هذا الكتاب يأتي في سلسلة كتب هي "السباعيات", فالكتاب يتكون من سبعة فصول تبدأ مقاربة للخط الزمني في مصر (العصر الإسكندري – اليهودية المتأخرة - المسيحية – الإسلام). ويذكر المؤلف نقطة في أن حرية العبادة كانت موجودة في الإسكندرية وبدأت تختفي مع العقوبات التي قدمت مع الأديان السماوية فالغضب الإلهي والإستهجان العام (اليهودية) والطرد من حظيرة الإيمان للمهرطق (المسيحية) وعقوبة المرتد (الإسلام). واستدل بالإسلام بحديث "من بدل دينه فاقتلوه" والذي فيه خلاف بين الفقهاء على تأويل معناه, فهل كان المقصود من بدل دينه واصبح تبديل دينه فيه ضرر على المسلمين بمقاتلتهم أو الدعوة إلى الدين المبدل إليه, وذلك مالم يذكره المؤلف والذي ذكر حادثة الضرير الذي قتل زوجته, بأن الفقهاء استدلوا على الحادثة بأنها تدعم حديث الردّة ولنا وقفه مع الحديث في قادم الكلمات. حديث الضرير الذي قتل زوجته لأنها تسبّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو حديث آحاد صحيح السند ولذلك يختلف عند فرق المسلمين الأخذ بحجيّته ولكن لو عدنا للحادثة مع ترك مسألة الحجيّة, سنرى أنّ الزوجة لم تبدّل دينها فقط - الحديث لا يذكر دينها في السياق – ولكن العلّة كانت في قتلها هي سبّ الرسول وليس إبدال الدين, فالأستدلال بهذا الحديث للردّة هو قياس خاطئ من جهة ومن جهة أخرى الحديث يجعل إقامة الأحكام بيد الفرد لا بيد المجموعة (الدولة) وهنا سبب آخر لمراجعة الحديث مع تأكيدنا على الإستدلال الخاطئ في قياس الحادثة بحكم الردّة من الأساس
يذكر المؤلف نقطة مثيرة وهي أن "الأزمنة التي سبقت الأديان السماوية الثلاث كان هناك تسامحاً عقائديّاُ" ولم يوجد في التاريخ أدلة على إقامة حروب بسبب الدين, لأن الأديان كانت كثيرة ومتنوعة ولم تكن هي الآيديولوجية التي تحرك البشر في حروبها. وهنا نقطة تطرحها هذه المعلومة, فالتاريخ يقول انه كلما كان الله مفارقاً بشكل كامل للكون تزداد الخطابات تعصباً ونتيجة لذلك تولّد الحروب, والعكس أيضا صحيح فكلما جعل الله في منزلة البشر زاد الخطاب تعصباً حول تصور هذا الكائن. بعدها يبدأ في عرض الطرق الروحانية التي في العصور ماقبل الإسلام وكان عرض ذلك لتبيان الجذور الصوفية في الأديان والأزمان وانها نزعة إنسانية خالصة. وبعدها يخصص الكاتب فصلاً كاملاً للحديث عن تلمود اليهود وإيضاح العنصرية الواضحة فيه والطبقية التي هي من أسس الخطاب اليهودي ولم يظهر النصوص التي ذكر المؤلف انها نصوص مسالمة في التلمود والتوراة. في كلامه يذكر يوسف زيدان أن دائما ماكان الأصوليون في الأديان الثلاثة أكثر تعاملاً مع النصوص الثانية في الأديان (التلمود – الحديث) في اليهودية والإسلام وأرى سبب ذلك أن النصوص الأولى أعم وتهتم بالكليّات ولذلك تقبل التأويل أكثر بكثير من النص الثاني والذي يهتم بالجزئيات أكثر فيكون أكثر تخصيصاً
في الفصل الذي بعده يتكلم عن الحسبة ومفهومها وتطورها لغويّاَ إلى أن أصبحت بالمعنى الإصطلاحي الدارج الآن, فتطور من "حسن التدبير والعدّ" إلى "اختبار ماعند الشخص" مروراً بالقرن التاسع والذي ظهرت فيه ولأول مرة كلمة "المحتسب" في قاموس الفيروزآبادي, ولكنه اكتفى بالمعنى الإيجابي للكلمة وهي "الإنكار بهدف الأجر". وفي القرن الثاني عشر, ارتبط مفهوم الحسبة بالدلالة الشرعية تماماً. في التاريخ الإسلامي لم يكن هناك وجود لمفهوم الحسبة كتنظيم اجتماعي وسياسي إلا ببداية عهد المأمون ولكنها كانت تأخذ مفهوم الرقابة على الأسواق ومعاملاته والطب ومعالجاته. ومن بعد ذلك بدأ مفهوم الحسبة يأخذ أشكالا ضبابية فالمحتسب هو بمكانة الفقيه والقاضي والشرطي, فأصبحت مهمة "المحتسب" غير واضحة ومحددة. فكان يمارس سلطته الإجتماعية احيانا ضد الفقيه والقاضي والشرطي. ومع انهيار الدولة الإسلامية, اصبح الإحتساب حقاً لكل فرد بمعنى ان المحتسب من الممكن ان يقدم قضية على اي شخص بناء على رؤيته الإحتسابية. حاول زيدان ربط حديث "جحر ضبّ" بمفهوم الاحتساب واستدل بذلك على الأديان السابقة "اليهودية – المسيحية" عندما خرج رجال الدين من معابدهم واصبحوا ينذرون الناس ويدعونهم
بعدها يعرض المؤلف الجماعات الشيعية وعندها يختلط التاريخ بالحاضر والمجرد بالوقائع والذاتي بالموضوعي, أجمل ما في الفصل هو إيضاح من هم العلويون وتاريخهم من الجذور الأولى. بعدها يأتي الكاتب في رأيي إلى مراده وذلك على مدار ثلاث فصول وهو إيضاح جمال الصوفيّة وصفائها. فيبدأ بالحديث عن السلفية وذلك من خلال قصة ذاتيّة حصلت له وينتهي بذلك إلى أن السلفيّة لا يملكون الحلّ بتعصبهم, وبعدها بعرض مخلّ موجز يظهر أن الجميع ليس بيده الحل. فالفلاسفة والسلفية والتيارات الأخرى لا يملكون الحل, من يملكه إذاً؟ الصوفية برأي يوسف زيدان وهو الحل الذي تحتاجه مصر الآن. وفي ذلك يبدأ في عرض ��اريخهم المشرق وينتهي بفصوص أدبهم وجماله, قائلاً بأن الأخلاق الآن في مراحل دنيا (وفي ذلك أتفق معه) ولكن أختلف معه في الحل. فيرى أن التصوف هو القادر على رفع المستوى الأخلاقي عند البشر, هل ذلك صحيح؟ برأيي من المستحيل أن نطبق الصوفية على البشر جميعاً وجعل ذلك هو الطريق لرفع الإنسانية بمستوى أخلاقي جديد, فالصوفية هي أفعال أخلاقية سلبية – إن صح التعبير- فهي تقوم على التسامح والإنعزال وعدم الضرر لأحد وذلك كلها أفعال حميدة ولكنها لا تقوم على إقامة العدل - فعل أخلاقي إيجابي- في الأرض وخلافته, ولذلك أفعالهم دائماً ما تكون من المستوى اللاحق للمستوى الأول من الأخلاق وهو إقامة العدل , فالعدل فعل يحتاج إلى تحرّك بشري لا سكون وإستقالة عن العالم. أما المسامحة فهو لا يقوم إلا بغياب العدل. فهل من الممكن تخيل مجتمعاً كاملاً يقوم على التصوّف؟ السؤال, هل التصوف منهجاً للبشر أو هو منهج بشري؟
ملاحظة: بدأت مجالس التصوف كطريقة من مراد ومريدين في نهاية القرن السادس وانتشرت في السابع, وذلك بالتزامن مع بداية عصر الإنحطاط للمسلمين في علومه وانتشاره. فهل هي الملجأ عند الانهزام؟ وهل تعود الآن كذلك؟