هذه المذكرات الشخصية هي لأحد شرفاء الخارجية المصرية، هي مذكرات وزير الخارجية " محمد إبراهيم كامل" الذي تولّى وزارة الخارجية في عهد السادات في 24 ديسمبر عام 1977 إلى أن استقال في 16 سبتمبر 1978 قبل ساعات من التوقيع على إتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978 ليكون بذلك ثاني وزير خارجية يستقيل اعتراضًا على سياسة السادات فيما يخص تفاوضاته مع الإسرائيليين حول السلام . يذكر لنا كامل أنّ علاقته بالسادات تعود إلى العهد الملكي وقت اشتراكهم معًا في محاولة اغتيال النحاس باشا، أما اغتيال أمين عثمان الذي تورّط فيه السادات، فلا يقول لنا كامل أنه اشترك في هذا الأمر، لكن قادته الظروف إلى السجن مع السادات، وقد توطّدت صلته به أثناء فترة السجن.
كان كامل وقت زيارة السادات للكنيست سفيرًا لمصر في ألمانيا الاتحادية، وعقب استقالة وزير الخارجية إسماعيل فهمي تفاجأ كامل بقرار تعيينه وزيرًا للخارجية، وقد أغضبته طريقة التعيين، لكن ليس هذا فقط ما أغضبه، بل زاد غضبه عندما اتصل به نائب الرئيس " حسني مبارك" ليبلّغه أن يتوجه فورًا إلى الإسماعيلية لحضور مقابلة السادات مع الوفد الإسرائيلي برئاسة رئيس الوزراء " مناحم بيجن"، وما أغضبه هو كيف يشترك في مباحثات ليس عنده خلفية عنها أو بجدول أعمالها. لكن مفاوضات الإسماعيلية كانت من الأهمية بمكان بحيث أنّها أظهرت لكامل حقيقة الموقف الإسرائيلي والذي سيظل حجر عثرة كبير حاولت وزارة الخارجية المصرية تفتيته دون جدوى، وهي محاولات استمرّت منذ تلك اللحظة إلى الوصول إلى كامب ديفيد .
جاء بيجن إلى الإسماعيلية وكما قال هو نفسه " يحمل مشروعين" الأول خاص بالضفة الغربية " جوديا والسامرة كما يُطلق عليهما بيجن"، والثاني خاص بسيناء. لقد وصف كامل أسلوب بيجن في تلك اللحظات بأنه اتسم بالوقاحة، فقد طالب بنزع عسكرة سيناء حيث يستطيع الجيش المصري البقاء في خط لا يتجاوز ممري متلا والجدي أما باقي سيناء فتكون منزوعة السلاح، وتحتفظ إسرائيل بمطاراتها العسكرية وبمحطات الإنذار المبكر المستوطنات بين رفح والعريش, وهنا طلب كامل من السادات وقف التشاور، وقد تمخّض عن ذلك التفاوض ذلك تشكيل لجنتين، الأولى سياسية تتفاوض في إسرائيل، والثانية عسكرية تتفاوض في مصر.
يجب هنا ملاحظة أمر مهم، أنّ محمد إبراهيم كامل لا يعترض على مبدأ السلام الشامل، لكنه يرفض أولًا أي سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، وثانيًا: الحصول على سيناء كاملة. وثالثًا: الحكم الذاتي للفلسطينيين وعودة إسرائيل وفق قرار مجلس الأمن 242 إلى حدود عام 1967 بما يُلزم إسرائيل بترك الضفة وغزة والجولان وسيناء . وهذا الأمر كان يرفضه بيجن بشكل تام. لم يكن عند كامل أي استعداد للتنازل عن طلباته كلها، وبالتالي وصف الإسرائيليون وزارة الخارجية بالتشدد، بل كان السادات أحيانًا يذكر هذا للإسرائيليين، عندما يُقدّم لهم مذكرة وزارة الخارجية التي فيها رؤيتها لطلبات مصر، ثم يعقب السادات لكني عندي شروط أكثر مرونة، وهذا أحد عيوب السادات التي ذكرها " وليام كواندت" في كتابه " كامب ديفيد السياسة وصنع السلام"، أنّ السادات كان يُعلِم كارتر بما هو على استعداد للتنازل عنه مقدمًا . ومن هنا سنرى في أكثر موضع من المذكرات استياء كامل المطلق من كثير من تصرفات السادات، بل وشكّه في أنّ أمورًا كثيرة تتم في الخفاء لا يعلم عنها شيئًا .
ذهب كامل ضمن الوفد السياسي إلى القدس، لكنه وجد نفس التعنّت الإسرائيلي، وقدّم لنا رأيه في " بيجن " و ديان"، فكلاهما جامد متحجّر يهدف إلى توسيع رقعة إسرائيل ( كان زرع المستوطنات في سيناء يتم حتى أثناء المفاوضات)، انتهت المباحثات بالفشل، وسحب السادات الوفد إلى القاهرة مما أقلق الجانب الأمريكي والرئيس كارتر. يختلف موقف السادات عن موقف كامل، في الوقت الذي يظهر فيه السادات محتقرًا للعرب غير مهتم بموقفهم راميًا بكل ثقله على الجانب الأمريكي وكارتر، كان كامل يحاول يدمج العرب ويحتويهم في العملية التفاوضية، عندما اجتمع كامل مع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، أخبره السادات أنّ وايزمان يريد زيارة القاهرة لأمر مهم، غضب كامل وعدّ ذلك تخريبًا للمؤتمر العربي، فيما بعد عَلِم كامل من مذكرات وايزمان " معركة السلام" أنّ السادات هو الذي دعاه إلى القاهرة.
كان كارتر في واقع الأمر ينتزع التنازلات من السادات لا من بيجن، فقد بدا له بيجن صخرة صلبة، وكانت أمام كارتر جولة انتخابية ثانية كان فيها بحاجة للأصوات اليهودية، وفي لحظات تأملات كان كامل يذهب لتحليل شخصية السادات، في لحظات التفاوض كان يراه منتبهًا مدققًا وعنيدًا وفي لحظات أخرى يجده شاردًا غير مدرك لخطورة ما يطرح حوله. ويقدّم كامل تحليلًا مهمًا وهو أنّ مباحثات فض الاشتباك التي جرت بين كسينجر و السادات سنة 1974 هي البذرة الخبيثة لمبادرة السادات وليس بعد لقاءه بشاوشيسكو كما قال له السادات . ( سيذكر كامل بنود مخزية جدًا في محادثات فض الاشتباك) .
وصل السادات وكامل و الوفد المصري بالنهاية بالمفاوضات إلى كامب ديفيد، وكان الموقف الإسرائيلي المتصلّب كما هو، وفي حوار بين السادات وديان ( كما نقله السادات لأسامة الباز) أنّ ديان قال له لا يمكن التخلّي عن المطارات و المستوطنات في سيناء، لأن هذه الأمور تتعلق بأمن إسرائيل كخط دفاعي تقدّمي لها. ويقول كامل أنّ حديث السادات مع ديان هو القشة التي قصمت ظهر البعير ونقطة التحول نحو تورطه في قبول سلسلة من التنازلات. لقد كان السادات يُدرك أنّ بيجن يتلاعب بكارتر، لكن كان السادات في موقف أضعف من بيجن. في حواره مع كامل عندما طالبه برفض التوقيع والعودة إلى القاهرة (أنت عايز الاتحاد السوفيتي والعرب يشمتوا ). كان السادات يريد إنجاح المباردة على أي وجه وعلي أي شكل، ولم يكن بيجن في الواقع مضغوط بذلك .
في لحظة من لحظات اليأس، قرر السادات مغادرة كامب ديفيد، فقد قدّم تنازلات كثيرة فيما يخص الضفة وغزة بينما كارتر فشل في انتزاع أي شيء من بيجن، ذهب كارتر لملاقاة السادات، حاول كامل حضور اللقاء، لكن السادات أغلق الباب عليهما، بعدها خرج السادات ليقول أنّ "كارتر رجل عظيم حلّ المشكلة ببساطة" . ولم يفهم كامل ما دار بينهما ولم ينقله في كتابه، لكن كواندت في كتابه ذكر أنّ كارتر قال له ما دار في هذا اللقاء، فقد هدد كارتر السادات بأنّ انسحابه من كامب ديفيد من شأنه أن يقطع صلته بالولايات المتحدة وبفقدان صداقة كارتر. قال السادات لكامل " سأوقع على أي شيء يقترحه الرئيس كارتر دون أن أقرأه" . ويسأل كامل نفسه " هل هو بهذه البلاهة أم أصابه الجنون، ولماذا يتحول إلى عبد ذليل في حضرة كارتر يتلقى تعليماته كأنه موظف عنده" .
بعد محادثة طويلة بين السادات وكامل نقلها بتمامها كامل في الكتاب، قرر كامل تقديم استقالته وقد قبلها السادات مع طلب الأخير منه ألا يُعلِن ذلك حتى التوقيع على المعاهدة، ولم يحضر كامل التوقيع على معاهدة كامب ديفيد، وشاهد ما يحدث في التلفاز وهو في الفندق. ورغم موقف كامل فإنه كان يحظى بتقدير المسؤولين الأمريكان. وبذلك يكون كامل ثاني وزير خارجية يقدّم استقالته اعتراضًا تنازلات السلام وليس السلام نفسه، في المقابل لم نسمع عن عسكري واحد لا الجمسي ولا غيره اعترض أو استقال بسبب كامب ديفيد، وقد شاهدوا بأنفسهم كيف يتم نزع عسكرة سيناء وانتهاء السيادة العسكرية على أجزاء كبيرة منها . الحقيقة لا نزايد على مواقف أحد، ولكن نتأمل تصاريف الأيام، التي كان فيها المدنيون هم الأكثر تمسكًا بالمصالح الوطنية .