن للحالتين تأويلا يزيد من بريق النص وبراح دلالاته.
و يتوالي السرد في النص بلسان المتكلم، من خلال سارد رئيسي لا يهبه الروائي اسما متعمدا، الابن الموزع بين والديه: الولي الذي مات منذ بضع مئات من السنين، ويسكن هذا الضريح الذي يمتلك سطوة روحية علي الناس، فيذهبون إليه للتبرك به، وترك النذور فيه، وبين أمه التي عاشت حياتها هائمة، ثم ماتت لحظة أن أنجبت هذا السارد.
السارد الذي يبدو بالنص إنسانا مطلقا يتوق إلي الكتابة، تستهويه الخطوط والمعرفة، تدعوه ثقافتة أن يقرأ ما قبل وجوده، كل ما دونه الزمان، أي ثقافة الجاهزية التي تميل إلي الأساطير بكل ما تحويّه، ثم يشرع أن يكتب ذاته، وهنا تأتي المفارقة، فهو حين يكتب ذاته وحاضره وأحلامه تنمحي وتبيض صفحات المخطوط القديم،والمعارف المقدسة.
يشير الكاتب إلي هذا الصراع الأزلي بين الإنسان وقتل الأب ، الأب بدلالاته الأكثر اتساعا من شخصانيته: المرجعية التي ترمز لمعرفة الأجيال السابقة ، المعرفة القديمة المتوارثة التي تنجرح وتتهاوي وتتفكك في لحظة التنقيب في الحاضر والمستقبل، قدر ما أعطت في بعض الفترات التاريخية السابقة ، الموروث الذي يهبنا من خلال بعض محتواه أدوات هدمه ، وهو ما دعي الروائي لجعل لحظة كتابة السارد لذاته نفس لحظة محو الصفحات في الكتاب أو المخطوط المتوارث، أو قد يكون الأب هو هذا البشري المتجسد، والذي نحيا أيامنا في محاولات مستميته من الخروج من سلطته المفترضة،... أفضل أن تبقي التأويلات مفتوحة دون أن تغلق علي دلالات بعينها.


back to top