Kindle Notes & Highlights
فمحمد صلى الله عليه وسلم لا يُكْتَب له تاريخ، لأنَّ التَّاريخ حادثة مضت وانقضت، وصارت في الذَّاكرة، ومحمد صلى الله عليه وسلم تُكْتَب له سيرة، لأن المسلمين بحياته يقتدون، ومنها ينهلون، وبمكارم أخلاقه يتأسَّوْن، إنَّها حياة معاشة بالأمس واليوم وغداً، بيَّنت كيف يقضي الإنسان ليله ونهاره، وكيف يعاشر أهله، ويعامل من حوله، وكيف يتصرَّف بقيم من الأخلاق الكريمة في سلمه وحربه، ورضاه وغضبه، وفي عسره ويسره، حيث الجمال والكمال، حيث الحياة المثالية الكاملة، التي استوعبت كلَّ دقائق الحياة وتفاصيلها، وملامحها وقسماتها.
يقول تعالى في محكم التنزيل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 2/143]، وسطاً: أي عَدْلاً وخياراً، والمعنى واحد، لأنَّ العدل خير، والخير عدل.
فوسط الشيء وأوسطه: أعدله، فخير الوادي: أوسطه، ومنه سُمِّيت الصَّلاة الوسطى، لأنها أفضل الصلوات وأعظمها أجراً،
كُلُّ خَصْلة محمودة لها طَرفان مذمومان: السَّخاء وسط بين البخل والتَّبذير. والشَّجاعة وسط بين الجبن والتَّهوُّر. والحياء وسط بين الوقاحة والعجز. والتَّواضع وسط بين الذُّلِّ والكِبْر. والحِلْم وسط بين الطَّيش والمهانة. والأناة وسط بين العَجَلة والتَّفريط. والغبطة وسط بين الحَسَد واليأس. والرَّحمة وسط بين القسوة والضَّعف. والصَّبر وسط بين الهلع والجزع والغلظة والتَّجبُّر. حتَّى في العقيدة، التَّوحيد وسط بين الإلحاد والشِّرْك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «يا معاذ، زيِّن الإسلامَ بعدلك وحلمك وعفوك، وحسن خلقك، فإن النَّاس ناظرون إليك، وقائلون: خيرة رسول الله. أُوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأَداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحمة اليتيم، وحفظ الجار، وكظم الغيظ، ولين الكلام، وبذل السَّلام، ولزوم الإمام، والتَّفقُّه بالقرآن، وحبِّ الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل، وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلماً، أو تُصَدِّق كاذباً، أو تكذِّب صادقاً، أو تعصي إماماً عادلاً، أو تفسد في الأرض. واذكر الله عند كلِّ شجر وحجر، وأحدث لكلِّ ذنب توبة، وستقدُمُ على قوم أهل كتاب،
...more
وقيل لعبد الله بن عمر: إنّا ندخل على سلاطيننا - ذوي الولاية علينا - فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّم إذا خرجنا من عندهم، قال: كنَّا نعدُّ هذا نفاقاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، (رواه البخاري).
قلت لأخ عاد من العمرة بعد عيد الفطر، وقد أمضى العشر الأخير من رمضان في مكّة المكَّرمة، وأعطى جواز سفره لمكتب حجٍّ ليحج مباشرة بعد عودته من العمرة، قلت له: كم عدد حجَّاتك؟ قال بعد تردُّد: حوالي خمس عشرة مرَّة، قلت بحضور أصدقاء: أنا أضمن لك الجنة دون تكرار الحج وكثرة العمرات، أليس في أُسرتكم أو في بلدتكم طالب علم واعد فقير، اشترِ له بيتاً، زوِّجه، أنفق عليه ليتمِّم دراسته العالية، ألا تدخل الجنة بهذا العمل؟! الصَّدقة الجارية، الأوقاف الخيريَّة تكاد تُنْسى،
خرج عبد الله بن المبارك مرَّة إلى الحجِّ، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر مع القافلة، فأمر بإلقائه على مزبلة، وسار أصحابه أمامه وتخلَّف هو وراءهم، فلمَّا مرَّ بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطَّائر الميِّت، ثمَّ لفَّته، ثمَّ أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يُلقى على هذه المزبلة، وقد حلَّت لنا الميتة منذ أيَّام، وكان أبونا له مال فظُلِم وقُتِل، فأَمر ابن المبارك بردِّ الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النَّفقة؟ قال: ألف دينار، فقال: عُدَّ منها عشرين ديناراً تكفينا إلى مرو، وأعطها
...more
وقال صلى الله عليه وسلم: «أَتدرون ما الغيبة؟»، قالوا: الله ورسوله أَعلم، قال: «ذكركَ أخاكَ بما يكره»، قيل: أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهِتَّهُ»، (رواه مسلم)، بَهِتَّه: افتريت عليه الكذب. وقرَّر الشَّرع تحريم سماع الغيبة، مع ردِّها والإنكار على قائلها، يقول تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ*} [القصص: 28/55].
وممَّا يُبَاح في الغيبة: - التَّكلُّم عند القاضي ليُنَصفَ ممَّن ظلمه. - أو التَّحذير من مصاهرة أو مشاركة، وهنا بنيَّة النَّصيحة. - أو مجاهرة بفسق، فيجوز ذكره ليحذره النَّاس.
وقد طُلب من المسلم أن يتبيَّن ويتثبَّت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ*} [الحجرات: 49/6].
قال عالم لرجل يغتاب أخاه: هذه غيبة لا تجوز، فقال الرَّجل: ليست غيبة، أنا أقول له هذا في وجهه، فقال العالم: عندها ترتكب مع الغيبة وقاحة.
يقول الدكتور مراد هوفمان في كتابه (الإسلام عام 2000): «الأُميَّة فضيحة لأُمَّة تتصَّدر كتابها كلمة {اقْرَأْ}».
لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة المكرَّمة دخول الخاشع المتواضع، لا دخول الفاتح المتعالي،
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أَطرت النَّصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» (البخاري).
لا يتكبر إلاَّ الوضيع، ولا يتواضع إلاَّ الرَّفيع.
سأَل سائل عن اسم البلدة الَّتي ورد ذكرها في سورة الكهف: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف: 18/77]، قيل: هي أيلة (العقبة)، وقيل: أنطاكية، وقيل: طنجة، وقيل: لقاء خليج العقبة بخليج السُّويس، أو عند البحيرات المرَّة. لم يذكر سبحانه وتعالى اسم البلدة ستراً للفضيحة، ستراً لصفة (البخل) الَّتي يمقتها الله والنَّاس، كي لا يوصم أهلها بالبخل إلى يوم القيامة.
قال صلى الله عليه وسلم: «تبسُّمك في وجه أَخيك صدقة، وأَمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرَّجل في أَرض ضلال لك صدقة، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة، وإِماطتك الحجر والشَّوك والعظم عن الطَّريق لك صدقة، وإِفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة» (رواه التِّرمذي وقال: حديث حسن، جامع الأُصول في أحاديث الرَّسول لابن الأثير 9/561).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له شعرٌ فليكرمه» (رواه أبو داود)،
و«كان صلى الله عليه وسلم يُسافر بالمشط والمرآة والدُّهن والكُحْل» (رواه القرطبي عن خالد بن معدان).
وروى مكحول عن عائشة قالت: «كان نَفَرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرجَ يريدهم، وفي الدَّار رَكْوَةٌ فيها ماء فجعلَ ينظر في الماء ويسوِّي لحيَتَهُ وشَعْرَه، فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟! قال: نعم، إذا خرجَ الرَّجُلُ إلى إخوانه فليُهيِّئ من نفسه، فإنَّ الله جميل يحبُّ الجمال» (رواه القرطبي عن عائشة).
أَوصى عتبة بن أبي سفيان ولده، فقال: «نزِّه سمعك عن استماع فحش الكلام كما تنزِّه نفسك عن النُّطق به، فإنَّ السَّامع شريك القائل، ولو رُدَّت كلمة جاهل في فيه، لسعد رادُّها كما شقي بها قائلها».
ويقول صلى الله عليه وسلم: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا» (الترمذي، الجامع الصَّحيح 1628). كثيرون لا يهتمُّون بما يجري من حولهم، ولا يكترثون بأحداث أُمَّتهم، وإن ذكرت لهم حادثة خطيرة، يقول: لا علم لي بها، أنا مهتم بعبادتي لضمان الفوز بالآخرة. هذه رهبنة، ولو كان الإسلام رهبنة، لما خرج وانتشر خارج مكَّة المكرَّمة، ولما تمَّت الدَّعوة في المدينة المنورة.
الصَّحابة الَّذين ربَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتشروا في الأَرض: - أبو أيوب الأنصاري (خالد بن زيد) دُفِنَ عند أسوار القسطنطينيَّة. - قُثَم بن العباس دُفِنَ في سمرقند. - أُم حَرام (الغميصاء بنت ملحان) دُفنت في قبرص. - وعدد من الصحابة دفنوا في بلاد الشَّام، وآخرون في العراق، وعدد منهم في مصر وشمالي إفريقية، ومنهم من استشهد في بلاد فارس.. وواصل التَّابعون الفتوح في الأندلس، وفي ما وراء النَّهر، حتَّى وصلوا إلى الصِّين.
مسجدنا الأقصى بخطر يرافقه غزو فكري لعقولنا، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، و«من مات ولم يغز ولم يُحدِّث نفسه بغزوٍ مات على شعبةٍ من نفاق» (التِّرمذي، الجامع الصَّحيح 1928)، والحديث رقم 1927: «المسلم أَخو المسلم، لا يخونه ولا يكذِبُه ولا يخذُلُهُ، كُلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: عِرْضُهُ وماله ودمه، التَّقوى ههنا، بحسب امرئٍ من الشَّرِّ أن يحقِرَ أخاهُ المسلم».
وحياة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه في عام الرَّمادة 18هـ، دليل قاطع على حياة المسلم المؤمن المهتم بأُمور المسلمين، فهو واحد منهم، يشاركهم آلامهم وأحوالهم ومآسيهم، ويهتم بأمورهم، بل يعيشها في الأعماق: «كيف يعنيني شأن الرَّعيَّة إذا لم يصبني ما أصابهم؟».
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اضمنوا لي ستّاً من أنفسكم أضمنْ لكم الجنَّة، اصدقوا إذا حدَّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأَدُّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكفوا أيديكم» (رواه أحمد 5/323، وابن حبَّان 57، والحاكم 4/359، والبيهقي في السُّنن 6/288).
من كَثُر كلامه كثر سقطه.
المسلم ليس بشتَّام ولا لعان، يقول علي رضي الله عنه: «إنِّي أكره لكم أن تكونوا سبَّابين، ولكنَّكم لو وضعتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سَبِّكم إيَّاهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالهم، حتَّى يعرف الحقَّ من جهله، ويرعويَ عن الغيِّ والعدوان من لهج به» (نهج البلاغة 323).
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أوَّل النَّاسِ يُقضى يومَ القيامة عليه رجلٌ استشهدَ فأُتي به، فعرَّفه نِعَمَهُ فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيكَ حتَّى استشهدتُ، قال: كذبت، ولكنكَ قاتلتَ لأن يُقال جريءٌ فقد قيل، ثمَّ أُمر به فسحب على وجهه حتَّى أُلقي في النَّار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمَهُ فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمته، وقرأتُ فيكَ القرآن، قال: كذبت، ولكنَّك تعلَّمت العلم ليُقال عالمٌ، وقرأتَ القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثمَّ أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتَّى أُلقي في النَّار، ورجلٌ وسَّع الله عليه وأعطاه
...more
ومن دعاء أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: اللهم أنت أَعلم منِّي بنفسي، وأَنا أَعلم منهم بنفسي، اللهم اجعلني خيراً ممَّا يحسبون، واغفر لي ما لا يعملون، ولا تؤاخذني بما يقولون.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تظهِرِ الشَّماتة لأخيكَ، فيرحمه الله ويبتليكَ» (رواه التِّرمذي وقال حديث حسن).
وقال علي رضي الله عنه: «سِرُّك أَسيرك، فإن تكلَّمت به صرت أَسيره».
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «القلوب أوعية الأسرار، والشِّفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كلُّ امرئ مفتاح سرِّه».
أعطِ سرَّك لخادمك فيصبح سيِّدَك.
وقد وصفه صلى الله عليه وسلم هندُ بن أَبي هالة[22]، وكان رجلاً وصَّافاً، فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان[23]، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السَّكت، لا يتكلَّم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه[24]، ويتكلَّم بجوامع الكَلمِ، كلامه فصل[25]، ولا فضول ولا تقصير، ليس بالجافي[26]، ولا المهين[27]، يعظِّم النِّعمة وإن دقَّت[28]، لا يذم منها شيئاً، غير أنَّه لم يكن يذم ذَوَاقاً[29] ولا يمدحه، ولا تغضبه الدُّنيا ولا ما كان لها[30]، فإذا تعدّى الحقّ، لم يقم لغضبه شيء، حتَّى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفِّه كلِّها، وإذا تعجَّب قلبها، وإذا تحدَّث
...more
ووصفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو من أَعرف النَّاس به، وأَكثرهم عشرة له، وأقدرهم على الوصف والبيان، فقال:«لم يكن فاحشاً[35] متفحِّشاً[36]، ولا صخَّاباً[37] في الأسواق، ولا يجزي السَّيئة بالسَّيئة، ولكن يعفو ويصفح[38]، ما ضرب بيده شيئاً قط، إلاَّ أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادماً ولا امرأة، وما رأَيته منتصراً[39] من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء، فإذا انتهك من محارم الله؛ كان من أشدِّهم غضباً، وما خيِّر بين أَمرين إلاَّ اختار أيسرهما، وإذا دخل بيته كان بشراً من البشر، يفلِّي[40] ثوبه، ويحلب شاتَهُ، ويخدم نفسه.

