"الثقافة"، تلك الكلمة التي تجري على ألسنتنا ويدعيها الكثيرون ويتشدق بها الأكثر، كنت أظنني أفهمها أو أن فهمها يسيرا أو أنها مجرد كلمة لا تحتاج أكثر من بضع كلمات لتعريفها مثلها كمثل العلم أو الدين، لكنني أدركت من خلال هذا الكتاب أن مجرد معرفتها معرفة حقيقية ومحاولة تعريفها وتوضيح حدودها هو مشكلة كبيرة بحق، وقد بذل فيها المؤلف جهدا رائعا وحاول تعريفها أولا من خلال المعاجم واللغة العربية ثم انتقل إلى تعريف عالمين أمريكيين وآخرين ماركسيين ليوضح التباين في تناول الثقافة وتعريفها وحدودها وأنها خاضعة لمعطيات متغيرة من مجتمع إلى آخر وعليه فالتعامل معها بصورة جامدة أو محاولة استنساخها من مجتمع إلى مجتمع آخر هي عملية مجحفة وغير مجدية فعليا لما سيحدث من تضارب بين المعطيات في هذا المجتمع والمفاهيم الثقافية الناتجة عن معطيات أخرى في المجتمع الآخر.
ويتناول المؤلف العلاقة بين الفكرة والشيء وارتباطهما بتكوين الثقافة والاختلاف في أيهما المحرك الأكبر وكذا الفرد والمجتمع وأيهما المؤثر الأكبر على عملة التثقيف، ثم يوضح أن الفكرة والشيء لا يمثلان وحدهما الثقافة بل إنهما يخضعان لمؤثرات أخرى تسهم معهما في تكوين الثقافة.
وفيما يخص مسألة الضمير الأوربي والأفريقي وأن الأول نابع من الثقافة الرومانية المتجهة إلى الإمبراطورية بينما الثقافة الإغريقية متجهة إلى الحضارة، فيطالب بأن يصحح الضمير الأوروبي بتوجيهه قليلا تجاه الإنسانية ومفهوم أحقية الإنسان الإفريقي أو الآسيوي به، فإن ما تناوله المؤلف يعد شيئا حالما ربنا يستحيل حدوثه لأن المحرك الأصيل كما ذكر هو نفسه من قبل هو الدين وهو الذي دفع الأمم الأوروبية إلى نهضتها وهو ذاته الذي يبقي على العداء الخفي بين الأمم ذوات الدين المختلف أضف إلى هذا الإرث العدائي النفسي بين المستعمِر والمستعمَر، وحتى بين المنتصر والمهزوم في الحروب، ولا شك أنه مهما بدت العلاقات مقبولة -سياسيا- بين أمريكا واليابان أو أمريكا وروسيا أو بين مصر وإسرائيل فإنه تنطوي على ما يمكننا تبيهه بالثأر وبتمني الشر للآخر، ولعل هذه الأمنيات أو الأحلام كانت معقولة إذ أن المؤلف كتب خلال الاستعمار وعندما بدأ يرحل عن البلاد المستعمَرة، وحينما كانت منظمة اليونسكو ومثيلاتها من المنظمات العالمية في أوجها والجماهير مخدوهة بأهدافها مفتونة بمعسول كلامها، أما الآن وقد مر زمان طويل أدركنا أن القوة وكما كانت دائما هي السبب الأوحد للسيطرة وللسعي إلى التقدم والتطور، فقد أصبح التطور والتقدم سببا من أسباب القوة سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية، فليست الحضارة هدف في حد ذاتها بل هي وسيلة لفرض السيطرة وللبقاء على القمة.
كما أن ميل المؤلف إلى أن إفريقيا مطالبة بتصدير الضمير لا العلم وأن المزيد من العلم خاصة فيما يتعلق بالآلة الحربية سيزيد العالم ظلاما بحجة أن القرن التاسع عشر بتطوره العلمي والعسكري لم يجلب الرفاهية بل الحزن والبؤس على العلم هو كلام مثالي أكثر من اللازم بل هو مخالف للعقل، فالضمير يحتاج إلى قوة والقوة تحتاج إلى ضمير وأي منهما وحده يكون مفسدا، ثم كيف يقبل العالم المتحضر منك توجيهه أخلاقيا وهو يراك دونه بكثير؟، ومسألة إتجاه العالم إلى السلام هو خدعة محضة، إذ يطلب بها من الدول الضعيفة أن تخضع اعتقادا منها أن السلام سيحل بينما الدول المتطورة تزيد في تسلحها وقوتها ولا شك أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه ولذا فعلى الجميع أن يتحلى بهذه القوة وإلا ما الذي يجعل أحدهم وصيا على السلام العالمي بينما الآخر خاضعا له حقيقة، ثم أن في المناداة بالسلام العالمي إغفال لقضايا جوهرية تقف حجر عثرة في سبيله ، ففي الجانب العربي والإسلامي تقف قضية فلسطين عائقا، فكيف نرجو سلاما عاليا ولنا حق مغصوب، وقد جربت المفاوضات والقم بلا جدوى أو فائدة، إننا في عالم لابد أن تكون لديك فيه قوة ليستمع الناس إليك، حتى ولو كان حديثك عن نبذ العنف والقوة، ينبغي أن تكون قويا حتى تكون صادقا ومصدقا في نبذك للعنف لا أن تكون ضعيفا فتكون مجبرا على نبذه بل ولعلك تتسول نبذه حتى لا يصيب من ذي القوة أذى.
ولا يشفع للمؤلف انتقاده لفكرة السلام المؤيد بقوة السلاح أو سلام المنتصرين إذ أنه مطالب أن يأتينا من تاريخ الإنسانية بإمكانية مماثلة لإحداث سلام بدون قوة سلاح أو تفاوض على أساس الخوف من الخسائر والمفاضلة بين خسارتين، حقا إن انتقاده لتلك الفكرة يهز العاطفة لكنه كشاعرية الشعراء لا أكثر فلا سبيل لإقامتها على أرض الواقع إلا بتوحيد نفوس العالمين وهذا محال لأننا إنما خلقنا لنتباين لا لنتشابه على صعيد الأفراد والجاعات والدول وعلى صعيد الأمم كذلك.
وقد تدارك المؤلف تلك الحقائق في الفصل الأخير من كتابه هذا والذي كتبه بعده بعشر سنوات، لكنه مع الأسف لم يتخلى عن فكرته ولكنه راح يتناول المشكلة الاقتصادية ثم خرج منها إلى كل المشكلات الأخرى التي يقع فيها المجتمع، وتنبه إلى حرص البعض أن يبقوا حالة اللاثقافة في هذه المجتمعات الناشئة، وفرق على إثر هذا بين افلوكلور والثقافة واعترض على حصر البعض الثقافة فيه بينما هو جزء منها.
لقد سبق وقلت بعد مطالعتي لكتاب "شروط النهضة" - والذي ضمن منه فصلا كاملا في هذا الكتاب- أن مالك بن نبي يعد مهندس النهضة الإسلامية المنتظرة وهو في كتابه هذا يتناول ركنا مهما من أركان هذه النهضة المنتظرة بالتحليل ساعيا لمعرفة الكيفية التي يمكن للمجتمع العربي والإسلامي أن يتعرف على ثقافته وكيف يتسنى له أن يطورها في حدود مفاهيمه التي تشتمل على معطيات نابعة من عربيته وإسلاميته،وقد خرج المؤلف بعض الشيء عن هذا الاتجاه العربي الإسلامي إلى الإقليمية فتناول الإفريقية والآسيوية، ولا شك أن محاولة خلق ثقافة موحده أو منبع موحد للثقافة الأفريقية أو الآسيوية على شاكلة الثقافة الأوروبية مما قد يستحيل لأن الثقافة الأوروبية قد وحدتها –كما ذكر المؤلف من قبل- توحد الديانة فقد كانت المسيحية المنطلق الأول لتلك الحضارة حتى وإن تنكر لها الغرب فيما بعد، بينما في أفريقية أو آسيا ينعدم هذا العنصر الموحد إلا ما يتعلق بالموقع الجغرافي وهو أمر لا يرقى لتكوين ثقافة موحدة، غير أن هدف امؤلف –كما ذكر في خاتمة كتابه- أن يوضح أنه مع ضعف الرابط الجغرافي إلا أنه من الممكن أن يسعى لإقامة ثقافة كما سعى الإتحاد الإفريقي أو الأفروآسيوي فمن باب أولى أن تكون الثقافة الإسلامية مع عظمتها متانتها قادرة على إحداث تلك الوحدة الثقافية بل والدفع بوطنها إلى التحضر والتقدم.