بداية الكتاب بالتأكيد لا تكفيه قراءة واحدة ... ولن أدعي أنني فهمته كلّه
الكتاب يؤسس لنظرية متكاملة في المقارنة بين إشكالية الديني والسياسي من بذورها وحتى تقديم نموذج حلّي (من وجهة نظر الكاتب بالتأكيد) لها
وتتأثر هذه المقارنة وهذا النقد بالنزعة الصوفية لدى مولانا طه عبدالرحمن ... والتي تتضح كلّما توغلنا بالكتاب بانيا المشكلة والحل عليها "التزكية .. والباطن"
قد يكون هذا هو الوجه السلبي الرئيسي الذي لربما لم يعجبني في الكتاب ... ليس أنني أنكر أن صلاح باطن الإنسان وتزكّيه بالتأكيد سيكون حلّا لكل المشاكل ... ولكن هذا الموضوع يبقى نسبيا كوننا بالفعل لا نستطيع الحكم على هذا الباطن ... وهنا تكمن مشكلة تأسيس الدولة ونصب الولاة ومنهجية الحكم التي تتطلب مراعاتنا للظاهر وإن كانت من الأمور التي ينتقدها الكاتب
تكمن صعوبة أُخرى في الكتاب وهو فرد مصطلحات جديدة من قِبل الكاتب ,,, وهو أمر يُصعّب فهم الكتاب قليلا
أمر جميل أن أغلب أفكار هذا الكتاب كانت باقتباسات سواءا من السنة أو من القرآن الكريم (وهو الأبرز والأكثر) وهو شيء جميل لافت للنظر كيف أن هذه المصادر غنية جدا بحيث نستطيع بعقولنا وقلوبنا النهل منها ولن تنضب
الكتاب من 9 فصول تتقدمه مقدمة أخاذة وخاتمة مميزة
في الفصل الأول :
يتناول الكتاب قضية قصور وتعدية الوجود الانساني ... بحيث يثبت منطقيا لزوم وجود الإنسان في أكثر من عالم .. مرئي وغيبي .. وهو الأمر الذي ترى كثيرا من العلمانية يتغافلون عنه فتراهم ينظّرون وكأنما جلّ الاهتمام ووحدويته للعالم المرئي .. هذا إن لم ينفوا العالم الغيبي بالكليّة من الأساس
في الفصل الثاني :
يناقش الكتاب عملية الفعل الديني والفاعل الديني وكيف أن ما يميزه هو عملية التشهيد بحيث يتراءى له العالم الغيبي في كل ما يفعل في هذا العالم المرئي وذلك بفضل مبدأ الفطرة التي تنزل منزل ذاكرة سابقة على الوجود المرئي والتي تُحدد الغاية من وجوده والتي هي التعبد لله وحده ... ثم بعد أن يحصل الفاعل الديني القدرة على التشهييد لن يتحصل كماله إلا بمبدأ التفاضل أي طلب أفضل دين وشريعة وطريقة لتعبده ... ولا يتحصل له شمول هذا التشهيد إلا بمبدأ التكامل بحيث يطلب في كل أمر مرئي وجه غيبي تتكامل فيه الدين ككل.
في الفصل الثالث:
وهنا يتناول الكتاب الفعل السياسي مبينا كيف أنه ينبني في الأساس على "التغييب" أي تصعيد العالم المرئي مرتبة العالم الغيبي , وكيف أن ذلك لا يكون إلا بمبدأ النسبة أي نسبة الأشياء إلى نفسه والتي قد يتوغل فيها لغاية أن يتسيد على غيره فتراه بهذا التسيد يتطلّع أن يدرك رتبة الحاكم المطلق ,, ثم بعد هذا فلا يكون كمال هذا التغييب إلا بمبدأ السلطان وذلك بجعل ملكه ملكوتا واسعا ومن قوته جبروتا قاهرا ومن شخصه ذاتا متألهة متوحدة ... ثم يسعى لشمول التغييب من خلال مبدأ التنازع وذلك بأن تكون العلاقات النفسية مع غيره مبنية على التنافس في المنافع والأغراض موجدا فضاءا نزاعيا واسعا.
أما في الفصل الرابع:
فيتحدث الكتاب عن الدعوى العلمانية وكيف أنها تشترط الفصل بين العمل والديني والعمل السياسي وذلك بنهوض المواطنين بوضع قوانينهم بأنفسهم وبهذا تدخل عليهم شتى ألوان التضييق, بداية أنها بُنيت على افتراضات باطلة, منها أن إرادة التدبير لا تتجلى إلا في القدرة على وضع القوانين , وأيضا أن إرادة الله تتعارض مع إرادة الإنسان ,, ثمّ أنها بُنيت على اختلالات شنيعة في فهم الصلة بين الله سبحانع وتعالى والإنسان منها أن انحسار إرادة الانسان تكون على قدر امتثاله لأوامر الله عز وجل , وأن ارادة الله تسلب من الانسان ارادته ,,,,,, ثم بناءا على هذه كلّه أنشئت هذه الدعوى تقريرات فاسدة كأن تقول أن العمل الديني لا يدخل في الشأن العام إذ لا تدبير فيه .. والسياسة لا تتدخل في الشأن الخاص إذ لا تعبد فيه... وكلّ هذا أدى إلى تضييق وجود الإنسان وانوجاده في العالم المرئي وتواجده في الغيبي.
ثمّ في الفصل الخامس:
يتحدث عن كيف أن السيد وإن اختلفت أنواعه (تسيّد محكم أو مشتبه) هيمن على تدبير الشؤون والعلاقات الانسانية ... وعلى من يتعبد لله وحده الخروج من هذا التسيد الطاغوتي وكيف أن طرائق القول والحوار وما إلى ذلك لا تُفيد في عملية الخروج هذه ولا يكون ذلك إلا عن طريق العمل التزكوي الروحي وأخذ بقية الفصل في تفصيل هذا العمل التزكوي وتوضيحه.
في الفصل السادس:
تحدث عن الدعوى الديانية وبين أو الوصل بين الدين والسياسة لديهم أخذ صورتين : إما تسييس الدين أو تديين السياسة ,, أما الأولى فكان من أجل خدمة أغراض الدولة التسيدية ,وكان هذا صورة لإخضاع الدين للتدبير التسيدي بحيث تتمسك بما يحفظ أهدافها التسيدية بما يتجلى من هذا التعبد , وتقصي باسم التعبد نفسه من لا يخدم مصالحها.
أما الصورة الثانية التي يدعوا بها بعض "الاسلاميين" فدخلت عليها شبهة تقليد المفاهيم والتدبيرات ذات الأصل العلماني ,,, وهذا التقليد كان أحيانا مقصودا لدفع تهمة التطرف وأحيانا أُخرى غير مقصود متأثرا بأساليب الممارسة السياسة السائدة في المجتمعات ,, وهذا التقليد إذ أنهم لم يرتقوا بتعبدهم إلى الدرجة التي يصبح معها معينا حيّاً يمدّهم بأسباب الإنشاء والابتكار.
الفصل السابع:
تحدث الكتاب هنا عن صورة من صور التماثل بين الدين والسياسة وهو مبدأ تحكيم الدين .. او "الحاكمية" ولكن هنا يوضح أن مجال هذه الحاكمية ليس كما يعتقد التحكيمييون مجال التدبير التسلطي التي تعتبر فيه الأعمال محكومة بالآمرية البشرية إنما هو مجال التدبير التعبدي فلا يقول بالحاكمية لله إلا لمن شَهِدَ الحق في الخلق أي المُتزكي.
الفصل الثامن:
وهنا يتناول الصورة الثانية من صور التماثل وهي صورة تفقيه السياسة كما تمثلت بنظرية ولاية الفقيه في المذهب الشيعي ,, وبيّن كيف أن هذه النظرية بنت تص��رها للفقيه عن طور التدويني والعصر الصفوي الذي اتسمّ بعداء ومحاربة للمتزكيين والمتصوفة ,, وكيفيو عنايته بالجانب القانوني من الفقه مهملا الجانب الأخلاقي حيث أنه لم يبنِ الأخلاق الظاهرة على الباطنة وأنه لم يبن الأخلاق على القانو ,, ثم عرض إلى الفرق بين الفقيه الصناعي والفقيه الحي ... وبين فرقا أساسيا بينهما وهو الخصوصية في الأول والعمومية في الثاني حيث يرى أن جميع المسلميين يجب أن يتفقهوا فقها حيا ويكونوا فقهاء كلّ على قدر حاجته .. وبالتالي فعرض أن ولاية الفقيه الحي بهذه الصورة تكون ولاية لكل الأمة لا لفئة محددة ومخصوصة.
أما في الفصل الأخير فقد رسم الكتاب ملامح الدعوى الإئتمانية التي يجلّيها على أنها التصور الذي يراه حقا موسعا للوجود الإنساني مُخرِجا له من ضيق العلمانية ..ومن بعدها ضيق الدعوى الديانية (بالتأكيد موضحا أن الدعوى العلمانية كانت أكثر تضييقا) ... وتأخذ هذه الدعوى أساساتها من اعتبار الله عز وجل مودِع والأنسان مودَع لديه وكلّ الأمور التي يقوم بها الإنسان إنما هي ودائع أودعها اللهُ إياه بالتالي لا يتسطيع نسبتها إلا إلى نسبتها الحق إلى الحق سبحانه وتعالى ... راسما ومفاضلا بينها وبين الددعوتين الأُخرتين.
بالتأكيد كتاب بهذا الحجم لن يفيه العرض الذي عرضت حقه في مناقشة افكاره وإيضاحها وما إلى ذلك .... الكتاب بمنح الكثير من منهجية وافكار وإيضاحات ... وقد لا تتفق مع بعض ما فيه ولكن لن تنكر تميزه وسبقه