More on this book
Community
Kindle Notes & Highlights
يجب أن نفهم أن محاولة استنساخ حياتنا في حياة أطفالنا، وجعلهم نماذج طبق الأصل من الآباء، أو محاولة تعويض ما عجزنا عنه بأن نثقل أبناءنا بمحاولة تحقيق ما فاتنا، وأن يقوموا نيابةً عنا بتحقيق أحلامنا التي عجزنا عن تحقيقها، أو محاولة منع أبنائنا من الوقوع في أقل هفوةٍ أو أصغر خطأ، فإن كل هذه السلوكيات تصنع طفلًا ضعيفًا، ينشأ على عقدةٍ ستلازمه طيلة عمره وتؤرق حياته، وهي عقدة الحساسية المفرطة للخطأ.
هل يفترض بنا أن نسعى إلى الكمال؟ نعم ولا. ولكن ماذا أقصد بنعم ولا؟ نعم ينبغي أن تسعى في تحسين نفسك وتصحيح عيوبك ما دمت حيًّا، ولا؛ لأنك لن تدركه مهما فعلت.
في القرآن مثلًا سنجد كثيرًا من الآيات التي تصور نفسية الأنبياء في أوقات أزماتهم وهم يُعبِّرون عن ضعفهم أو حزنهم الشديد. فلماذا يخاف بعض الناس من إظهار حزنهم، فيستترون من بكائهم ويرونه ضعفًا؟ ولو فكروا جيدًا لأدركوا أن البكاء هو دليل الإنسانية، فقد بكى من هو أقوى وأعظم منا أجمعين، محمدٌ ﷺ.
احتقار النفس وإهانتها سلوكٌ غير سويٍّ، البعض يظن أنه حين يهين نفسه ويحتقرها فهو يحافظ عليها من الوقوع في الغرور أو الركون إلى الضعف! وهذا غير صحيح؛ فإن استسلام الفرد لذلك الشعور يوقعه في أحد أسوأ أنواع الشخصيات، وهي «الشخصية البلغمية» وفقًا لوصف «هيبوقراط»، شخصيةٌ تتسم بالبلادة واحتقار الذات. فإن تهوين الفرد من قيمة ذاته يحمله في النهاية إلى الرضا بالهوان. وقد نهي النبي ﷺ عن ذلك فقال: «لا يقولنَّ أحدكم خَبثت نفسي...»، فليس للفرد أن يُهين نفسه ويحتقرها، فإن شفاء الكبر والغرور لا يكون باحتقار النفس، إنما بإنزالها في منزلتها، ومعرفة حدودها، والسعي لإصلاحها.
إن علم النفس يقف هنا عاجزًا، يخبرك بأن عليك أن تتقبل المجهول، لكن لا يعطيك الكثير في كيفية تقبل هذا المجهول. ولا أرى أن هناك حلًّا لهذه المعضلة إلا التسليم المطلق لوجود إلهٍ عليمٍ خبير، حين تؤمن أن هذا المجهول بيد إله يعلم ما في الغيب، حكيمٍ يُقدِّر كل شيءٍ بحكمةٍ مطلقة، حتى إنك لو خُيِّرت بين أن تدبر لنفسك وأن يدبر لك هو، لاخترت أن يدبر لك هو. حين تؤمن بالقدر، «إنا كل شيء خلقناه بقدر»، حين تؤمن «بالقدر خيره وشره»، وأن الخير كله بيد الله والشر ليس إليه، حين تؤمن أن هذا الإله «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر»، حينها المجهول بالنسبة إليك يصير كالمعلوم، بل بعض الناس يصل من الثقة أن
...more

