تتناول الرواية حقبة مهمة ودموية من تاريخ العراق السياسي تُوّجت بانقلاب 8 شباط الدموي. بطلا الرواية هما الأخوان مدحت وعبد الكريم، ينجذب الاثنان نحو ابنة عمتهما المدرّسة الشابة منيرة، كل منهما حسب طريقته الخاصة، ويفشلان كلاهما في إنقاذها حين اغتُصبت في مدينة بعقوبة الريفية من ابن اختها عدنان الذي ينتمي إلى الحرس القومي. تركز الفصول الأخيرة من الرواية على الصراع الداخلي المضني في عقل مدحت لإدراك معنى الذي حدث له كي يعرف ما الذي عليه فعله فيما بعد. وحين يقرر في النهاية ـ وسط الأحداث الدموية ـ أن يعود إلى منيرة لأنه يدرك أن حبه لها أهم من أي شيء آخر .
فؤاد التكرلي روائي عراقي استطاع أن يحصد أوقات نجاحه بحرية وبلا صخب روايات قليلة، إلا أن مساحة تأثيرها كانت أكبر انها نموذج للروايات الكلاسيكية الحديثة ببنائها ،روائي عراقي أسهم في تطور الثقافة العربية وأثرى المكتبة العربية بالكثير من قصصه الأدبية،
ولد التكرلي في بغداد عام 1927 ودرس في مدارسها ، تخرج من كلية الحقوق عام 1949 ثم عمل ككاتب تحقيق وبعدها محاميا، ثم قاضيا، وتولى عدة مناصب في الدولة ومنها في القضاء العراقي حيث تم تعيينه قاضيا في محكمة بداءة بغداد عام 1964، وبعدها سافر إلى فرنسا ثم عاد ليعين خبيرا قانونيا في وزارة العدل العراقية. وعاش في تونس لسنوات بعد تقاعده، وعمل في سفارة العراق بعد حرب الخليج عام 1991، وألف القصص بأسلوب أبداعي متميز.
ينتمي التكرلي إلى عائلة ذات حظوة دينية ومكانة اجتماعيّة متميزة، وإذا كانت هذه العائلة بتفرّعاتها المختلفة قد تمتّعت بمباهج السلطة في بداية الحكم الملكي في العراق، فإنّها سرعان ما تخلّت عن الدور الذي أنيط بها موقتاً لجيل جديد من السياسيّين نشأوا تحت الراية العثمانية وتعلّموا صرامة عسكرها، لكنّهم تعلموا أيضاً من الاحتلال البريطاني بعض عناصر الحداثة الأوروبية. وقد أدى ذلك إلى فترة انفراج نسبي اجتماعيّاً أسهمت في إظهار ذلك الجيل الذي لا يتكرّر من المبدعين أو ساعدته على إنضاج تجاربه.
نشر التكرلي أولى قصصه القصيرة في عام 1951 في مجلة الأديب اللبنانية، ولم ينقطع عن نشر قصصه في الصحف والمجلات العراقية والعربية، كما صدرت له في تونس عام 1991 مجموعة قصصية بعنوان (موعد النار). وفي عام 1995 صدرت له رواية (خاتم الرمل). وكتب روايته الأخيرة (اللاسؤال واللاجواب) عام 2007. وكانت له أيضا مؤلفات أخرى مثل خزين اللامرئيات و الرجع البعيد الأعمال الكاملة 1و القصص الأعمال الكاملة
لا بد لهذا العمل الغارق في العبثية والسوداوية أن يتسرب إلي حنايا القارئ فيترك فيه بصمة موحشة، على الأقل هذا مافعله بي. لم أتوقف عن طرح السؤال الذي فجره حسين في ذهني من خلال صفحات الرواية: ماذا لو استيقظت ذات يوم وقد فقدت الرغبة في كل شيء، والأحساس بقيمة أي شيء؟
بناء على النبذة المدونة على الغلاف الخلفي التي اخبرتني بأن الرواية تحكي عن عائلة عراقية، وبناء على صورة الغلاف وكذلك العصر الذي كُتبت فيه الرواية، فقد توقعت عملا يندرج تحت قائمة الدراما العائلية، مجادلات تنتهي بصفعات، فلان يتزوج، فلان يطلّق...مع موسيقى ليالي الحلمية تهمهم في الخلفية. غير أن ماوجدته لم يكن كذلك. أعني كان كذلك ولكن لم يكن بتلك السطحية والروتينية قط، بل كان هناك إطار فلسفي كئيب يحيط بالإحداث، يدفعك للتأمل بعمق ويجرك -أحيانا- نحو اليأس جراً.
تدور أحداث الرواية والتي مركزها عائلة عراقية تعاني من شظف العيش، في آخر أيام الرئيس عبدالكريم قاسم، حينما كانت رائحة الإنقلاب تفوح في الأجواء. ومع ذلك بدا الشعب وكأنه غير معني بشيء، ولا يكاد يفهم شيئا. أحاط بي الإحباط المهيمن على الشخصيات ولمست فيه شبها كبيرا بالقنوط الذي أصاب الشعوب العربية أعقاب الربيع العربي. هل لاحظتم كمية الشباب الذي بدأ يعاقر الإلحاد بعد فشل ذلك الربيع؟ هل لاحظتم عدد الشباب الذي لم يعد يفكر سوى في الهجرة؟ هل لاحظت على نفسك أنك لم تعد متأكدا من صحة بعض الثوابت التي نشأت عليها ولم تفكر فيها مرتين منذ ولادتك؟ في هذه الرواية ستجد الشخصيات تغرق في حيرة ممضة، كلٌ حسب المعضلة التي يواجهها. وقد انتقى التكرلي معضلات ليس للشخصيات يد في وقوعها، ولا في التغلب عليها. هناك بعض الاسئلة العبثية التي تجرح الفؤاد ولايوجد لها دواء، اسئلة حادة عن الموت وتوقيته، عن الحب وأنانيته، عن الإدمان وقبضته وعن الفقر ومخالبه.
لا تخرج "الرجع البعيد" عن ثوب الحزن العراقي العريق. ثمة نكهة روسية حريفة في الأسلوب السردي. سترهقك الرواية في بطء سيرورتها، خاصة في البداية. لربما تعاني بعض الشيء خصوصاً في السبعين صفحة الأولى حيث تتداخل الشخصيات في ذات العائلة، وستظن أن الرواية عبارة عن محادثة طويلة بين عجوزين تشكوان من عسر النوم وشح الطعام. هذا إلى جانب الاستخدام المفرط للهجة العراقية العامية الكلاسيكية التي قد لا يفهم البعض شيئا من عباراتها. الرواية صعبة، لا مراء في ذلك، ولكنها أرخت لحقبة معينة عاشها الشعب العراقي، كما طرحت تساؤلات مؤلمة ستترك ندبة في ذهنك وإن كنت متفائلا.
لكل محبي الأدب النفسي عمومًا والأدب الروسي خصوصًا، لكلِ من أحبَّ تلك الحوارات الوجودية وإنغماسَ الذاتِ بالذات، تلك الدوامات النفسية اللانهائية حول ما هو صوابٌ وما هو دون ذلك، والأفكار المتضاربة مع جوهر الحياةِ نفسها والتساؤلات المستمرة عن جدوى كلِ شيء، لكلِ من أحبَ تلكَ الحمى الفكرية، هذه الرواية قد تناسبك...
______________________
بدأتُ لتوي والبدايةُ بطيئةٌ جدًا، تتطلب منك مجهودًا لا بأسَ بهِ كي لا تغفو!
فرغم سهولة المواضيع التي يتم نقاشها بين شخصياتنا، بساطةٌ حدَّ الملل في احيان كثيرة، بساطةٌ على مستوى المحور وعلى مستوى اللغة، تلك اللغة البغدادية الكلاسيكية، ورغم أنَّ أحداثنا طوال الصفحات الثمانين الأولى كانت تتمحور حول عائلةٍ واحدة، إلا أن هذا لم يمنع أن تكون كثيرٌ من هذه الأحداث والحوارات عصيةَ الفهم! فنحنُ نتحدث عن أربع أجيال بتركيبةٍ عائلية غريبة نوعًا ما، تعيش معًا تحتَ سقفٍ واحد، شخصيتان تحملان أسمَ "منيرة" وشخصيتان تحملانِ أسمَ "مدحت"، وأحدُ ال"مدحتين" أمرأة!!
______________________
ورغم انها كانت من السلبيات في بادئ الأمر، إلا انَّ الحوارات قد اصبحت من نقاط القوة، ممتعة، مضحكة ومبتكرة لغةً، موضوعًا وسردًا. فبعدَ أن كنتُ قد فهمت وتعودت على طريقة رسم الحوار، وكيف أن بعض الكلام يُقال، وبعضهُ الآخر يبقى حبيس عقول شخصياتنا، بدأتُ أستمتعُ فعلًا بمعظم الحوارات، لا أخفيكم أنني لم أفهم الأسلوب في بادئ الأمر، وتداخلت عندي الجمل بشكل مبرك، لكنني ما إن أكملتُ عدَةَ حواراتٍ حتى فهمتُ الآلية بشكل يتيحُ ليَ الاستمتاع فعلًا👏🏻
تصوير جيد للحقبة الزمنية بتسلسلات طويلة وأوصاف كثيرة ومعقدة، سواءٌ لأماكن الأحداث او لشخوصها، لم استسغها مسبقًا في تجربتي الوحيدة مع الأدب الروسي، لكنني هنا أحببتها♥️
تعدد الزوايا السردية من الأدوات التي لطالما احببتها، والتي تم أستخدامها هنا بطريقةٍ بسيطةٍ وسلسة مما جعل التنقلات -التي تتمُ بداية كل فصلٍ- مفهومةً، ممتعةً ومثيرة♥️
اعجبني مستوى غموض الأحداث، وطريقة الكشف عنها تدريجًا بحقن بعض اللمحات واستعراضِ بعض الذكريات بينَّ الفينةِ والأخرى…
وكما ذكرتُ في بداية حديثي، فمحركات القصة عبارة عن أفكارٍ وهواجس عوض الأحداث التي تقودُ إلى أحداثٍ أخرى، بأختصار، هي رحلة في الذات البشرية، في شخصية معقدة التركيب على المستوى النفسي رغم بساطتها ظاهريًا، وشخصيات اخرى ربما اقلُ تعقيدًا، لكنها لا تزال متعددة الأبعاد والطبقات، حتى سناء، الطفلةُ المحبوبة المتفهمة المليئة بالطاقة، لم تكن شخصيتها بسيطةً او مسطحة، ومع كل هذا التركيب المعقد، فتشابك الشخصيات مع بعضها يزيدُ الأمورَ تعقيدًا، وهذا بكل تأكيد من إيجابيات أي عمل، فهو يقربُ الشخوص لواقعنا المركب.
لكن مشكلتي الأكبر مع العمل لم تكمن في اي مما سبق، انما هي ادناه: المحور الأساس لأيِ روايةٍ كانت هو القصة، مهما كانت بسيطةً ومباشرة، حتى لو كانت لا تتعدى حدثًا واحدًا فجر عدةَ أحداثٍ جانبية، وأثر بشكلٍ أو بآخر على مصائر أبطالنا ومسار قصتنا. ومهما تعددت الأدوات الأدبية والألاعيب السردية، الأحداث الفرعية والشخصيات الثانوية، ومهما عقد كلُ ما سبق من عموم التجربة، يبقى الأهمُ في النهاية هو القصة، والتي يكون تميزها وتفردها عادةً مدعاةً للتغاضي عن غياب بعض الأدواتِ والالاعيب السالفُ ذكرها، او حضورها بشكلٍ باهتٍ ربما، وهذهِ كانت مشكلتي الرئيسية مع هذا العمل، قصتهُ، التي لم اتمكن من التواصل معها بالشكل الكافي رغم كُلِ محاولاتي لتفهمها، ربما لو كنتُ قد قرأتها قبلَ عدةِ سنين، لكنتُ اكثر تعاطفًا وتفهمًا، لكنني الآن اكثر تقبلًا لما جرى ويجري، اكثرُ بكثير من أبطال روايتنا، وهذا ما افقدني جزءًا كبيرًا من قدرتي على التواصل معهم وتفهم مشاعرهم والتضاربات التي تعصف بهم😓
وفي النهاية، لم أفهمَ أسمَّ الرواية! ولم أستسغهُ أبدًا!! ولكن بعد بحثي عن معنى "الرجع" وجدت انَّ لهُ عدةَ دلالاتٍ تتناسب مع وصف قصتنا، وعليهِ فأنَّ أختيارَ هذا الوصف هو نقطة تحسب لصاحب العمل بكل تأكيد♥️
وعليه ولكل ما سبق، فأن تقييمي النهائي هو... ⭐️6.5/10⭐️
يكتب فؤاد سيرة الوجع، يمهد ببطء لولادة مأساة تلو مأساة في عالم يضج بالتفاصيل في رواية تحكي عن ما يحيق بالإنسان من جهل بنفسه والآخرين، يحكي فؤاد عن العائلة، عن التفاصيل عن العلاقات المتشابكة عن وجوه لا يطمرها النسيان، عن حقائق تتناسل لتنبثق في النهاية عن كارثة تؤدي بآخرين في عمياء لا ذنب لهم فيها، من المذنب ومن المجني عليه، الأحداث تدور هنا ببطء ومشقة، والقارىء يبحث في التفاصيل عن العلة والسؤال والهدف، تتحدث شخصيات وتتوارى أخرى، تختفي تحت ضجة الحياة اليومية، المجتمع العراقي في الستينيات كما لم يروه أحد من قبل، هذا التجانس الروائي الصعب في قلب سردي محكم وثقيل يهز الوجدان ويربك الضمائر ويولد الخسرة والتساؤلات التي أجدها أحيانا مزعجة للغاية، رواية تطحن الكلمات وتخدع القارئ وتضيعه بل وتمزق الأوارق السابقة كي تبدأ في أخرى، يبدو أنه لا علاج على هذه الأرض كما قال بيكيت مرة، نعم ، هناك ما يجعل من المصائر تتلف كورقة سجائر، تضيع الخطوط ويظهر الندم ولا أحد يغفر الأخطاء، لا أحد، مرصعون نحن بالذنوب التي لا نغفرها للآخرين، مدنسون بلذة الحياة القاتمة، تلك التي نسأل أنفسنا في نهاية الليل عن جدواها ، مخضبون بدماء آخرين، ما كان لهم من ذنب سوى أن القدر عصف بهم وتمادوا في الشقاء حتى وقوعوا فريسة الجنون والهذيان والغياب التام عن الحاضر، من يقدر أن يرمم نفسه بعد أن يجر أذيال الخيبة بعد الخيبة ..
رواية شيقة مرهقة، مليئة بالتفاصيل والحوارات والقلق والسوداوية والأسئلة، رواية تنبض بكل ما تحتويه الحياة من غموض وتشتت وحيرة، رواية معجونة بالألم والنسيان والخوف .. من أجمل ما كتب في الأدب العراقي ..
تدور أحداث الرواية في بغداد في الفترة الأخيرة من حكم عبد الكريم قاسم، وتنتهي بانقلاب 1963 ووصول البعثين إلى الحكم، الشخصية المركزية في الرواية هي “منيرة” البنت المثقفة المتعلمة سيئة الحظ، كانت معلمة في مدينة بعقوبة، حيث تسكن في بيت أختها إلا إنها تتعرض للاغتصاب من قبل ابن أختها المراهق الفاشل المنتمي لميليشيا الحرس القومي، بعد هذهِ الصدمة تلجئ منيرة إلى بغداد إلى عائلة خالتها (أم مدحت)، حيث يغرم بها أبني خالتها: مدحت -المتخرج من كلية الحقوق والموظف، وعبد الكريم -الطالب الجامعي الذي يعاني من صدمة عاطفية نتيجة موت صديقهِ فؤاد أمام عينه. بعد الضغوط تستسلم منيرة وتوافق على الزواج من مدحت، الذي يكتشف ليلية الدخلة أنها لم تكن عذراء، فيهجرها ليعيش حرباً نفسية بين ذاتيه، العاشقة لمنيرة والشرقية المتمسكة بفكرة الشرف، ينتصر حبهُ لها، فيقرر مسامحتها والعودة إليها، وبالطريق يقتل أثناء المواجهات التي كانت دائرة بين الشيوعين والبعثيين بعد اغتيال قاسم وسقوط الجمهورية الأولى.
استخدم التكرلي في الرواية تقنية -قد تكون جديدة في الأدب العراقي في حينها- وهي تنوع السرد القصصي، فنرى مثلاً أن الراوي في فصل هو الكاتب، ليكون في فصل ثاني أحد شخوص الرواية، وفي فصل آخر يستخدم الشخص الثالث. وهذا يؤدي إلى منع الملل لدى القارئ، كما يمنحه فرصة النظر إلى الحدث من عدة زوايا. بالإضافة إلى استخدامه اللغة الدارجة في الحوارات وهذهِ نقطة أرها لصالح الرواية حيث تمنح الشخصيات مصداقية أكثر وقرباً من الواقع.
النقطة المهمة من هي شخصيات الرواية؟ منيرة -مثلاً- هل كانت ترمز إلى ثورة تموز، أم إلى الحزب الشيوعي أم إلى العراق؟ لم تكن منيرة بلا أخطاء وبلا هفوات، وهذهِ الأخطاء هي التي أدت إلى مصيبتها..
الشخصية الأخرى هي عدنان، عدنان شاب طائش من أصل وضيع فاشل دراسياً -نموذج ممن يطلق عليهم أبناء الشوارع- اعتمد على قوتهِ بالإضافة إلى الهفوات البريئة لمنيرة، فكانت جريمته. هل كان يمثل حزب البعث؟ الحرس القومي؟ صدام حسين؟ هناك تشابهات عديدة بين الشخصيتين -خصوصاً أن التكرلي اعاد كتابة الرواية عام 1977 بعد سطوع نجم صدام..
ماذا عن باقي الشخصيات مدحت -مثلاً- هل يمثل عبد الكريم قاسم وموقفه المتناقض من الحزب الشيوعي؟
والعجوزين الثرثارتين -عمة مدحت وجدته- هل يشيران إلى بقايا الأقطاع وفلول الملكية العراقية؟
هناك أفكار عديدة تطرحها الرواية، ستجعل منها عملاً أدبياً يُقرأ ويُقرأ، ويبقى من القمم في الأدب العراقي الحديث.
رواية حزينة تحكي روتين عائلة عراقية في الستينيات. لا توجد حبكة، مجرد سرد لوقائع حياة شخصيات هذه العائلة مع حدثين بارزين او ثلاثة. الاسلوب كلاسيكي رائع، جعلني اشعر بأني اقرأ رواية روسية مترجمة. الرواية متعبة والنهاية تترك في قلبك اثراً ثقيلاً. قد تبدو بدايتها غير واضحة بسبب تداخل الشخصيات واسماءهم، لكن كل شيء يتضح لاحقاً. لم أكن اتوقع اني سأحبها بهذا القدر عندما انتهي منها.
نَصحني بِالكِتاب صَديقٌ عراقي، مرّ بالمُر السياسي الذي عقِب هذه الرواية وكان يتحدثُ عنها دائمًا -المرُ و الأمرّ- ككتاب أدبي ناطق. لولاه لَم أعرف التكرّلي.
احداث الرواية تقع في بغداد في بيتٍ مكتظٍ بساكنيه و هموهم الذي برّع الكاتب في تصويرها. بدون أن يبالغ في الحديث عن الشخصية ذاتها.
كثرة الشخصيات في البيت ضيّعتني في البداية
عائلة لطيفة. مهمومة لكنها تشبه كل العوائل في بغداد. لم يطرح فؤاد الكثير عن الوضع السياسي. ركز على العائلة أكثر. العائلة العربية كلها التي لا تريد إلا الحب، العيش او ربما لا تريد أكثر من ملئ معدتها بالطعام. ثُمّ دونَ أن تشاء أو تُقرر تغرق في بحرٍ لَم تُبحر إليه.
الرواية بشخصياتها وأحداثها وكآبتها اعجبتني. احببت العائلة كأني منها. اُحب الروايات التي تجعلني اشعر بذلك.
ازعجتني الحوارات العامية ليسَ لأنها عامية بل لأنهُ كان ينشزها بحرف او كلمة فصيحة تُخل بعاميتها -هيك و الحكي حاولت اركبها عراقي ماجت. وتكررت كثيرًا كثيرًا مخي كان يقرأ الحوار عامي عراقي ثم تصفعه كلمة فصيحة او حرف - هالحچي ميصير عيني لو هيچ لو هيچ مو تعبتنا
ربما سيفضلها البعض فصيحة كاملة لكني شعرتها تفوحُ برائحة العراق فأحببتها هكذا.
اخر فصلين كانا مملين نوعًا ما الكثير من الصفحات لحدث واحد الحدث مهم نعم وتعلم أنه سيأتي و تغيضكَ تلك الصفحات التي تقف بينكما.
جديرٌ بالذكر أن هذه الرواية قبعت في مكتبتي أكثرَ من عام، واستغرقَ البحثُ عنها أكثرَ مِن ذلك هل استحقت؟ -نعم.
رواية مغرقة في الواقعية المأساوية العراقية في زمنها ، بحق ودون مجاملة هذا هو واقعنا يتجلى في هذه الرواية الشطط في الأحكام ، ومحاكمة الضحية ، امرأة مغتصبة تعيش مأساتها لحسن نيتها ، والظلم الاجتماعي في أبهى صورة ، القراءة الأولى للتكرلي ولن تكون الأخيرة .
(الرجع البعيد الافضل في تاريخ الرواية العراقية فقد قدم لنا مشهد بهذا التنوع وبهذا الثراء. فما أن ننتهي من قراءة الفصل الأول إلا ونكون على معرفة بجميع شخصيات الرواية المدورة منها أو البسيطة. الزمن بأبعاده الثلاثة. الماضي المطمئن القدري تمثله أم مدحت. الحاضر القلق المتعب تمثله شخصية حسين والمستقبل الغامض ترسمه لنا الطفلة سناء. محلة باب الشيخ وشارع الكفاح والحواري المحيطة به مسرحاً لأحداث الرواية.
تبدأ الرواية بعودة أم مدحت بصحبة الطفلة سناء من السوق إلى البيت في محلة باب الشيخ وأثناء عودتها تلمح حسين زوج ابنتها مديحة وقد عاد لتوه من الكويت بعد غياب عامين، إنه لا يعيش مع زوجته وطفلتيه. ومن خلال الحوار بين الجدة والطفلة ـ بين جيلين مختلفين ـ تحاول الجدة تلقين موروثها من التقاليد «لا تخلين اسم الله يوكع من حلكج»… ثم يقدم التكرلي لنا بيت عبد الرزاق اسماعيل ونتبين الصعوبة والمعاناة لأهل الدار حين يهمون بالدخول إلى ذلك البيت ذي الأبواب التي تصر صريراً عالياً حين تفتح، وهناك المجاز المظلم الضيق المليء بالدبيب. إن فكرة المجاز المظلم تتردد في ثنايا الرواية حتى حسين حين يدخل الدار يذكرنا «ليش ما تخلون ضوا كهرباء/ شمعة/ بها المجاز الأكشر». وإن بعض الأحداث الدرامية تقع في مدخل الدار، لقاء عدنان بمنيرة ولقاء والد فؤاد بعبد الكريم. إن البيت ـ هنا ـ رمز للوطن العراق وثمة بيت آخر بيت العجوز عطية لا أرى فيه إلا امتداداً لبيت عبد الرزاق، إنه التواصل مع الرمز الأول ـ الحاج يتحدث عن تاريخ العراق حتى أنه يستخدم مفردات تركية وإنكليزية ـ وهناك أيضاً الخرابة في نهاية الرواية ذات الدلالة المبطنة للعراق ـ لم يقل التكرلي ذلك ـ الذي مازال خرابة مهدمة مخلوعة الأبواب لم يكتمل بناؤه لسبب أو آخر.
كيف استطاع التكرلي أن يكتب رواية شيقة وطويلة علماً أن زمن الرواية لا يتجاوز الستة أشهر ـ جاءت منيرة من بعقوبة مع بداية العطلة الصيفية وتنتهي الرواية بمصرع مدحت في شهر شباط، إن التجربة القصصية السابقة للتكرلي لم تأت دون ثمار إذ أن بناء روايته يعتمد على مجموعة قصص ولكن هذه القصص تتقاطع بشكل لا يمكن حذف أي منها، عودة حسين من الكويت، زواج منيرة من مدحت بعد أن لاذت بالفرار من بعقوبة، وقد اعتمد أسلوبين في كتابته، أسلوب السرد حيث يقتضي التدخل المباشر، وأسلوب استخدام ضمير المتكلم للتعرف على النوازع الداخلية للأبطال، إنه يبدأ من نهاية الأحداث معتمداً التلميح ـ عودة حسين من الكويت، موت فؤاد ومصرع مدحت، إنه أسلوب شيق يداهم القارئ بالحدث تاركاً إياه في نشوة الاكتشاف والفضول، وفي حالات معينة يحاول تكثيف الأحداث لتهيئة القارئ، لنأخذ على سبيل المثال المقطع العاشر حيث مدحت جالس في مقهى المربعة يستمع إلى حوار بين شخصين من شمال العراق نفهم من أحدهما أن له زوجة وله أولاد منها ولكنها هجرته إلى أحضان رجل آخر وفي نفس المقطع نلتقي بسعيد الذي له زوجة «خوش بنية مرتاح وياها»، هذه الأحداث لم تأت اعتباطاً، قصتان متناقضتان ولكنهما تتعلقان بعلاقة الرجل بالمرأة، إن مدحت لا يعلق على هذه الأحداث لأنه هو الآخر في محنة سببها امرأة.
قدم لنا فؤاد التكرلي ثلاثة نماذج للمرأة. منيرة ومديحة نموذجاً للمرأة المتعلمة، أم مدحت وعطية المرأة الطيبة المباشرة والموزعة بين دائرة البيت ومتطلبات العائلة. وهناك إشارات للمرأة التي تتعاطى البغاء ـ ماري وصديقة فؤاد التي انتهت إلى أحد البيوت المشبوهة.
منيرة
امرأة نحيلة بيضاء تنتمي إلى عائلة فقيرة وبدون تاريخ، تعمل في سلك التعليم لها أخ مصطفى ضابط في الجيش متزوج وله طفلتان، راتبها الضئيل لم يمنحها فكرة الاستقلال التام فاضطرت للعيش مع أختها مليحة في بعقوبة حيث التقت بعدنان ابن اختها الذي اغتصبها في غفلة منها في أحد بساتين بعقوبة. وكان لتلك الحادثة وقع سوداوي في حياتها دفعها للانكفاء والحزن. كانت لحد ما فرحة، فرحة قبل الحادثة وتعيش حياة عادية وتذهب للسينما ـ وتملكها يأس كبير ولكنها أفلحت بإيجاد نوع من التوازن بفلسفتها للأمور «يهمني ألا أشقى طول الوقت إذ يبدو من التعقل أن لا نأكل لحمنا، يكفيني أن ننجو من بعض الأخطار لا كلها» وتحاول إقناع نفسها «أمسك بيدي على موضع الإصابة وأخفيه فلا يعود له وجود ظاهر ويصير بالإمكان معاودة العيش السوي». إن أملاً لاح لها بالعودة إلى العيش السوي حين تعلق بها مدحت وقرر الزواج منها إلا أن الأخير لم يمنحها الفرصة فجن جنونه حين اكتشف أمرها وهجرها باليوم الثاني من زواجها تاركاً إياها فريسة للهمس المسموع. الأب عبد الرزاق برسالته الشفهية إلى ولده مدحت «ولا تزر وازرة وزر أخرى» يوحي باكتشاف سر منيرة. من المسؤول عن فشل زواج منيرة؟ هل القدر الذي جعلها ضحية لعدنان، أو مدحت لأنه لم يسمع قصتها. إن منيرة مسؤولة بالمقام الأول عن ذلك الفشل لأنها لم تملك جرأة المصارحة علماً أن كل أوراق القضية الرابحة بيدها. حاولت في النهاية أن تشرح الأمور لمدحت المختفي عنها برسالة لم تصل إلى يديه. وجاء مصرعه ليزيدها هماً على هم. وجع في الليل وحبوب منومة ووصلت إلى القناعة أن كل شيء في الحياة ممروض ومشوه.
من تحاول تقراماكتب عن هذه الروايه حتنصدم بعده افكار مفسرتها بسبب الرمزية الواسعه اللي تتحملها الرواية ، لكني ولهالمرة فقط ابعدت اي شي رمزي وقريتها مثلل مامكتوب وكان الرسالة مباشرة حياة عائلة بغدادية وشباب كل منهم حاول ان يواجه الحياة بفلسفة قسم منها شخصي والآخر كان شائع بوقتها اللهجة العامية اثرت الرواية بطريقة مميزة ولو ممكن صعبة ع غير العراقيين ان يفهموها .
هل كتب على العراق الشقاء ثورات و ثورات مضادة تأكل الأخضر و اليابس، تنثر الموت و الدمار و التفكك تعطب الذاكرة و تنقش على جدرانها انكسارات لا تجبرها الأيام الرواية تجسيد للمذهب الطبيعي في اسمى تجلياته شخوص تفرض عليها الحياة اختيارات لا يد لها فيها
ابتدأ الكاتب روايته بحوار بين الجدة وحفيدتها باللهجة البغدادية النقية التي تدغدغ مواطن اللذة والحنين في النفس .. تلك اللهجة التي لم يعد لها وجود .. شأنها شأن اثواب عرس امي التي خلقت كأيات من جمال ...فقدمتها امي قربانا في ايام العوز وذبحتها من الوريد الى الوريد لتستر اجسادنا الصغيره باجزاءها النازفة التي تأن الما وحسرة ..لقد سحقت رحى الالم كل اثر بديع في العراق..وافرغت الاتاوات جعبته من كل شئ..وابطلت تعاويذ الكراهية سحره الآسر.. ان الحياة غير منصفة مع الجمال ابدا! يغوص الكاتب في اعماق العوالم الخفية لشخصيات الرواية..الصراعات التي تدور في داخل كل منهم..فلسفته في الحياة .. الموت والفناء..مطاطية المبادئ والقيم..وقدرة كل انسان على تبرير رغباته وسلوكياته..وحداته التي يقيس الكون بواسطتها. حيث ساق الاحاديث على السنة ابطاله ببراعة لا توصف .. كان لكل منهم بحر من الكلمات يناجي بها من حوله..بلغة يتفرد بها كالبصمة..لاتشبه سواها ابدا..وهذه النقطة تدل على عبقرية الكاتب بلا شك. كان لقضايا المرأة وعذاباتها نصيب لابأس به في هذه الرواية..حيث لامس الكاتب اوجاعها الخفيه.. التي تخشى ان تبوح بها حتى لذاتها..مفهومها عن الحب،اللذة والجنس..وكيف انها في اخر الامر ليست سوى بيدق تحركه يد التقاليد حيث شاءت..وكيف ورّث الاجداد طغيانهم حتى للمتعلمين من ابناءهم..ليسأل الكاتب في النهايه: "ماذا يريدون من المرأة؟ماذا كانوا يريدون..على طول الزمان..على مدى القرون الموغلة في القدم، منذ ان تكون ذلك الحيوان الذكر..الرجل". ان الرواية لاتخلو من الرمزية..التي اعجز عن فهم مدلولاتها في كثير من الاحيان..اظن بان احداثها تقبل اكثر من تفسير حسب الزمان الذي تٌقرأ فيه..حيث دارت احداث الرواية في حقبة كان لها اثر لا يستهان به في تاريخ العراق..حسب فهمي المتواضع اظن بانه اراد ان يبين كيف ذبحت النزعة المدنية في العراق على يد الحكم العسكري الذي يمثله الجهلة والفاسدون ومنتهكو المحارم..قتلوها بتلويث نهر الحياة الذي يغذيها..قتلوها ثم كانوا اول المعزين بمقتلها.. ربما ترك الكاتب مصير بعض الشخصيات معلقا لحاجة في نفسه..حيث انهى الرواية دون ان يوجد اجابة لبعض تساؤلاتي..كذلك كان يسرف في سرد تفاصيل طقوس الوجبات التي تجمع افراد العائلة والتي تعتبر مقدسة في نظرهم الى الحد الذي يشعرني بالملل..ولقد برر اسرافه هذا في اكثر من موضع "كانوا يضجون في الخارج كعادتهم..طعاما وشرابا الى اخر العمر"..كما اذهلني تطويعه للموت كعصا سحرية توقظ حب الحياة في انفس ساكنيها..وتطرح تساؤلتهم الوجودية جانبا..وبان جميع القناعات والافكار التي يتمسك بها الانسان ويشقى من اجلها يمكن ان تنقض بكلمة..يا لعبثية الحياة!
" ان الفناء لا يفسر ، مثل الكون اللامحدود ، لا يمكن للعقل ان يقبله ، ولذلك نشأت الاديان ، ربما! اما الموت فلماذا يؤلم هكذا ؟ يؤلم الاحياء. الاانه يحمل اليهم هذا التناقض الازلي بين الموجود واللاموجود ؟؟؟!". P. 345. #Absurdism _ Existentialism .
رواية عن عراق الستينيات، اجتماعية بخلفية سياسية. معتمدة على المونولوجات التي تظهر صراع الأبطال النفسي، والحوارات التي يتناول بعضها أفكارا فلسفية وسياسية. انتقدها البعض لأن الحوار الذي يشكل أغلب الرواية مكتوب باللهجة العراقية، وإن كنت أرى ذلك أكثر واقعية وتعبيرا، وأضفى على الرواية خصوصية. . لا مشكلة لدي مع اللهجة العراقية، وأحب أسلوب تعدد الرواة الذي يتيح لنا رؤية الأمور بمنظور كل شخصية، رغم ذلك لا أحببت الرواية ولا استمتعت بأغلبها، كانت ثقيلة على قلبي وأنهيتها بعناء.
ربما لو كُتِبت في ثلث أو حتى نصف حجمها، أو لو اختصر قليلا المونولوجات الداخلية المسهبة جدا.
ربما لو حرك الحبكة بأحداث بدلا من الاعتماد التام على الحوارات المكررة والتي بدت بلا وجهة أحيانا (كحوارات الجدة والعمة والبنتين مثلا)، مع شبه توقف على مستوى الأحداث.
النقطة التالية بها حرق: تفاصيل مشهد الاغتصاب كانت حادة وقاسية، واختيار الكاتب أن يكون المجرم ابن أختها كان صادما، بالتأكيد تعمد هذا لكن المشهد عنيف نفسيا ومؤذي والفكرة منفرة جدا، حتى وإن كانت ترمز للوطن وحزب البعث.
الرواية سوداوية وجوها العام ثقيل خانق.
قد أقرأ المسرات والأوجاع وأتمنى أن تكون تجربة أفضل.
لم تُكتب تلك الرواية لتكون أنشودة جمالية، لذلك يستفزني كثيرًا حينما يُثني أحدًا على أدب التكرلي بوصفه جميلًا، لم يكتب الرجل ليكون جماليًا، بل كتب من أجل الاشتباك مع لحظة في مجتمعه، وتركها لنا لنشتبك معها بدورنا، لنتألم، لأنه من المثير للسخرية مفارقة أننا وبعد 44 عامًا من نشر الرواية، و60 عامًا من زمنها الذي نناقشه، سواء كنتم في العراق، أو كنا نحن كقراء في مصر أو غيّرها من الدول، لم نتخطى تلك المرحلة التي حاول التكرلي أن يقبض عليها، حيث جيل جديد يُمثل الإنتلجنسيا الناشئة المتعلمة ذات الأفكار والهموم الوجودية والسياسية، يواجه جيلًا قديمًا، بل مجتمع، بحمولته التاريخية ذات الأربعة عشر قرنًا من سطوة الدين الممتزج بالعُرف والقبيلة، وعجز ذلك الجيل عن حل تلك المُعضلة، وأورثها لمن خلفه، ما زالت المرأة هي المرأة كما يحددها المجتمع، ما زال الشرف والبكارة كما حددهم المجتمع والعادة، وكأن تلك القضية تجمدت في الزمن، ولم يدور ولم يتحرك، وبفعل المواجهة المريرة مع إسرائيل في الخارج والأنظمة الاستبدادية في الداخل، والكيانات الاستبدادية المتمردة على الأنظمة الاستبدادية، أصحاب الصحوة وأقرانهم، نحن في مسيرة طويلة جدًا إلى الوراء، يقبض التكرلي في روايته على المرحلة الغرامشية "القديم يحتضر، والجديد لم يُولد بعد" وفي منطقتنا، ربما لن يولد أبدًا، ولو ولد سيكون كيانًا شيطانيًّا، كما نراه في جيلنا هذا الذي اختلطت فيه الحداثة والتكنولوجيا بالعُرف لتنتج مسخًا. أما عن السياسة، فما زال العراق داميًا ومُدميًّا كعادته، في تلك القراءة الثانية، شعرت وكأن بالتكرلي يقصد في تضمينه شخصية عدنان، الجلف، الذي يغتصب خالته، وكأنه يقصد صدام حسين، ولا أدري أيصدق ظني؟ في النهاية غير مهم، لقد أُعدم صدام، وتحول بطلًا شهيدًا قديسًا، وأعطاه أعداءه ما كان ليأخذه لو ظل على قيد الحياة أبدًا. وربما غرقت في هذا الحديث الموضوعي عن الرواية، لأنني أتجنب الحديث عن أمرًا واحدًا شخصيًا، أنه بين قراءة أولى منذ أربع سنوات، وقراءة ثانية الآن، بسبب تلك الرواية، وبسببها فقط، عشت "المسرات والأوجاع". انتهى
من سراديب البيوت العراقية وخفاياها العائلية يسرد الروائي فؤاد التكرلي روايته المسماة "الرجع البعيد" متناولاً فيها طبيعة العلاقات الأُسرية ويومياتها ونتائج الأعراف والتقاليد والظروف السياسية على الفرد العراقي في ستينيات القرن الماضي، تقرأ صفحاتها وكأنك تسمع لأحدهم يحكي روتين ممل من مشاكل العائلة العراقية من: البنت التي يتركها زوجها مع بنتين في بيت والدها، فتبقى معلقة، والأخوين الذان يعشقان بنت خالتهما التي تهرب من بيت أختها نتيجة مضيقات بن أختها، وعلاقة العمة العانس والجدة اللتان كل همهما الطعام! في إنتظار الفناء، إضافة إلى زوج البنت الذي يطُرد من عمله نتيجة ظروف سياسية بحتة، فيبقى عالة ينهي أيامه في شرب الخمر، ويتداخل في جوء الرواية الأفكار التي تسيطر على أبناء الجيل آنذاك، كالعدمية والتشاؤمية، إضافة إلى ظلم العادات والتقاليد المتوارثة على المرأة، وطبيعة تغيير ظروف بعض أبناء البلد نتيجة ثورة ١٤ تموز من خلال شخصية والد أبن أخت المعشوقة من قبل الأخوين، رواية رتيبة وكما منوه عنها كاتبها بأن لا ضرر منها ولا فائدة، مجرد حكاية عائلة عراقية في مكان ما، وفي زمان ما، كأي عائلة أخرى من الممكن أن تصلح حياتهم كرواية تجسد فترة زمنية محددة تكشف لنا طبيعة المجتمع آنذاك.
للأدب العراقي مكان مميز وسط الأدب العربي، وللتكرلي مكانة خاصة في الأدب العربي. عمل رصين ومميز للغاية يحكي فيه التكرلي حياة عائلة بالكامل، ويسلط عن طريقها الضوء على البؤس الأنساني عموما، نرى تفسخ الأنسان وتحلله نفسيا، انكساره وتداعيه وهروبه من الواقع، يكتب التكرلي الهاربين من الواقع والمطحونين به. اسلوب السرد مميز للغاية، تعدد للرواة و استخدام للفلاش باك ولغة مميزة تليق بروائي من الدرجة الأولى. كالعادة التكرلي رائع في وصف النفس البشرية بكل أحلامها وطموحاتها وانكسارها وجنونها، مبدع في رسم الأنهيارات والمخاوف ومقاومتها والاستسلام لها. عمل جميل خصوصا لمن يستطيع قراءة العامية العراقية بسهولة.
رواية عظيمة جدًا! تأخذك في رحلة إلى حواري و عائلات بغداد ١٩٦٠ بكل جمال تلك الأيام و مصاعبها. الشخصيات ذكية و واقعية جدًا و نهاية صعبة، ستعيش الرواية و الأحداث من وجهة نظر أكثر من شخصية و ستكبر و تشيخ و تعيش مأساة المرأة في المجتمعات العربية و تعيش الطفولة الجميلة و اليأس و حتماً ستصبح شخصاً أذكى عاطفياً بعد انهاء هذا العمل الرائع. سيفتح عينيك على أسئلة عميقة جدًا قد تدفعك لقراءة المزيد كي تتعمق و تبحث عم اجوبة لها و هذا من أكثر الاشياء الايجابية في اي كتاب.
لم يذكر عناوين كتب و لا أفلام و لم أحب هذا.
يستحق القراءة و هو من أفضل الأعمال العربية التي يمكن أن تقرأها برأيي.
في كهوف العائلة العراقية و سراديبها ، يسرد الأديب فؤاد التكرلي نسيج المجتمع العراقي إبان فترة الستينات من القرن المنصرم و بالتحديد ما قبل انقلاب ٨ شباط و الإطاحة بالزعيم الفريق عبد الكريم قاسم . اُسلوب الرواية بطيئ و يُخنق القارئ من نغمة السردية الخفيفة الايقاع .الرواية مصنفة ضمن اعظم الاعمال الأدبية للروايات العربية في القرن المنصرم .
عائلة بغدادية تدور رحى الرواية في قلبها ، حوارات باللهجة العامية العراقية . رزاق ابو مدحت متزوج من نورية أم مدحت ، لدية ولدان و ابنه ، مدحت و مديحة و عبد الكريم ، ومديحة متزوجة من حسين و لديها بنتين سها و سناء . العلاقة الزوجية ما بين مديحة و حسين يشوبها الفتور و الإشكاليات ، و أسباب الفتور و الإشكاليات يوردها الكاتب بمنتصف روايته . و مديحة و بناتها تقطن منزل والدها ابو مدحت بعيداً عن زوجها حسين الذي طرد من عمله في الكويت بسبب الأوضاع السياسية ما بين العراق و الكويت ، حيث طالب الزعيم عبدالكريم قاسم ، إبان فترة حكمه البالغة الخمس سنوات ، بضم دولة الكويت الى العراق و عدم الاعتراف بها كدولة مستقلة ،على اثرها نشبت خلافات مابين الدولتين الجارتين.
يعمل مدحت موظف حكومي في دائرة الطابو ، و أخيه الأصغر سناً عبدالكريم طالب جامعي على أبواب الامتحانات و مصاب بمرض عضال ( لم يُبين المؤلف نوع المرض ) . يعاني عبدالكريم من أزمة نفسيه ألمت وجدانه بسبب حادث مروري مات من اثره صديقه المقرب فؤاد .و يسكن في بيت ابو مدحت الجدة أم حسن و العمة العانس اخت ابو مدحت ، و هؤلاء لا شغل لهم سوى الاكل بشراهة و النهم ، و طلب المزيد من الغذاء و الطعام .
اوردت أسامي العائلة و تصنيفهم بسبب اُسلوب الكاتب الذي يحاول اخفاء الأسماء وإظهارها لاحقاً، كنوع من التشويقو الغموض و الحرفية. للشق الثاني في العائلة يكمن في بعقوبة ، منيرة و مليحة بنات أخت أم مدحت ، مليحة متزوجة و هي صغيرة و لديها ستة أبناء ، اما منيرة فهي صبية جميلة جذابة تعمل بمهنة التدريس و تكافح في نقل وظيفتها التدريسية من محافظة ديالى الى بغداد. الاخوان البغداديان مدحت و عبدالكريم يرومان ابنة الخالة منيرة ، يقع شقاق بين الأخوين على الظفر بالقريبة منيرة ، شقيقها مصطفى الساكن في كركوك و متزوج من بلقيس و لديه ولدين هما احمد و سامان.
كم هائل من الشخصيات العائلية و تشابك القربى و عددهم قد لا يقلل من احترافية المؤلف بقدر ما يجعل القارئ في دوامة الأسامي و درجة القربى ، و الحوارات العامية البغدادية صعبة الفهم لغير العراقيين .
كيف لا تغير هذه الرواية قسمات الوجه وملامح العين ؟ كيف يريد التكرلي لها ان تكون صفحات تقرأ ثم ترمى بعيدا وتُنسى ؟! كيف ترمي شيئا كهذا ؟ شيئا يحمل هذا الرعب البشري بأكمله
" انا ضائعة بين تعاسات وقذارات يجب ألا تُعلن . ولست أشكو ، وأفضل ما أقوله لنفسي : إن ما تبقى مني كان يمكن أن يُدمّر أيضا . وهكذا تعلمت خلال وقت قصير جدا ان افكر بما تبقى لي ، ولذلك شطبت على بعض العناوين الكبيرة في حياتي وبدأت أجرجر أطرافي المهشّمة كي ألحق بذيل القافلة وأمكث هناك بين مثلومي النفس ومطعوني القلب . يمكن ان تعيش دون كبرياء او مجد "
بغداد في ستينيات القرن الماضي ، تفتح لك باب احد بيوتها ، ترى معيشتهم ، هموم حياتهم ، وبوح نفس لا يقال يُثقل المكان ، وامنيات عجلى تُزفر مع التنهدات ، لكن احذر وانت تلج هذا البيت .. اي بيوت بغداد ليست ثكلى ؟ ليست مشروع موت مؤجل ! كيف يفر انسان من قدره ؟ بل لعل السؤال الاصح : كيف لا يفر الانسان من قيد ألجمه اياه مجتمعه ، وهو اذ يلعن مجتمعه يلعن ذاته ، فقد اصبح مثلهم رغم كراهيته اياهم .
" كنت شبحا فاجأه ضوء النهار ، لا احب وحدتي لكنها ملجئي الاخير ، لاني كنت مطاردة من الجميع . كانوا يسألون سؤالا واحدا تلبّسهم ولوّن هيئاتهم بلونه . لماذا لا أجيب بالايجاب ، لا انخرط في سلك السبحة ، لا انزل الى ساحتهم البشرية السوية . لا أوافق بسرعة وأحيا معهم ؟ "
سأخبئ هذه الرواية بعيدا عن الاعين والقلب فما بها من خوف لا يلائم قلبا متقدا شوقا الى الحياة والجرح الذي تظن انك دفنته .. عدت لتلمسه بيدك !
" لم يبق عليها من اثر مواجهتها الاولى لقسوة الحياة ، غير هذه المسحة من الاسى التي لا تخطئها العين والتي تكسو وجهها بشكل غامض "
مدحت ، منيره ، كرومي ، مديحة ، حسين ، سناوي .. عشت طويلا مع هؤلاء المعذبين . ولن أنساهم ابدا .. كلما هطل المطر وداعبت انفي رائحى الشتاء .. كلما رأيت وجها بشريا فائق الجمال يحمل موته في وجهه !
ما بين 12-2019 و 12-2020 اشياء كثيرة تغيرت .. وهذه الرواية بقيت .
رواية الكاتب العراقي فؤاد التكرلي الرجع البعيد تعد من ضمن افضل مائة رواية عربية بحسب بعض الاحصائيات.وهي رواية من واقع المجتمع العراقي في فترة حكم عبدالكريم قاسم كتبت باللهجة العامية العراقيةالصرفة بحيث يصعب على اللبناني اوالمغربي مثلا فهمها. يمتاز التكرلي باسلوبه الروائي الخاص به متاثرا بالرواية الروسية تاثرا واضحا ويظهر ذلك مليا من خلال السرد البطيئ والرتم القصصي المفصل الذي يصل الى حد الملل احيانا. ارى ان واقع الرواية الحديثة يمتاز باسلوب مغاير واعتقد لو قورن ما يكتبه الآن شبابنابما كتبه التكرلي في رواياته لصنفت رواية التكرلي خارج السرب المئوي.