كنت اتمني ان اعلق علي هذا الكتاب بعاطفتي فحسب , و لكنني - للامانة و الموضوعية - ساعلق عليه من وجهتي نظر مختلفتين , و لكنهما ليستا متقابلتين..
اولا : كقارئ محايد..هذا الكتاب يتناول قصة تسعة من كبار فقهاء الإسلام..و هو في هذا اوجز في اخبار حيواتهم الخاصة , و استفاض في اخبار كفاحهم و نضالهم..و من الواضح حب الكاتب الخالص لهؤلاء التسعة , حيث ان إسقاط هذه العاطفة علي كتابته كان واضحا تماما..و قد انتقص هذا الي حد ما من موضوعية الكتاب..
رسم الكاتب سيرة الفقهاء التسعة باللون الابيض وحده..و قد جعل كل من اختلف معهم هم اراذل الفقهاء و شر الحكام , و ان كان هذا صحيحا الي حد كبير بالفعل..و لكن ليس دائما و ليس بالموضوعية المطلوبة , فمثلا يتحدث الكاتب عن الملك الكامل بن العادل ملك مصر الايوبي يصوره تصويرا جيدا جدا..الا ان التاريخ يذكر ان هذا الرجل هو من سلم القدس الي الصليبيين بعد ان استردها منهم عمه السلطان صلاح الدين , و هي بلا شك نقطة سوداء حالكة في صفحة الرجل..ما اقصده ان المرء يحتاج الي البحث قبل ان يصدر احكامه و يكون اراءه و لا يعتمد اعتمادا خالصا علي الكتاب..
الكاتب لم يذكر مصادره ..و هي نقطة ضده..
الكاتب يمرر افكارا من خلال ثنايا الحديث , متناولا امثلة من حياة التسعة علي ثبوت هذه الافكار و اصالتها..و هذه نقطة يمكن ان تحتسب ضده , و لكن هذا لن يحدث لان عقلي و ضميري يقبل كل افكار الكاتب التي مررها من خلال سير التسعة..
ثانيا : كقارئ مسلم طبيعي زي بقية الناس..كان هذا الكتاب من اروع الكتب التي قرأتها في حياتي..الكتاب يتحدث عن تسعة من عمالقة الإسلام , و يسطر افضالهم و احساناتهم , و بطولاتهم ايضا..لم يكن هؤلاء القوم رجالا كسائر الرجال , بل كانوا مخلوقين من معدن نادر..لا اصدق كيف يمكن لرجل ان يكون علي هذا القدر من العلم و الايمان و الزهد و الرغبة الفائقة في تحقيق اهداف الشريعة الشهباء - جلب المنفعة و درء المفسدة..
الكتاب يعرفك علي الإمام زيد , حفيد الحسين الذي خاض الحرب التي خاضها الحسين , لنفس الغاية و ضد العدو ذاته و بالنهاية عينها..و يعرفك علي الإمام ابي حنيفة , امام اهل الراي و الرجل الذي اعجز منصور بغداد حتي قال " من يعذرني من ابي حنيفة , حيا و ميتا "..و يعرفك علي الإمام جعفر الصادق , استاذ جابر بن حيان و الرجل الذي رفض الخلافة للتفرغ للعلم و نفع الناس..و علي الإمام الليث , فخر اهل مصر و الرجل الذي قيل عنه انه افقه من مالك , و لكن طلابه اضاعوا فقهه..و علي الإمام المفتري عليه احمد بن حنبل , فتري كم نحن بحاجة الي رجل مثله في زمننا هذا..و علي الإمام الشافعي , الرجل العملاق الذي وفق بين مذهبي مالك و ابي حنيفة و الذي لم يستح ان يراجع اكثر فقهه بعد ان جاء مصر و تأثر باراء الليث..و علي سلطان العلماء العز بن عبدالسلام , الرجل الذي لم يخش في الحق لومة لائم...و غيرهم الامام مالك و الامام بن حزم...
تري ان كلهم اتفقوا في صفات مشتركة..و اتفقوا في الفطرة النقية , و النية الخالصة..تر اخلاقهم الرائعة الباهرة , و منجزاتهم الفكرية الخالدة , فتشعر بالضآلة و الصغر..
تري ادب الاختلاف في اروع صوره..و الجهر بالحق في اشجع صوره..و التواضع لله في اجل صوره..فتشعر بالحسرة علي الحال التي وصلنا اليها...
اني اتمني ان يقرأ كل مسلم هذا الكتاب , خاصة في زمننا هذا , و بالاخص في هذه الفترة العصيبة التي اختلط فيها الخيط الابيض بالاسود..فالكتاب يحوي من المواقف و الحكم و الاحكام ما هو ضروري ادراكه , حتي نعلم واجباتنا المهملة و حقوقنا المهدرة , ليس في امر الدين فحسب , بل و في السياسة و المعاملات و العبادات و في امور العامة و الخاصة...هذا بالاضافة الي الاقتداء الحسن باروع النماذج في حضارتنا و تراثنا , ممن وجب اتباع سيرتهم و اقتفاء خطاهم..
كنت اتمني ان يتحدث الكاتب عن شيخ الاسلام ابن تيمية , لكني علمت اته افرد له كتابا وحده , اقرأه ان شاء الله..
الحق ان الكتاب يستحق النجوم الخمس ,الا انني امنحه اربع فحسب للاسباب المذكوره اعلاه , و التي تنتقص من الاحقية او المصداقية الاكاديمية للكتاب..
و السلام..