حينما إقتنيت هذا الكتاب كانت رغبتي الأولى قراءة تاريخ المنطقة السعودية من مصدر جديد ومختلف, حيث أنني في الفترة الأخيرة أصبحت منجذباً لقراءة التحولات الإجتماعية والفكرية في مرحلة حكم إبن سعود للمنطقة العربية, كذلك فضولي لمعرفة أسلوب "علي الوردي" في قرائته للتاريخ من منحنى إجتماعي, لكن لم أتوقع أن الكتاب كان تركيزه الأعظم على جملة الحكام الذين حكموا المنطقة قبل حضور إبن سعود والبدء بإنشاء مملكته, لذلك وجدت الكتاب مثيراً في أجزاء معينه وخاذلاً لرغبتي في أجزاء كثيرة أخرى.
أخذ "الوردي" في سرد تاريخ المنطقة الحجازية بتركيز مكثف على "الأشراف" في سياسة حكمهم للمنطقة, ثم عزف بنا ليتطرق إلى أحداث بعيدة عن المنطقة الحجازية فبدأ بتغطية أحداث التطورات التي عاصرت حكم الأشراف في سوريا وفلسطين وبلاد الشام, بعد ذلك عاد ليتكلم عن مرحلة "إبن سعود" ولكن بتركيز أقل من التركيز الذي أولاه للفترة التي حكم بها "الأشراف" المنطقة, وإنتقل بعد ذلك ليتناول شخوص آخرين من "الأشراف" كأبناء الحسين علي, وفيصل, وعبدالله. رغم أن محتوى الكتاب بتركيزه على تاريخ المنطقة ما قبل "إبن سعود" كان جديداً علي إلا أن عدم إهتمامي بتلك الفترة جعلني أقرأ في فصول الكتاب دون تركيز عالي وكأنني أقرأ في منهج التاريخ للمراحل الدراسية, بإستثناء الفصول الذي تعرض فيه الكتاب لحكم "إبن سعود" للمنطقة.
"الوردي" لم يكن هنا كما قرأت له من قبل في كتب سابقه.. فقد إنخرط في السرد التاريخي دون إسقاط أي تحليلات أو نظريات عاكسه للمجتمع كونه باحثاً إجتماعياً, بل كان الكتاب في مجمله سردياً دون التعرض للتحليل الإجتماعي للمنطقة وتغيراتها, ولذلك فقد المحتوى وهجه بالنسبة لي بعدما إنتصفت في قرائته, فقد كنت أتوقع منه أن يكون شيئاً وإذ به على العكس من ذلك تماماً.
بعدما شرع "الوردي" في سرد تاريخ المنطقة الحجازية بعد دخول "إبن سعود" لِسدة الحكم في الفصل الخامس من الكتاب وجدت نفسي مندفعاً في القراءة فيه بشراهه, لأن السرد أصبح يتوافق مع غايتي من قراءة الكتاب بالدرجة الأولى, فقد وجدت نفسي مندهشاً من كل التفاعلات التي رافقت دخوله لِسدة الحكم في المنطقة الحجازية, حيث بدأت أقرأ متشوقاً لمعرفة نهاية حكاية علي أبن الحسين في حكمه لجدة وكيف دخل "إبن سعود" جدة وأعلن حكمه فيها, وكذلك صدمت بنهاية الحسين بعدما تنازل عن الحكم وغادر جدة منها إلى العقبه ومنها إلى قبرص حتى وفاته في الأردن, وإرتفع مستوى الحماس بشدة في الفصل الأخير حينما بدأ "الوردي" بسرد المشكلات التي واجهت "إبن سعود" في فترة توليه لِمقاليد الحكم في المنطقة الحجازية وللجزيرة العربية ككل.. حيث إستعرض "الوردي" جملة من المشاكل والحكايا والأخبار التي وقعت في عصر "عبدالعزيز إبن سعود" لم يسبق ليّ أن إطلعت عليها في مصادر أخرى سبق ليّ قرائتها عن تاريخ المملكة, كذلك مناقشته للإخوان وزعيمهم "فيصل الدويش" ومصير ثورته, كذلك إستعراضه لبعض الحكايا الطريفة التي حصلت مع دخول التكنولوجيا الحديثة للمملكة وإستنكار الإخوان والمشايخ على "إبن سعود" إستخدامها وأنها نوع من السحر وتعمل بإستخدام قوى الشياطين.
ثم في خاتمه الكتاب تعرض "الوردي" لنقطة تكاد تكون أمراً مسلماً إلا أنه دائماً ما يكررها في مؤلفاته وهي أننا لو ولدنا في ذات البيئة التي ولد بها غيرنا ممن نستنكر قناعاتهم, ونستظرف ردود أفعالهم حيال الأشياء الجديدة الدخيلة على بيئتهم, لكنا مثلهم نؤمن بذات القناعات ونتخوف من كل جديد ونستنكره لأن الفرد وليد بيئته, وهو بذلك يرتكز على قاعدة مهمه في فهم سلوكيات كل مجتمع وتصرفاته, ثم يبرر للذين إتهموه في إتجاهه لدراسة التاريخ وتجاهله للجانب الإجتماعي في كتابته لهذا الكتاب وهو ما إتهمته به في منتصف قرائتي لكتابه هذا بأن فهم مجتمع ما وتحليله يرتكز على قراءة ماضيه بدل التركيز على حاضره وتغيب ماضيه بشكل تام لأن التفاعلات الإجتماعية تخلق مع الوقت والماضي ركيزة أساسيه في مسار هذا الوقت, عموماً في نهاية قرائتي لهذا الكتاب إستطاع "الوردي" أن يجذبني من جديد إليه بعدما فقدت متعتي في قرائته في منتصفه.. وبهذا أصبحت من جمهور هذا الكتاب بمجمله وهي نقطة إيجابية تحتسب للكاتب وأسلوبه.