لماذا خلق الله عمر بن عبدالعزيز ؟؟!!...
في هذه الأيام صار مستقرا في وجدان الكثير من الناس ، أنه لا أمل..فلا حكام أصلحوا ، و لا ثورة نفعت ، و حتى الشعوب فقد غشيها من الهم المتراكم ما غشيها عبر قرون من مظالم و جهل و إسترقاء و إستعمار و إستحمار ، حتى صارت اليوم كالطفل اليتيم المعاق ، لا تقدر على الحياة إلا في كنف حكامها ، مهما بطشوا أو أستبدوا..و قد زينت لها شياطين الإنس ما أستمرأته من فساد و ظلم و ظلام...
يؤكد عبد الرحمن الشرقاوي في كتبه مرة بعد مرة على أن ملوك بني أمية هم من بدأوا هذا كله..فأول ملوك بني أمية هو أول ملك في الإسلام ، و هو من أطاح بنظام الشورى - جوهر الحكم الإسلامي - الذي أرساه الرسول صلوات الله عليه ، و دعمه و رفعه الأربعة الراشدون المهديون رضوان الله عليهم ، فجعل الحكم وراثيا..ثم جاء من بعده من قتل الحسين و آله ، و من قتلوا عبدالله بن الربير و سعيد بن الجبير و غيرهم آلاف ، أنهارا من الدم الحرام سفكت توطيدا لملك بني أمية..يقول الشرقاوي أن روعة الفتوحات و أهازيجها و أناشيدها ما أنفكت تتخللها آنات المعذبين و المقبورين في غياهب السجون و هم أحياء ، و تعكر صفوها صلصلة القيود و وقع السياط..يتحدث عن خص بني أمية بالضياع و المتاع و المطايا و الإماء ، و يتحدث عن عطايا الشعراء و الظرفاء و رءوس قريش ، و يتحدث عن تشريد بني هاشم و منعهم حقهم من العطاء و سهمهم من الفئ...يتحدث الشرقاوي عن المدى الذي ذهب له بني أمية في الإسراف على أنفسهم و ما أصبحوا فيه من شقاء بما فرطوا فيه من حقوق الله و حقوق الرعية ، و بما أترفوا فيه من ملك بائد و نعيم زائل...
و وسط كل هذا خلق الله عمر بن عبدالعزيز..
ماذا نقول في عمر بن عبدالعزيز ؟!..والله لو اتيت مجامع الكلم ما وفيته حقه..لماذا ؟ّ..لأن الله قد خلق عمر من بني مروان ، و هم من هم فيما ذهبوا إليه و فرطوا و أفرطوا ، و لكنه كان على التضاد منهم في كل شئ..أتته الدنيا بكل ما فيها من تبرج و زخرف فردها ببساطة متناهية ، و قال أني امرؤ أخاف الله ، و الله لا يصلح عمل المفسدين..لا يسعني ها هنا أن أذكر مناقبه ، و لكن يكفيه أن أقترن أسمه بالأربعة الراشدين المهديين ، فصار خامس الخلفاء ، و هذا شرف لم ينله من العالمين سواه..
و لكن السؤال لم يزل مطروحا..لماذا خلق الله عمر بن عبدالعزيز ؟!..
لم تستمر خلافة عمر سوى عامان و شهور خمسة..و برغم ما أحدث من صلاح و إصلاح ، و برغم ما أحيا من سنن و ما أمات من بدع ، و برغم ما رد من مظالم و غصوب و ما أقام من حقوق الله و الرعية - لم يفرق في ذلك بين مسلم و معاهد - إلا أن قصر فترة ولايته منعت كل هذا من البقاء طويلا..كما أن كما أن ولي عهده - و الذي ذهب نفر من المؤرخين أنه كانت له يدا هو و نفر من الأمويين في مقتله ، و هذا هو الرأي الأرجح - كان أمويا خالصا كما جاء في الكتاب ، فهدم كل ما بناه عمر ، و رد للأمويين ما كان عمر قد أنتزع منهم من حقوق العباد ، و صار في الخلق بسيرة القياصرة و الأكاسرة كعادة أسلافه من ملوك بني أمية..و مفاد هذا أن التغيير الذي أحدثه عمر ، برغم عظمته و روعته ، لم يكن تغييرا جذريا و لم يجمع الأمة ، بل و حتى لم يبق له من الولد من يكمل عمله...
إذا..لماذا خلقه الله ؟! لماذا جاء فأذاقنا حلاوة الإمامة الراشدة في زمن يغشاه الظلم و الظلمات ؟!..الإجابة ، فيما أظن ، أن عمر لم يكن سوى دعوة..رسالة..يقرئنا الله به السلام ، و يعلمنا أن الأمل باق ما بقى وجه الله..و أن النور لا يولد إلا من رحم الظلمات..و أن الرجال لا تنحني للعواصف مهما بلغت شدتها ، بل تقى الضعفاء منها بصدر رحب و بنفس راضية..يعلمنا الله من سيرة عمر ، أن الرجل الواحد الصالح قادر أن يقلب نظام العالم ، و أن يحق الحق و يدحض الباطل بعلمه و صلاحه و ورعه ، و لكنه برغم هذا ، بحاجة إلى الرفاق الصالحين..بحاجة إلى السند و العضد..فلو كان بني أمية قد جمعوا أمرهم على ما أرساه - أو أعاد إرسائه - عمر ، لصاروا خير دولة و لما لاقوا نهايتهم المفجعة..و لكنهم ابتغوا الدنيا فبغت عليهم الدنيا...
هناك في سيرة عمر بن عبدالعزيز عشرات العبرات ، التي تؤكد لنا أن نظام العالم الذي أرتضيناه ، ليس من الإسلام في شئ ، و ليس من الصلاح في شئ ، و ليس من الخير في شئ...و أن حكامنا و روءسنا قد أكثروا علينا و على أنفسهم فبلغوا مبلغ الفاسدين و كثرت مظالمهم و أثقالهم..و لكن أكثر ما يجب أن نتعلمه من سيرة عمر ، أنه لا يصح و لا يجوز أن ترضى الرعية بفساد حكامهاأو أن ترتضي منهم بظلم أو بإستبداد أو بإفساد ، فهذا لا يرضي الله و لا رسوله ، و في هذا فساد دنيتهم و دينهم..فإذا كثر الخبيث أتت القارعة فأهلكت الكلأ..
يمكن لكل منا أن يبحث عن عمر في قلبه و عقله..يبحث عنه في أقل الأشياء و في أدق التفاصيل ، فيجتمع الصالح من عمله و تتراكم آثاره و يزداد صلاحه فيصير أمة في نفسه..يصير رجلا حقيقيا ، مسلما حقيقيا ، يمكن - إذا ما اعتصم بأقران له ، و بحبل الله المفتول - أن تقوم على أكتافه أمة ، أشتقنا إلى أيام قيامها و صيالها و ضيائها...
أما عن الكتاب ، فهور كسائر كتب الشرقاوي..صورة قلمية ، و ليس كتاب تاريخ..تجد فيه ما يروقك ، و تجد فيه ما يبكيك ، و تجد فيه ما يستحق التدبر ، و تجد فيه ما يثير في نفسك الملل ، و تجد فيه آراء الشرقاوي المبطنة ، و تجد فيه وصايا و رسائل الأسلاف العظام..أعترف أني لا أحب غياب المصادر ، و لا أحب بعض التكرار ، و بعض الغموض أو نقص التفسير ، و لكني - أعترف كذلك - أحب كتابات الشرقاوي ، و أحب آراءه..
الخلاصة ، أنه كتاب جيد جدا ، فيه الكثيـــر عن بني أمية ، و فيه صورة بالغة الروعة للخليفة كما ينبغي أن يكون و كما أرتضاه الله..
رضي الله عن عمر بن عبدالعزيز ، و ألحقنا به على خير ، و جعل لنا من حظه في عمارة الإسلام و قضاء حاجات العباد نصيب...