" أبي كان يخطف الناس ويقتلهم , أخي يقول إنّه رأى أبي يتحوّل في الحرب من شخصٍ يعرف إلى شخصٍ لا يعرفه .
هذا أخي الكبير . أخي الصغير لم أعرفه , أعرف صورته , أعرف وجهه , يشبهني في الصور –كان يشبهني – أكثر مما يشبه أخي الكبير .
أسميه أخي الصغير وكنّا كلنا في البيت نسميه – في رؤوسنا نسميه , حتى من دون أن نذكره ونحن نحكي , كانت صوره تملأ البيت –
ماذا كنتُ أقول ؟ أسميه أخي الصغير ولم يكن أخي الصغير ولكنّه الصغير لأنّه ظل صغيراً , لأنه لم يكبر , لأنهم قتلوه وهو صغير . "
بهذا المقطع .. يفتتح ربيع جابر - الروائي الذي أقرؤه للمرةِ الأولى - الاعترافات !
الرواية ذات الغلاف الأسود الذي يناسب تماماً ثيمة الرواية , تحدثت عن الحرب الأهلية في لبنان / حرب السنتين , الراوي يحكي للكاتب حياته / أثناء الحرب , وما بعدها ..
الحكايةُ ليست في الحرب وحدها .. هذا الشخص – مارون - .. مختلف أيضاً ونسيج وحده .
الرواية جميلة , ولغتها سلسلة لينة , ليست بكائية كما يفعل كتّاب المآسي كعادتهم على الورق , بل كان الراوي هادئاً في تفجعه , مؤلماً دون أن يكون بالضرورةِ دموياً .
أقرأُ وكأن الكلام سيرةٌ تحكى لي وحدي , أشعر بحميمية التواصل مع مارون .. ,
أخافُ عندما يغضبُ إيليا, أقفز من سور المدرسة إلى الملعب الذي تتجمع فيه الكثير من الكرات المثقوبة - الملعب المفتوح على جهة النار - و ألمس بانتصار الكرةَ الوحيدة السليمة من رصاص القناصة , أتذوق الفول بمزاجٍ صباحيّ , وأرى شجرة الكرز المزهرة كأنها مزروعةٌ في بيتي .
هكذا أمسكَ ربيع بتلابيب شتاتي ولملمني على روايته . سأقول .. شكراً لهُ لأنه أضاءَ عامي بكتابةٍ سوداء .