“..في سياق حديثنا عن مسألة الأعضاء الضامرة يجدر بنا أن نناقش الآثار الوخيمة لهذا الاعتقاد على المجتمع من خلال ما يمكن وصفه بـ «هوس استئصال الأعضاء» الذي كان منتشرا في مطلع القرن العشرين، فبعد انتشار الأعمال البحثية للويس باستور في المجال الذي يطلق عليه الآن علم الجراثيم، أصبح الباحثون في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر مهتمين للغاية بمعرفة دور الميكروبات التي تستوطن الأمعاء، في 1907 قام عالم الأحياء الروسي إيليا ميتشنيكوف Élie Metchnikoff بإعادة إحياء فرضية قديمة حاولت تفسير منشأ الأمراض المزمنة اسمها «التسمم الذاتي Autointoxication»، تنص هذه الفرضية على أنّ القولون أو الأمعاء الغليظة عضو ضار للجسم لأنه يجمع الأكل غير المهضوم والمتخمر الذي يتعفن أثناء الإمساك ويوفر بيئة مناسبة لتكاثر البكتيريا الممرضة التي تنتقل إلى الدم لاحقا وتفسد الأعضاء، أما الشيخوخة ومايتبعها من اعتلالات عصبية كالخرف والنسيان فسببها هو السموم المنبعثة من البكتيريا المتعفنة في القولون، والتي تغيّر سلوك الخلايا المناعية من الدفاع عن الجسم إلى تدمير الأنسجة السليمة بمافيها أنسجة الدماغ، بناء على هذه الاعتقادات وصف ميتشنيكوف القولون في مناسبات عديدة بأنه «بالوعة ضامرة Vestigial cesspool »، وكان لتأثره بأفكار داروين عن الأعضاء الضامرة دور كبير في توصله إلى هذا الاستنتاج والتمسك به، فهو كان مؤمنا بأنّ الجهاز الهضمي للإنسان المتطور من شبيه قرد لم يتعود بعد على النظام الغذائي المعاصر، وفي كتابه (طبيعة الإنسان The Nature of man) استدل بنفس الأعضاء التي زعم داروين وهيكل وويدرسهايم بأنها ضامرة، وقال أنها أمثلة واضحة على عدم التناغم Disharmony في جسم الإنسان، وأنّ الراجح أنها شواهد تاريخية عديمة الجدوى Useless inheritances، بناء على هذا الطرح حاول ميتشنيكوف أن يقدم علاجا للأمراض المستعصية والشيخوخة مستعينا بأعمال باستور الذي اكتشف بأنّ بعض البكتيريا اللبنية تنتج أثناء عملية التخمر مستقلبات مضادة للميكروبات الممرضة، فقال أنه من الممكن الاعتماد على حمية غذائية غنية بالبكتيريا المنتجة لحمض اللاكتيت مثل Bacillus bulgaricus والتي ستقوم بمنع تكاثر البكتيريا الممرضة في الأمعاء ثمّ تحلّ محلها، لم يكتفِ العالم الروسي بهذه الخطة العلاجية بل تحدث عن إمكانية استئصال الأمعاء كاملة كخيار بديل، وقال في كتابه (طبيعة الإنسان) بأنه لن يكون من التسرع أن نعتبر ليس فقط الزائدة الدودية والمعي الأعور، بل الأمعاء الغليظة البشرية بأكملها لا لزوم لها Superfluous، وأنّ استئصالها سيعطي بلا شكّ نتيجة سعيدة.
سيعتقد القارئ بأنّ اقتراح ميتشنيكوف استئصالَ الأمعاء مجرد فكرة عابرة، لكن الحقيقة المرعبة أنّ كلامه طبق حرفيا مع اكتشاف طرق التعقيم والتخدير الجراحي، فإيمانا بصحة فرضية التسمم الذاتي وأنّ القولون هو مكمن الداء، قام الجراح البريطاني آربثنوت لاين Arbuthnot Lane بإجراء آلاف العمليات الجراحية لاستئصال الأمعاء الغليظة Colectomy ووصل الأمعاء الدقيقة بالمستقيم مباشرة، أصبح هذا التدخل الجراحي رائجا خلال العشرينات في أوروبا وأمريكا ووصف كعلاج لجميع الأعمار وحتى لأسباب طبية بسيطة كألم الأضراس أو التهاب اللوزتين أو قرحة المعدة أحيانا، قال لاين بأنّ هذا التعديل الجراحي سينهي مشكلة الإمساك ويسرع التخلّص من الفضلات مباشرة بعد امتصاص المواد المغذية، ومن شأن ذلك أن يقوي الجسم ويشفيه من أمراض المثانة والتهاب المفاصل الروماتويدي والسلّ وارتفاع ضغط الدم ويؤخر الشيخوخة ويزيل الاكتئاب كما تنبأ ميتشنيكوف، التقارير التي نشرها لاين زعمت بأنّ نتائج العمليات كانت ممتازة وأنّ المرضى تعافوا بسرعة، لكن تحقيقات معمقة كشفت أنّ أغلبهم ماتوا بعد العملية بأيام قليلة بسبب التعفنات أو النزيف الداخلي، واعترض الدكتور جايمس جوودهارت James Goodhart على التدخلات الجراحية الطائشة لآربثنوت وقال بأنها مستندة على دوافع باطلة علميا، لأنّ المعي الغليظ ليس مجرد حاوية للفضلات بل عضو وظيفي تتواصل فيه عملية الهضم وامتصاص المغذيات".”
―
حسان بن عابد,
النظرية التركيبية الحديثة: دراسة نقدية في ضوء المستجدات العلمية