تستهويني تلك الروايات القادمة من المنفى والغربة .. خصوصاً إذا كانت ترتبط بسيرة إمرأة قادمة من بيئة عربية مغلقة ومتحفظة على نفسها كثيراً , لذلك وجدت هذا النص يأخذني إلى حيث أشتهي .. ويتنقل بيّ مع "سلمى" في شوارع إكستر , حيث تمتلئ رئتاي بهواء أوروبا وتتغلغل في ذاكرتي مشاهد واجهات المحال الموزعة على الرصيف ووجوة العابرين من فوقه . الرواية معجونة بلغة لذيذة وذات رونق موسيقي عالي .. رشيقة في التعابير وفخمة في تراكيب الألفاظ , وهو ما أحببته فيها , كذلك تزدحم الرواية بوجوة الشخصيات التي لا تتوقف عن الحضور مع التقدم في قراءة الرواية .. والجميل أن لكل شخصية نفسيتها وطباعها وربما حكايتها الخاصة .
لا أعرف كيف أحدد شعوري تجاة الطريقة التي صيغت بها الرواية .. حيث تندمج أحداث الماضي بالحاضر من دون فواصل مُعلنه وصريحه , الأمر الذي يتطلب منك التركيز الشديد وحضور الذهن لتعيد بنفسك ربط الأحداث وترتيبها , في البداية إستثقلت هذا الموضوع , لكنني بعدما إنخرطت أكثر في فصول الرواية وجدتنيّ أحب تلك الطريقة , فهي تعطيك مجالاً للمقارنة بين "سلمى" القديمة .. و"سلمى" الجديدة/المكسورة من الداخل , والتي تريد أن تظهر دوماً بمظهر إمرأة إنجليزية عصّرية .
المشاهد المؤثرة والفاتنة كثيرة في الرواية ولا تتوقف عن الحضور وهو الأمر الذي وجدته جميلاً في هذا النص .. فقد وجدت شيئاً من الألم في مشهد الولادة داخل متاهات السجن , وكذلك رحلة الهرب مع "خيرية" للخلاص من الموت المحتم . كذلك وجدت شيئاً من الفتنة في لقاء "سلمى" بـ "جيم" .. والحوار الذي دار بينهما في البار , حتى إنتهى بعد ذلك بإيصاله لها إلى بيتها ودعوتها له للدخول وتناول شاي المرمية وما إنتهت عليه تلك الليلة حتى صباح اليوم القادم , ومن ثم ما شعرت به تجاه تلك الليلة وتجاه "جيم" بالذات بعدما إستيقظت في ذاك الصباح .
شعرت وأنا أُقَلب صفحات هذة الرواية أنني أشهد فيلماً سينمائياً لذيذاً .. ربما لتوارد المشاهد المنفصلة/المتصلة ببعضها البعض , وحضورها بإستمرار دون لحظة توقف أو إستشعار للوقت . الأمر الذي أضفى متعة حقيقة طغت على النص , بجانب حضور النص بسياق ولغة جذابة ولطيفة .
قد يظن البعض أن النص يتوقف عند خطيئة "الزنا" التي إرتبكتها "سلمى" إلا أنه في الحقيقة لا يسلط الضوء كثيراً على هذا الموضوع .. بل هو يتجاوز هذا الموضوع إلى مناطق عديدة من حياة "سلمى" , فهو يخبرنا عن تجربتها في التأقلم مع بيئة غريبة وعادات جديدة , و مدى تكيفها مع ضميرها الذي يعذبها على الدوام , ويرسلنا في ذاكرتها ليستعرض لنا من ذكريات الماضي الكثير , الحلو منها والمُرّ , كذلك يلقي ظلاله على كل شعور جديد تتلقاه "سلمى" في الغربة .. ويمنحنا نظرة عامة على كل الشخصيات المحيطة بها والمؤثرة على سير حياتها اليومي .
ايضاً من المشاهد ذات التأثير العالي في النص .. الأيام التي قضتها في الدير في بيروت , ومن ثم رحلتها إلى قبرص , والأشخاص الذين إلتقتهم في طريق رحلتها الطويلة وصولاً إلى "بريطانيا العظمى" , وما كان يأتي من أحداث ومشاعر تتخلل وصولها إلى أي مكان جديد .
تركيبة الشخصيات المحيطة بـ "سلمى" مُثيرة جداً , ومن الصعب حصر مدى تأثيرها على سير الأحداث , فتداخل وجودها في حياة "سلمى" يلقي على الرواية بعداً آخر من التشويق والحس الدرامي اللذيذ .. فـ "ليز" و "آلن" و "جون" و "جيم" و "ماكس" و "بارفين" وشخصيات أخرى كثيرة , كل واحدة من هذة الشخصيات متفردة بتركيبة داخلية عجيبة , ولها في حياتها من الماضي والحاضر أحداث عدة مشوقة .
التسارع العجيب في الأحداث الذي حصل في الفصل الأخير كان مثيراً , أما النهاية فكانت درامية ومؤلمة ودامية .. والطريقة التي صورت بها كانت مفزعة وكئيبة وقاتلة . حيث مشهد العودة , ثم الفجيعة , ثم اللون الأحمر القاني المتناثر في كل أرجاء المكان .