More on this book
Community
Kindle Notes & Highlights
لابد أن نفترق اليومَ لأننا غير متفقين ، ولابد أن نجتمع بعد اليوم لأننا سنتفق ، فلا بأس أن تَكْتُبَ إليَّ وأكْتُبَ إليكَ ، وأن نتواصل على البُعْدِ إبقاءً على تلك الصِّلَةِ التي بيننا ، واحتفاظًا بها ، ورعاية لها ، حتى يأتي ذلك اليوم الذي تجلو فيه عن نفسها، وتبرز من مَكْمَنِهَا .
وما الرجال كما يقولون إلَّا أنصافٌ ماثِلَةٌ تطلبُ أَنْصَافَهَا الأخرى بين مخادِعِ النساء ، فلا يزال الرجلُ يشعر في نفسه بذلك النقص الذي كان يشعر به آدم قبل أن تتغير صورةُ ضلعِهِ الأيسر حتى يعثر بالمرأة التي خُلِقَتْ له فيقرَّ قراره ، ويُلْقِي عصاه
إن اليوم الذي أشعر فيه بخيبة آمالي ، وانقطاع حبل رجائي، يجب أن يكون آخر يوم من أيام حياتي ، فلا خَيْرَ في حياةٍ يحياها المرء بغير قلب ، ولا خير في قلب يخفقُ بغير حب
فما أَمَرَّ مَذَاقَ الشيخوخةِ وما أثقلَ مَئُونتها ، وسَلامٌ على الشباب وعُهُودِهِ الزاهرة ، أيام كنت لا أَحْفِلُ بنكباء ولا رَمْضَاءً
ثم عاد إلى نفسه يُسائِلُهَا عن السبب في انقباضه ووحشته ، وعن تلك الحال الغريبة التي أَلَمَّتْ بفؤادِهِ منذ الساعة ويقول: مالي ولهذا الفَتَى؟ وبأيِّ حَقٍّ أحملُ له بين جَنْبَيَّ ما أحملُ من الضَّغِنَة والموْجِدَة(32)؟ فما أنا بعاشقٍ للفتاة فأَغَارَ منه عليها ، ولا هو بمزاحِمٍ لي على هَوًى فأبغضَه فيه!
فوا رَحْمَتَاه لهم إِنَّ الشقاء كامِنٌ لهم في كل شيء حتى في الشُّئُون التي يَسْعَدُ بها غيرهم
فأصبحُ في هذه الحياة غريبًا منفردًا، لا أَجِدُ بين هذه القلوبِ الخافقة حولي قلبًا يحزنُ لحُزْنِي ، ولا بين هذه العيون الناظرة إليَّ عينًا تبكي لبكائي
، وقد ألمَّتْ بنفسها في تلك الساعة عاطفةٌ غريبة متنوعة الألوان ، مختلفة الأشكال ، كأنما هي مزيجٌ من الحب والخوف ، والسرور والحزن ، والأمل الواسع والرجاء الخائب ، فكانت تبتسمُ مرةً حتى تلمع ثَنَايَاهَا، وتبكي أخرى حتى يبتلَّ رِداؤُها
وما كان سروره إِلَّا لأنه أصبح يشعر في نفسه ببردِ الراحة من البحث عن ضالَّةِ غرامٍ ظل ينشدها ويتعلق بآثارها عهدًا طويلًا حتى وجدها ، وأنَّ نفسه التي كانت حبيسة بين جنبيه قد أشرقَتْ عليها شمسُ الحب فانتعشت ورفرفت بجناحيها في الفضاء،
لا يزال الدهرُ عابسًا في وَجْهِي ، ولكنني صابِرٌ مُحتملٌ، لا أيأس ولا أستسلم ولا تفتر لي هِمَّةٌ حتى أنال بُغْيَتِي ، والسلام.

