هذا الكتاب هو إفتتاحية ما اقرأ فى الاجازة مما إشتريته من معرض الكتاب من الكتب القيمة
فى الاساس الكتاب هو تجميع لمجموعة من الحوارات التي قام بها الصحفي الأمريكي الشهير فى ذلك الوقت دايفيد بارساميان مع المفكر الامريكي من أصل فلسطيني إدوارد سعيد استاذ الأدب المقارن فى جامعة كولومبيا .
لا يمكن إنكار جاذبية أن تقرأ أفكار ادوارد سعيد رغم أنك قد تختلف معها كثيراٌ , أسلوب طرحه للبديهيات مثير للغاية , مفكر حر بكل ما تقتضيه الكلمة , هو مثال حي للمثقف الذي حمل عبئ قضية يؤمن بها وهي القضية الفلسطينية فى الاخص وعلاقتها بالقضية الأكبر التي وهب لها حياته وهي قضية الثقافة
فى كتابه هنا الذي عنون بعنوان الثقافة والمقاومة تطرق إدوارد للكثير من المواضيع , صحيح مرور أكثر من 10 سنوات عليها يجعل الكثير من الأمثلة والأطروحات قديمة وغير مباشرة الصلة لكن المبادئ والمفاهيم المطروحة والتي يمكن إستخلاصها من الكتاب يمكن أن تجعلنا نغض الطرف علي هذا الأمر
حوارات أدوارد سعيد تظهر أنه كان مثقفاٌ مطلعاٌ علي الكثير من الأطروحات الفلسفية والفنية والأدبية المختلفة ولم يهمل بالطبع الجوانب السياسية , يظهر بأنه كان متابعاٌ للاحداث حوله فى العالم , بعين مراقبة وثاقبة .
تختلف المواضيع التي يتحدث عنها ادوارد هنا فى الكتاب فمن الحديث عن رأيه فى حل إشكالية القضية الفلسيطينية عبر حل الدولتان ثم محاولة اجراء محاورات وتطبيع ثقافي وفكري علي تلك المساحة الضيقة من أجل فلسطين لتتكون دولة بناءاٌ علي الهوية الوطنية مشتركة بين الفلسطينيين والصهاينة وربما كان هذا الجزء من وجهة نظري أقل اجزاء الكتاب فائدة , اذ أننا يمكننا أن نلاحظ بسهولة خيالية هذا الطرح , ربما قد أتفهم كون إدوارد سعيد يؤمن بالمبادئ الليبرالية ويحاول الحديث عن القضية بالنسبة للغرب ولم يكن حديثه موجهاٌ تماماٌ ليكون واقعياٌ بل كان يقدم خطاباٌ مستهدفاٌ العقلية الامريكية
ومن ثم ينتقل الحديث لموضوعات مختلفة فيتحدث تارة عن الانتفاضة ورأيه فيه وكونه يسمي العمليات الاستشهادية بالانتحارية ويرفضها رغم أنه يتفهمها ويحلل دوافعها بشكل حقيقي وصريح وهذا مما يثير الاستغراب لكنني ربما أتفهم موقفه تماماٌ كوني أعلم خلفية ادوارد الليبرالية تماماٌ !!
وبعدها يتعرج علي الحديث عما تعرض له من مضايقات ومحاولات لاسكات صوته الذي كان يعليه من اجل الحديث عن القضية الفلسطينية وكيف يتعرض العرب للعنصرية الأمريكية ويناقش القضايا الحساسة مثل الهولوكوست وكيف انه يتم تبرير الجرائم الصهيونية باسم الهولوكوست ويناقش كمية التناقض فى الأطروحات الصهيونية الخارجية والداخلية
ثم كان أفضل الاجزاء هو حديثه عن الارهاب وتعريفه ويعتبر من أقدم الكتابات التي انتقدت مفهوم الحرب علي الارهاب وكيف ان الارهاب الحالي والذي ما زلنا نعيش فى مفهمومه حسب المفهوم الذي يطرح علي الساحة العالمية انما هو مقاومة السياسيات الأمريكية وتتحول أمريكا ليس الي شرطي العالم بل إلي مالك إقطاعي للعالم بنفسه ما دامت القطب الاوحد والقوة العظمي
فى المجمل الكتاب رائع والقراءة لادوارد سعيد ستجعلك مختلفاٌ حتي وان اختلفت من الكثير من أراؤه التي يطرحها إلا أن أسلوبه ولغة خطابه أثيرة تخلب لب القارئ المطلع علي القضايا المطروحة
وهناك بعض النقاط التي أثارت اعجابي أود كتابتها فى المراجعة
1- فى خضم السؤال الذي وجهه دايفيد لادوارد عن الانتفاضة الفلسطينية وعن كون عمليات القاء الحجارة علي الدبابات المصفحة هو نوع من العبث وأنه نوعاٌ ما من الانتحار ذكر ادوارد سعيد أن العالم كله يتذكر الاحتجاجات العنيفة التي جرت فى ميدان تيانانمين والهرج العالمي الذ إتخذ مظهر الاعجاب والدعم والمباركة والثناء علي شجاعة الشباب الصينيين الذين واجهوا الدبابات العسكرية فى الميدان بصدور مفتوحة !!! واوضح أن الحالة هنا تختلف لأن وسائل الاعلام فى أغلبيتها العظمي مؤيدة لاسرائيل بحيث لا يستطيع الناس العاديون أن يوصلوا صوت دمعهم لما يمثل فى الواقع محاولة مشابهة شجاعة للاطاحة باستعمار عسكري الطابع واغتصاب الأرض الفلسطينية
2- فى خضم الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية أوضح ادوارد سعيد أن من أبرز نتائجها المباشرة ليست فى الخسائر الصهيونية التي كانت قليلة بالمقارنة بالخسائر الفلسطينية نظراٌ لطبيعة ميزان القوة ولكن كانت افشال سياسة الولايات المتحدة واسرائيل خلال العشرين عاماٌ التي سبقتها من محاولة نسف أركان ومقومات الهوية الفلسطينية وتمزيقها بحيث لا يشعر الناس بأنهم جزء من الكينونة نفسها التي عانت بمجموعها بوصفها شعباٌ خاضع للاحتلال الصهيوني الذي تدعمه الولايات المتحدة بالطبع
3- اثناء حديثه عن تعريف الارهاب أوضح ادوارد أن تاريخ الارهاب يجد جذوره فى السياسات التي إنتهجتها الإمبريالية , فقد إستخدم الفرنسيون كلمة 'الإرهاب ' لوصف كل شئ قام به الجزائريون لمقاومة الاحتلال الفرنسي, كما إستخدم البريطانيون الفكرة ذاتها فى كل من بورما وماليزيا , حيث أن الأرهاب يكون أي شئ يقف فى جه ما نرغب "نحن" فى فعله !!