من باب الرصانة، والتحفظ، لا يليق دائمًا بأصحاب الحصافة أن يستهلوا تقييمهم لكتاب ذي منحى علميٍّ بحثيٍّ جادٍّ بالقول إنهم تمتعوا بقراءة الكتاب، هناك استهلالات أخرى معروفة تناسب الموقف، يستخدمها الكتَّاب كمدخلٍ معقول، تأكيدًا على وقارهم وتميزهم عن القارئ الاعتيادي الباحث عن المتعة.
لكن أجدني في هذا المقام الذي أعبر فيه عن تجربتي في قراءة كتاب (اختلاف الإسلاميين) لمؤلفه الباحث المجتهد النابه: أحمد سالم، المعروف في عالم الشابكة بـ (أبو فهر السلفي)، أعترف صراحةً بأن هذا الكتاب أمتعني كثيرًا، وأنني لا أرغب في استهلالٍ آخر رغم تميز الكتاب المعرفي الذي يصل بي للقول إن الكتاب كان ضروريًا جدًا، ويسدُّ فجواتٍ معرفيةً محرجةً عند بعض الإسلاميين أنفسهم فيما يخص الحركات الإسلامية، ويلح بغير أي إلحاح، على ترسيخ علاقةٍ صحيةٍ بين الفرد والكيان.
كنت قد جهَّزت نفسي للاستفادة من الكتاب الذي أعرف عن صاحبه جدية الطرح و(عُرْض القماشة) وسلامة الوصول للأهداف البحثية، لم يكن لدي شك في هذا؛ إنما كانت ثمة مفاجأة في انتظاري في أن يتعهد الباحث بحثَه بهذا المستوى الفائق من الاقتدار والرقي والصرامة، دون أن يمنع هذا ذلك الشعورَ الغامضَ والمستعذبَ من الألفة والأنس، والرغبة في امتداد (الحكاية) البحثية التي يرويها راوٍ عجيبٍ لا يرفع الكلفةَ ولا يرتجل ولا يخلط، ومع ذلك، لا يرغب الجالس إليه في الاستئذان من مجلسه أبدًا.
لقد استحضر شخوصًا غاية في التمثيل لمرجعياتهم الفكرية، في ضربةٍ بحثيةٍ متعبةٍ ومدهشة، أدت إلى (مَسرَحة) المتن مسرحةً شبهَ كاملة، أي جعلنا نعيش مع الأبطال، على اختلاف أنواعهم، نسمع بآذاننا ما تم التصريح به، لا مع ما يدور بالأذهان. هذه هي المسرحة، حيث يكون (الكلام) لا ما يعتمل بالصدور، هو الوسيلة الأساس لفهم المشهد واستيعاب تضاعيفه، ولم يقبل الباحث أن يتواطأ مع قرائه في تجميع فجواتٍ صغيرةٍ وماكرةٍ عن النوايا يحشوها بما يريد ليدَّعي بعض القراء خلفه أن استنتاجاته هي حقائق لا تقبل الجدال، وكذلك لم يتواطأ معهم في كنس أي شيءٍ قبيحٍ بسرعةٍ وإخفائه تحت السجادة، ليدعوا بأعينهم أنهم لم يلحظوا شيئًا. حتى أنه يمكنني أن أقول إنه كان مبدعًا في خطة (النقولات) الطموح والموسعة واللبقة التي أدت لتصارع الشخصيات بكل ما لديها من حجةٍ ومنطقٍ وهواجس واستبسالٍ على صفحات كتابه الذكي، والتي منع نفسه بها عن أي تدخل إخراجي يسمح له بالتأثير على فهم الناس للمشهد (البانورامي) الموسع والأخاذ الذي تظهر فيه شخصيات ماتت منذ عشرات السنين جنبًا إلى جنب شخصيات تطل علينا يوميًا عبر الفضائيات، يتشاور هذا مع ذاك، ويمسك فلان بتلابيب علان، رغم أنهم لم يلتقوا على وجه الأرض. ولا يستطيع قارئ أن يغامر بادعاء أن أحمد سالم قد اختار شخصيةً واحدةً لا تقدمها الفهارس الإسلامية كشخصياتٍ مرجَّحةٍ تمتلك وجاهة التعبير عن تياراتها، أو مارس إحدى الألعاب الفقيرة للعمل الصحفي بالاجتزاء غير النزيه من السياق. إذن الباحث المشتبك بالحالة الإسلامية في مصر اشتباكًا كاملًا، والذي يطل على ضجيجها كما يطل على أدبياتها، نجا مما يقع فيه (المخلَّص) من تقطيع (هدومه) كما يقول المثل المصري عمن دخل ليفصل في حالة شجارٍ عاتية.
لقد تصرف كوَحْشٍ هادئٍ ومنطقي، كان كوحْشٍ وهو يجمع مادته بطموحٍ وعنفوان، ولم يستثن بعض الجيوب الحساسة تحت دعوى الحرج. ويبدو أنه لم يكن يبالي إلَّا بأن يستوفي مادته تمام الاستيفاء، ولم يكن يخشى من تهمة نشر الغسيل القذر وما شابه، ولم يكن قلقًا بشأن ردة فعل الإسلاميين الذين لا يختلفون كثيرًا عن عامة الناس في المنطقة في مسألة التحسس البالغ من كل نقدٍ حتى لو كان ضمن متنٍ علمي. أما هدوء ومنطقية هذا الوحش فكانت في ضبطه تعبيره عن المادة بمعايير نزيهةٍ وغير مضطربةٍ وبريئةٍ من الروح الثأرية وبمستوى نبيلٍ من التجرد، معتمدًا على الحل (النقلي) الذي كان في محله تمامًا. والذي أدى مع سيطرة الباحث التامة على عاطفته، وعلى أدواته، إلى وضع القارئ الإسلامي المخلص والبسيط والمنقاد في مواجهة يضيق بها، في مواجهةٍ يضيق بها مع نسبية القوالب المتاحة التي لا ترقى إلى مستوى التعبير المحكم عن المقدس (الدين)، وهذا وإن ضايقه قليلًا أو كثيرًا فإنه يحرر وعيَه من فتنة التصور الساذج للكيان الخلاصي الذي يمثل وحده سفينةَ النجاة، والتصور الساذج للشيخ المعصوم.
ولقد أدت براعته في جمع المادة من الكتب والمنتديات واللقاءات التلفازية بدون أن يرتبك في زحام ما جمع، وفرزه الجيد لها ووضعها في محلها الصحيح من عمله، مع وجود هذا التحدي المخيف في التعامل مع مادة طازجة مستعرة من المشهد السياسي المصري، أدت إلى ظهور الباحث كمصورٍ بارعٍ حقًا؛ فإذا كان الأمر يتعلق بالقدرة على ضبط وتوثيق أحداث حاضرة متجددة لازالت تتفاعل وتنتج وتتحدى بأسلوبٍ يجمعُ بين التدفق والإحكام، وفي كتاب يتصف بذات الوقت بالرصانة واتزان الانفعال، فإنه يمكنني أن أقول إن أبا فهر السلفي (أحمد سالم) قد نجح كل النجاح في كتابه (اختلاف الإسلاميين) في أن يلتقط كل الصور الواضحة وغير المهزوزة التي أرادها، ومن مختلف الزوايا، للحصان وهو يركض.
وهذه المقالة لم أشأ أن أجعلها عارضةً لبعض جهد الكاتب في رسم الخريطة الإسلامية التي بدت معه حاضرة بأبعادها الثلاثية يحلق القارئ فوقها بيسر وسهولة، ولم أشأ أن أجعلها عارضةً لما بسطه من أوجه الاختلاف بين التيارات الإسلامية المختلفة؛ حفاظًا على (كلية) التجربة؛ مؤمنًا بأن القارئ إن تعايش مع سطور هذا العمل كاملةً سيكتسب شيئًا من النضج والتفهم بطول المعايشة، لن يكتسبهما من عرضٍ (كراسيٍّ) يتسم بسرعة وتكثيف عنيفَين قد يكون إثمه أكبر من نفعه. لقد تورَّعت عن تقديم ورقةٍ ملخصةٍ للعمل لأني شعرت أن تلخيصي لعمل كهذا، به من التعدي ما بتلخيص ملحمة- حتى لو قام الكاتب نفسه في آخر بحثه بتلخيص عمله - مكتفيًا في مقالتي بالإشارة إلى أهمية الكتب وثراء مادته وسلامته، ومعبرًا عن إعجابي بهذا الباحث المتوسع والمتجرد الذي قدم بعمله نموذجًا يحتذى للباحثين في الدقة والضبط والتصنيف وقوة الأداة.
لكن أجدني في هذا المقام الذي أعبر فيه عن تجربتي في قراءة كتاب (اختلاف الإسلاميين) لمؤلفه الباحث المجتهد النابه: أحمد سالم، المعروف في عالم الشابكة بـ (أبو فهر السلفي)، أعترف صراحةً بأن هذا الكتاب أمتعني كثيرًا، وأنني لا أرغب في استهلالٍ آخر رغم تميز الكتاب المعرفي الذي يصل بي للقول إن الكتاب كان ضروريًا جدًا، ويسدُّ فجواتٍ معرفيةً محرجةً عند بعض الإسلاميين أنفسهم فيما يخص الحركات الإسلامية، ويلح بغير أي إلحاح، على ترسيخ علاقةٍ صحيةٍ بين الفرد والكيان.
كنت قد جهَّزت نفسي للاستفادة من الكتاب الذي أعرف عن صاحبه جدية الطرح و(عُرْض القماشة) وسلامة الوصول للأهداف البحثية، لم يكن لدي شك في هذا؛ إنما كانت ثمة مفاجأة في انتظاري في أن يتعهد الباحث بحثَه بهذا المستوى الفائق من الاقتدار والرقي والصرامة، دون أن يمنع هذا ذلك الشعورَ الغامضَ والمستعذبَ من الألفة والأنس، والرغبة في امتداد (الحكاية) البحثية التي يرويها راوٍ عجيبٍ لا يرفع الكلفةَ ولا يرتجل ولا يخلط، ومع ذلك، لا يرغب الجالس إليه في الاستئذان من مجلسه أبدًا.
لقد استحضر شخوصًا غاية في التمثيل لمرجعياتهم الفكرية، في ضربةٍ بحثيةٍ متعبةٍ ومدهشة، أدت إلى (مَسرَحة) المتن مسرحةً شبهَ كاملة، أي جعلنا نعيش مع الأبطال، على اختلاف أنواعهم، نسمع بآذاننا ما تم التصريح به، لا مع ما يدور بالأذهان. هذه هي المسرحة، حيث يكون (الكلام) لا ما يعتمل بالصدور، هو الوسيلة الأساس لفهم المشهد واستيعاب تضاعيفه، ولم يقبل الباحث أن يتواطأ مع قرائه في تجميع فجواتٍ صغيرةٍ وماكرةٍ عن النوايا يحشوها بما يريد ليدَّعي بعض القراء خلفه أن استنتاجاته هي حقائق لا تقبل الجدال، وكذلك لم يتواطأ معهم في كنس أي شيءٍ قبيحٍ بسرعةٍ وإخفائه تحت السجادة، ليدعوا بأعينهم أنهم لم يلحظوا شيئًا. حتى أنه يمكنني أن أقول إنه كان مبدعًا في خطة (النقولات) الطموح والموسعة واللبقة التي أدت لتصارع الشخصيات بكل ما لديها من حجةٍ ومنطقٍ وهواجس واستبسالٍ على صفحات كتابه الذكي، والتي منع نفسه بها عن أي تدخل إخراجي يسمح له بالتأثير على فهم الناس للمشهد (البانورامي) الموسع والأخاذ الذي تظهر فيه شخصيات ماتت منذ عشرات السنين جنبًا إلى جنب شخصيات تطل علينا يوميًا عبر الفضائيات، يتشاور هذا مع ذاك، ويمسك فلان بتلابيب علان، رغم أنهم لم يلتقوا على وجه الأرض. ولا يستطيع قارئ أن يغامر بادعاء أن أحمد سالم قد اختار شخصيةً واحدةً لا تقدمها الفهارس الإسلامية كشخصياتٍ مرجَّحةٍ تمتلك وجاهة التعبير عن تياراتها، أو مارس إحدى الألعاب الفقيرة للعمل الصحفي بالاجتزاء غير النزيه من السياق. إذن الباحث المشتبك بالحالة الإسلامية في مصر اشتباكًا كاملًا، والذي يطل على ضجيجها كما يطل على أدبياتها، نجا مما يقع فيه (المخلَّص) من تقطيع (هدومه) كما يقول المثل المصري عمن دخل ليفصل في حالة شجارٍ عاتية.
لقد تصرف كوَحْشٍ هادئٍ ومنطقي، كان كوحْشٍ وهو يجمع مادته بطموحٍ وعنفوان، ولم يستثن بعض الجيوب الحساسة تحت دعوى الحرج. ويبدو أنه لم يكن يبالي إلَّا بأن يستوفي مادته تمام الاستيفاء، ولم يكن يخشى من تهمة نشر الغسيل القذر وما شابه، ولم يكن قلقًا بشأن ردة فعل الإسلاميين الذين لا يختلفون كثيرًا عن عامة الناس في المنطقة في مسألة التحسس البالغ من كل نقدٍ حتى لو كان ضمن متنٍ علمي. أما هدوء ومنطقية هذا الوحش فكانت في ضبطه تعبيره عن المادة بمعايير نزيهةٍ وغير مضطربةٍ وبريئةٍ من الروح الثأرية وبمستوى نبيلٍ من التجرد، معتمدًا على الحل (النقلي) الذي كان في محله تمامًا. والذي أدى مع سيطرة الباحث التامة على عاطفته، وعلى أدواته، إلى وضع القارئ الإسلامي المخلص والبسيط والمنقاد في مواجهة يضيق بها، في مواجهةٍ يضيق بها مع نسبية القوالب المتاحة التي لا ترقى إلى مستوى التعبير المحكم عن المقدس (الدين)، وهذا وإن ضايقه قليلًا أو كثيرًا فإنه يحرر وعيَه من فتنة التصور الساذج للكيان الخلاصي الذي يمثل وحده سفينةَ النجاة، والتصور الساذج للشيخ المعصوم.
ولقد أدت براعته في جمع المادة من الكتب والمنتديات واللقاءات التلفازية بدون أن يرتبك في زحام ما جمع، وفرزه الجيد لها ووضعها في محلها الصحيح من عمله، مع وجود هذا التحدي المخيف في التعامل مع مادة طازجة مستعرة من المشهد السياسي المصري، أدت إلى ظهور الباحث كمصورٍ بارعٍ حقًا؛ فإذا كان الأمر يتعلق بالقدرة على ضبط وتوثيق أحداث حاضرة متجددة لازالت تتفاعل وتنتج وتتحدى بأسلوبٍ يجمعُ بين التدفق والإحكام، وفي كتاب يتصف بذات الوقت بالرصانة واتزان الانفعال، فإنه يمكنني أن أقول إن أبا فهر السلفي (أحمد سالم) قد نجح كل النجاح في كتابه (اختلاف الإسلاميين) في أن يلتقط كل الصور الواضحة وغير المهزوزة التي أرادها، ومن مختلف الزوايا، للحصان وهو يركض.
وهذه المقالة لم أشأ أن أجعلها عارضةً لبعض جهد الكاتب في رسم الخريطة الإسلامية التي بدت معه حاضرة بأبعادها الثلاثية يحلق القارئ فوقها بيسر وسهولة، ولم أشأ أن أجعلها عارضةً لما بسطه من أوجه الاختلاف بين التيارات الإسلامية المختلفة؛ حفاظًا على (كلية) التجربة؛ مؤمنًا بأن القارئ إن تعايش مع سطور هذا العمل كاملةً سيكتسب شيئًا من النضج والتفهم بطول المعايشة، لن يكتسبهما من عرضٍ (كراسيٍّ) يتسم بسرعة وتكثيف عنيفَين قد يكون إثمه أكبر من نفعه. لقد تورَّعت عن تقديم ورقةٍ ملخصةٍ للعمل لأني شعرت أن تلخيصي لعمل كهذا، به من التعدي ما بتلخيص ملحمة- حتى لو قام الكاتب نفسه في آخر بحثه بتلخيص عمله - مكتفيًا في مقالتي بالإشارة إلى أهمية الكتب وثراء مادته وسلامته، ومعبرًا عن إعجابي بهذا الباحث المتوسع والمتجرد الذي قدم بعمله نموذجًا يحتذى للباحثين في الدقة والضبط والتصنيف وقوة الأداة.
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Literature_Lang...