More on this book
Kindle Notes & Highlights
تكتسب الأماكن فجأة معنى جديدا حين تتعرف على حكاياتها، ربما ليست الحكاية الكاملة ولكن ومضة من الحكاية، جانبًا منها يضيء المكان فجأة فتراه ولم تكن تراه وتدركه، وحين تدركه وتعرفه يمْلُكك بحق الحيّزالذي يشغله في عقلك ومخيّلتك، باختصار، بحق إسهامه في تكوينك واستقبالك لهذا الوجود.
النسيان أمر مراوغ، يبدو للمرء أنه نسي، يظن أن رغبة ما، فكرة ما، واقعة ما سقطت منه، ضاعت؛ والدليل غيابها الكامل عن وعيه، يتطلع إلى ذلك النهر فيرى عليه ألف شيء، مراكب كبيرة أو صغيرة، بشرًا عديدين، قشة تطفو على السطح أو مخلّفات لا قيمة لها، ثم ينتبه ذات يوم أن ذلك الشيء يطفو فجأة كأنه كان محفوظًا هناك في القاع، مغمورًا بالماء، مستتبا كشجيرة مرجان أو لؤلؤة مستقرة في محارة. النسيان أمر مراوغ،
قد أستطيع الوقوف ضد التيار وقد لا أستطيع. المجتمع يذبحنا بألف طريقة، يذبحنا كل يوم فنتعلم تدريجيًّا كيف نتحايل عليه.
الفوضى والشراسة والجهل والظلم والفساد وإن لم نستطع أن ننفصل تماما عنها، ليست هي القانون المطلق للوجود. الإنسان بطبعه يحتاج نجمة ما في سمائه.
«قبل حرب الجزائر، في فرنسا، لم يكن العرب يتسمون بالجمال فهيأتهم ثقيلة، وخطواتهم متباطئة، ووجوههم مُعْوَجَّة. وفجأة حلَّاهم النصر. ولكن قبل أن يتحول ذلك النصر إلى شيء مبهر، عندما كان أكثر من نصف مليون جندي فرنسي يلقون حتفهم وينتهون في الأوراس وفي الجزائر كلها، كان بالإمكان ملاحظة تلك الظاهرة الغريبة التي تعتمل على وجه العمال العرب وفي أجسادهم: شيء كجمال يقترب، كحدس بجمال ما زال هشًّا وإن كان سيخطف الأبصار عندما تسقط القشور عن جلودهم وأعيننا. وكان لا بد من قبول ذلك الأمر الجلي: إنهم تحرروا سياسيًّا ليظهروا بالشكل الذي ينبغي علينا أن نراهم به، غاية في الجمال. كذلك أيضا كان الفدائيون الهاربون من
...more
إن هذا الجمال الذي رآه جنيه ومن قبله ييتس يقابله قبح يمليه التواطؤ والكذب. وكأن المرآة تنتقم من الصمت المفروض عليها فتترك للوجه والنظرة وحركة الجسم وإيقاع الكلام مهمّة فضح ذلك الشيء المتفسخ في الداخل، والذي كان نضرًا وحيًّا وبريئًا ذات يوم، ولم يعد.

