وُلِدت د. نفوسة في الإسكندرية في 3 نوفمبر 1921 وفي عام 1946 نالت درجة الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلّيّة الآداب- جامعة الإسكندرية بتقدير ممتاز لتكون أوّل معيدة بالقسم وبالكلية وفي عام 1953 نالت درجة الماجستير بمرتبة الشرف الأولى، وكان موضوع الرسالة «البارودي حياته وشعره»، وظلّ هذا البحث مخطوطاً قرابة أربعين عاماً حتى نشرته مؤسَّسة البابطين عام 1992 وفي عام 1959 نالت درجة الدكتوراة مع مرتبة الشرف الأولى عن رسالتها "تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر"، ونُشِرَت الرسالة عام 1964 درّستْ في كلّيّة الآداب- جامعة الكويت، وفي السعودية في كلّيّة البنات في الرياض وفي الدمام، وكانت أوّل عميدة لكلّـيّة البنـات في القصــيم من مؤلَّفاتها الأخرى إلى جانب رسالتيْها للماجستير والدكتوراة وكلتاهما بإشراف د. محمد محمد حسين: كتاب "عبد الله النديم بين الفصحى والعامية" (الدار القومية للطباعة والنشر 1966) والذي قالت عنه أنه "استدراك ما فاتني ذكره في كتاب تاريخ الدعوة إلى العامية عن دور عبد الله النديم في المعارك التي خاضتها العربية الفصحى في عصره ومنها معركتها مع العامية" ووقوفه بجانب الفصحى رغم سعة معرفته بالعامية وكثرة تجاربه في استخدامها والشهرة التي نالها عن طريقها كتاب "خرافات لافونتين في الأدب العربي" الذي أعادت الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعه عام 2014 بحث "الفصحى واللهجات العامية وأثرها في قومية الثقافة ومحليتها" الذي أعدّته بتكليف من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية، وقُدِّم لمؤتمر الوحدة والتنوع في الثقافة العربية المعاصرة سنة 1971 وقد توفيت د. نفوسة في 18 أكتوبر 1989 عن عمر يناهز الثامنة والستين
يقول فارس اللغة محمود محمد شاكر في كتابه "أباطيل وأسمار" عن كتاب "تاريخ الدعوة إلى العامية":
(هذا الكتاب النفيس من تأليف الدكتورة نفوسة زكريا سعيد المدرسة بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والجهد المبذول في جمع مادة هذا الكتاب، جهد يدل على التجرد الصحيح السليم في طلب المعرفة، وعلى الصدق في السعي إلى الحقيقة، وعلى النفاذ في إدراك الحقائق، وعلى الصبر في معاناة التنقيب بلا كلل ولا ملل. ولا أظنني قرأت منذ سنوات طوال كتابًا يتناول المسائل العامة في حياتنا الحديثة، بل بذل فيه صاحبه من الوقت والجهد والأناة، ما بذلت الدكتورة نفوسة في كتابها، ولا أظنني قرأت أيضًا في هذا الدهر كتابًا، ينبغي لكل عربي وكل مسلم أن يقرأه من ألفه إلى يائه، يضارع هذا الكتاب، وحسبها أنها استطاعت أن تجلو صورة صحيحة صادقة مؤيدة بالأسانيد، بلا تزيّد ولا كذب ولا ادّعاء، عن أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي، وهي معركة البناء أو الهدم، معركة الحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة هي الفصحى، أو تفرّق العرب و المسلمين أشتاتًا بلغات متنابذة هي العامية، ولو كان لي الأمر لأمرت أن يُطبع هذا الكتاب ليكون في يد كل شاب وشابة وكل رجل وامرأة، ويكون له مختصر ميسّر لكل من مكنه الله من القراءة)
كتاب مهم يلقي الضوء على هجمات المستشرقين وأذنابهم من بني جلدتنا على اللغة العربية رميها بالعقم وأنها سبب تخلف العرب وتأخرهم،واختلافها عن العامية التي يتحدث بها الناس ،تناولت حجج القائلين بهذه الدعوة الخبيثة وكتبهم. التي ألفوها في هذا الباب وكذلك تأثر بعض الكتاب بهم حتى تسربت إلى القصة والشعر و المسرحية ،وفشل هذه الدعوة وإنتصار الفصحى وبقاءها متألقة في الكتابة والقصة والحديث،وتناولت مواضيع أخرى.
خرجت بفائدة أن الله حفظ هذه اللغة بحفظه،ولو كامت لغة أخرى تعرضت لكل هذا الهجوم والجفاء من أهلها لأندثرت واختفت معالمها.
مقتطفات من الكتاب ========== دعوة الأوربيين إلى اتخاذ العامية بديلا عن الفصحى كانت تهدف في صراحة إلى القضاء على العربية الفصحى وإحلال العامية محلها، أما أولئك المصريون فكانوا يهدفون –كما اتضح لي من دراسة اثارهم المدونة بالعامية- إلى تثقيف العامة والترفيه عنهم على أن تظل للفصحى مكانتها في الميدان الأدبي. ***** لغة الأدب أو الفصحى هي اللغة التي تستخدم في تدوين الشعر والنثر والإنتاج الفكري عامة ، أما لغة الحديث أو العامية فهي اللغة التي تستخدم فى الشئون العادية ويجري بها الحديث اليومى. والأولى تخضع لقوانين تضبطها وتحكم عباراتها ، والثانية لا تخضع لمثل هذه القوانين لأنها تلقائية متغيرة تتغير تبعا لتغير الأجيال وتغير الظروف المحيطة بهم ، ووجود العامية بجانب الفصحى على ما بينهما من اختلاف ، ظاهرة طبيعية في كل اللغات. ***** اهتم الأجانب بدراسة اللهجات العربية العامية منذ القرن التاسع عشر وكان لهذا الإهتمام مظاهره في : 1- إدخالهم تدريس اللهجات العامية في مدارسهم وجامعاتهم. 2- إهتمامهم بالتأليف في اللهجات العامية. فهذا الإهتمام لم يكن من أجل البحث العلمي كما يزعمون ، ولا من أجل حاجتهم إلى معرفة لهجات البلاد العربية التي تقتضي مصالحهم أن يعيشوا فيها ويتعاملوا مع أهلها ، وإنما من أجل القضاء على العربية الفصحى وإحلال العامية محلها. ***** إنّ الناس إن اتخذوا العامية ، أصبحت لغة الطقوس الدينية لغة مجهولة وأصبح ترديد الناس لها ترديداً اليا ، مما يدعوهم بعد قليل إلى الإنصراف عنها كما انصرف المسيحيون في مصر عن تلاوة صلواتهم باللغة القبطية. ***** قام علماء اللغات بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام: 1- لغات أحادية المقاطع: وهي خالية من حروف المعاني وعدد كلماتها أقل من غيرها ولا تتغير صيغتها ولا تدل على النوع أو الكيفية أو العدد أو الزمن أو النسب، بل كل ذلك يفهم من تكييف الصوت بهذه المقاطع فى المنطوق ومن مكان الكلمة من الجملة في المسطور. ومن هذا القسم اللغة الصينية وعدد كلماتها 500 إلا أن لها 1500 نطق لا يدركها إلا حذق الأذن للتعبير عما يخاطر أهلها ، وقد يعبر عن المعنى الواحد بمجموع كلمات تحفظ كل كلمة في هذا المجموع معناها كأن يعبر عن الأسرة بكلمتي أب وأم معا، وبحسب ما يكون من نطق هاتين الكلمتين ووضعهما تؤخذ النسب التي يطلبها المعنى.
2- اللغات المزجية: وهي لغات فيها النسب التي تقتضيها المعاني ، تكون بضم كلمات إلى الكلمات التي يراد تعلق النسب بها بحيث تحفظ كل كلمة معناها وصورتها الأصليتين ، ففى هذه اللغة يعبر عن المعنى الذى يعبر عنه بكلمة واحدة بسطر طويل من كلمات مرصوصة ، ومن هذا القسم اللغة اليابانية.
3- اللغات الإشتقاقية: وهى لغات تتغير صور كلماتها بالتصريف ولكن مادة الكلمة تبقى قى جميع الصور حافظة لمعناها ، وما طرأ على الصور من التغيير يعين النسب المختلفة في الزمن والعدد والكيفية والنوع. وللغات هذا القسم حروف معان تربط الألفاظ والتراكيب بعضها ببعض ، ومن لغات هذا القسم اللغات الأوروبية واللغة العربية . ومنها لغات هجر استعمال بعضها كاللاتينى واليونانى فسمى ميتاً ، ومنها ما هو مستعمل ويسمى بالحى كالعربية والإنجليزية والألمانية والفرنسية . ومنها ما هو أصلى كالعربية والألمانية والروسية ، ومنها ما هو ملقق مستحدث كالفرنسية والإنجليزية. ***** اللغة هي ترجمان الأفكار، فكلما ارتفعت الأفكار واتسعت دائرتها اتسعت اللغة وارتفعت بارتفاع الأفكار، فاللغة فى طوع المدارك العقلية وليست المدارك العقلية في طوع اللغة ***** لا يجوز قياس العربية على اللاتينية ، لأن الفرق بين اللاتينية وفروعها أبعد كثيرا من الفرق بين العربية الفصحى وفروعها العامية. فالعامى الإنجليزى أو الفرنسى مثلا ينظر إلى اللاتينية نظره إلى لغة غريبة لأنه لا يفهم منها شيئا ، أما العامى العربى فإنه يفهم اللغة العربية الفصحى وإذا فاته فهم بعض الألفاظ فإن المعنى الإجمالى يندر أن يفوته منه شىء ، ولأن الظروف التاريخية والسياسية التى مرت بها اللاتينية غير تلك التى مرت بها العربية ***** (مقال لمصطفى صادق الرافعى بعنوان "تمصير اللغة") ============================== 1- أن شيوع هذه الفكرة فى كل أمة لها عربية وأخذ أهلها مأخذنا فى عاميتها يؤدى إلى انقراض الفصحى ومحوها.
2- أن قاعدة التسامح فى استعمال المفردات والتراكيب العامية ستتسع فى الأجيال المستقبلة إلى درجة تصير فيها الفصحى فى كتابها الكريم ضربا من اللغات الأثرية. ويشبه الكاتب قاعدة التسامح اللغوى هذه بالقاعدة الإستعمارية التى تبتدىء بالتسامح للمستعمرين والغزاة فى أخذ الشئ القليل ، ثم تنتهى بالتسامح فى كل شئ قل أو كثر.
3- أن فكرة إحياء العربية باستعمال العامية تتعارض مع ما سنته لغة القرآن من تقييد اللهجات بها ، ومحو لغات العرب جميعها على فصاحتها وقوة الفطرة فى أهلها وردها إلى لغة واحدة هى اللغة القرشية . فكيف نعمل نحن على تمزيق هذه الوحدة اللغوية التى استطاعت أن تؤلف بين قلوب العرب على دين واحد. وكيف نرضى باستعمال لهجاتنا العامية التى تأبى أن تتقيد بشئ ، وهى أبدا دائمة التغير حتى صارت فى بعض قرى مصر كأنها مالطية "متمصرة" وصار بعض هذه القرى لا يفهم عن بعض كما ترى بين أقصى الدلتا وأقصى الصعيد.
4- أن هذه العامية التى يقولون بإقحام مفرداتها وتراكيبها فى الفصيح لا تصلح فى تراكيبها وصيغها للكتابة ما لم "تفصح" على وجه من الوجوه ، وهى بعد لا وزن لها فى كل ما ابتعدت به عن الفصيح إلا فى عبارات قليلة مما يكون أكبر حسنه أنه أخرج على نسق معروف فى البلاغة العربية: كضرب المجاز والكناية وما إلى ذلك ، فإذا هى نافرت الفصيح لفظا أو نسقا فلست واجدا فيها إلا أطلالا من كلمات عربية يأباها من يعرفها صحيحة ماثلة ، ويعدها من النقص من يقيمها سوية كاملة ، وكيفما أدرتها لا تعرف لها إلا رقة الشأن وسقوط المنزلة بإزاء أصلها الفصيح الذى خرجت منه ولاتزال فيها مادته. فما اختلافنا فى لغة هى فى طبيعتها اللغوية تأبى أن تكون أصلا وأن تعد لغة ، ومهما جهدت بها لا تتحول إلا إلى أصلها المعروف المتميز ، فإذا أريدت على غير ذلك التاثت واضطربت وفرت إلى الأسواق والسبل.
5- أن الدعوة إلى تمصير اللغة نوع من أنواع العصبية الوطنية الممقوتة التى محاها الإسلام ، ولا سبيل إلى تحقيقها واعتبار هذه المصرية أصلا لغويا مجمعا عليه إلا بتمصير الدين الإسلامي الذي تقوم عليه هذه العربية. =======إنتهى المقال===== ***** ونحن لا نعترض على دراسة العامية إذا كانت هذه الدراسة بدافع من الرغبة فى المعرفة ، ولا نشك في أهداف كل من تصدى لدراستها إستجابة لإقتراح أجنبى ، وإنما نريد فقط أن ننبه إلى سوء نوايا المقترحين الأجانب ، الذين اعتقدوا أن توسيع نطاق البحث العلمى فى العامية سيضفى عليها أهمية قد تؤهلها لإحتلال الميدان الأدبى فى المستقبل. ***** وهنا يجدر بنا أن نقف قليلا لنبين حقيقة بعض المسائل التى أثارتها المؤلفات التى تناولت دراسة خصائص العامية :- إن القول بتصحيح العامية حتى تصير لنا لهجة نكتب بها ونتكلم كما قال سليمان محمد سليمان فى كتابه "العامية فى ثياب الفصحى" قول لا يمكن تحقيقه . لأن العامية لغة الكلام ، لغة فجائية انفعالية والإنفعال لا يتيسر له وقت لكى يعمل الروية فى دقة التعبير ، بعكس لغة الكتابة ، لغة الفكر المطبوع على الدقة فى التعبير ، فإن لديها من الوقت ما يتيح لها أن تبحث فى صلة الكلمات بعضها ببعض وصلة الجمل بعضها ببعض والبحث عن الروابط والعلاقات النحوية بينها . هذا إلى ما أشرت إليه من قبل من أن الإختلاف بين لغة الكلام ولغة الكتابة ظاهرة فى كل اللغات على تفاوتها فى مقدار هذا الإختلاف ، وليس مشكلة العربية وحدها كما يخيل إلى من يزعمونه . وحقيقة الأمر فى ذ��ك هو أن قرب لغة الكلام من لغة الكتابة مظهر من مظاهر رقى الأمة ونهضتها ، ولكن هذا التقارب لا يأتى عن طريق تلك الوسائل الصناعية التى تقول بتصحيح العامية –كما يقول محب الدين الخطيب فى نقده لبحث محمد فريد أبو حديد "موقف اللغة العربية العامية من اللغة العربية الفصحى"- وإنما يأتى عن طريق نشر التعليم وتعميمه. ***** أثر الدعوة فى الدراسات التى تناولت العربية الفصحى لقد اتهمها دعاة العامية بأنها صعبة وأرجعوا هذه الصعوبة إلى نحوها وحروفها ، واتهموها بالجمود وقالوا إنها لا تستطيع أن تساير الحضارة الحديثة. فكان من جراء هذه الإتهامات أن اتجه الباحثون إلى الفصحى يحاولون تيسيرها وتبسيطها وإمدادها بما تتطلبه الحضارة الحديثة من كلمات ومصطلحات فى مختلف ميادينها. وقد صرح الباحثون أن هدفهم من هذه الدراسات هو خدمة الفصحى ، ولكن بعضهم جاوزوا حدود التيسير والإصلاح فخرجوا عن أوضاع العربية وسننها وشوهوا صورتها وسلبوها طابعها المميز لها. فلننظر الآن موقف هؤلاء الباحثين على اختلاف وسائلهم فى الإصلاح والهدم ، وذلك فى قواعد العربية ، وحروفها ، ومادتها.
تيسير النحو : أما النحو فقد انقسم الباحثون إزاء تيسيره إلى فريقين : (الفريق الأول). فريق رأى أن النحو لا عيب فيه ولا صعوبة ، وإنما العيب فى طريقة تدريسه وفى طريقة تبويبه وفى طريقتنا التربوية فى تعليم اللغة العربية بعامة والنحو بخاصة. وقد حرص هذا الفريق على ألا يمس جوهر النحو فى المحاولات التى قام بها أو اقترحها لتيسير النحو وتذليل صعوباته.
ملخص آراء الفريق الأول: > رأي يرجع صعوبة النحو إلى ما يزحمه من تفاصيل وما يخوض فيه من بحث فى العلل وتخريج لأوجه الإختلاف. ويحاول تذليل هذه الصعوبة بتلخيص النحو والإقتصار على الضرورى منه الذى يكفى لإقامة الكلام >>رأى يعتبر إهمال البحث فى علل القواعد وأسبابها بغية الإختصار هو الذى أفقد دروس النحو عنصر التشويق وجعلها جافة بغيضة ، ويطالب بإعادة النظر فى المؤلفات النحوية بحيث نذكر علل القواعد وأسبابها .ويرجع صعوبة النحو أيضا إلى فساد أساليبنا التربوية فى تكوين ملكة اللغة العربية ، ويقترح تعديل هذه الأساليب بالاعتماد على الحفظ والتلقين وتكرار سماع الفصيح.. >>>رأي يرجع صعوبة النحو إلى فساد تبويبه . ويحاول تذليل هذه الصعوبة بتبويب النحو من جديد .
(الفريق الثانى) أما الفريق الثانى فقد رأى أن العيب والصعوبة فى النحو نفسه ، وأنه يجب لتذليل صعوبته أن نغير ونبدل فى قواعده. ونسى هذا الفريق أو تجاهل مصير لغة القرآن والحديث والتراث العربى كله بمختلف علومه وفنونه ، وكيف يكون موقفنا منها وهى قائمة على النحو الذى عيبت قواعده وعولجت بالبتر. احتال نفر منه للخروج من هذا المأزق لكنه أفتى بحلول خاطئة. وتتلخص آراء هذا الفريق على اختلاف معاولها فى الهدم فى: 1- ألغاء الإعراب بتسكين أواخر الكلمات (وهو رأى قاسم أمين ومؤيديه مثل سلامه موسى وأنيس فريحه). 2- إيثار كل لهجة عربية توافق العامية.(سلامة موسى) 3- حذف بعض قواعد النحو أو تعديلها على غير الطريق الذى نهجته منذ مئات السنين(حسن الشريف) >كحذف موانع الصرف. >جعل العدد من جنس المعدود. >إبقاء المفعول به منصوبا فى حالة بناء الفعل للمجهول والاكتفاء بقلب الفعل فنكتب (قتل عليا). > إلغاء صيغ جموع التكسير فى الأسماء التى يجوز جمعها جمعا مذكرا سالما وجمع تكسير والاكتفاء بصيغة جمع المذكر السالم ، فنجمع (كافر) على (كافرون) ونلغى (كفار وكفرة وكوافر). أما الأسماء التى لا تجمع جمعا مذكرا سالما فنبقى لها صيغة واحدة من صيغ جموع التكسير ، فنجمع (زهر) على (أزهار) ونلغى (أزاهر وأزاهير وزهور)
هذا الإقتراح الجديد الذى اندفع إليه الباحث لحل المشكلة التى أثارتها تعديلاته تجاه لغة القرآن هو تضحية بالقرآن نفسه . فهو يريد أن يباعد بيننا وبين القرآن ويحرمنا من تلك النعمة التى خصنا الله بها ، وهى معرفتنا للغته والقواعد التى تقوم عليه . وفرق بين قراءتنا للقرآن بأنفسنا وتدبرنا معانيه تجاوبنا معها والتجائنا إلى فقهائنا لتوضيح ما التبس علينا فهمه مما يرجع غالبا إلى علو الأسلوب ، وبين اعتمادنا اعتمادا كليا على الفقهاء فى معرفة القرآن.
وللرد على أصحاب هذه الآراء الهدامة فى تيسير قواعد اللغة العربية لابد لنا من ذكر الحقائق الآتية :
1- القواعد هى قوانين تأليف الكلام . وتأليف الكلام فى كل لغة يجرى على نظام خاص بها ، لا تكون العبارات مفهومة ولا مصورة لما يراد حتى تجرى عليه ولا تزيغ عنه . فكل لغة لابد لها من قواعد تظبطها وتنظم أساليبها ، حتى العامية التى يقولون بإحلالها محل العربية فرارا من صعوبة قواعدها وجدوا أن صلاحيتها للإستعمال الكتابى تتوقف على ضبطها ووضع قواعد تنظم أساليبها ، فألفوا كما مر بنا كتبا ضخمة فى قواعد العامية وأخرجونا بذلك من قواعد إلى قواعد.
2- فى قواعد أرقى اللغات الأوروبية صعوبات وشواذ لا تقل عما يعددونه من صعوبات فى قواعد اللغة العربية
3- إذا بحثنا فى مصدر الشكوى من صعوبة قواعد اللغة العربية وعسر تعلمها ، لوجدنا أنها ترجع فى حقيقة الأمر إلى بعض المستشرقين الذين حاولوا تعلم اللغة العربية ، وهى شديدة البعد عن لغتهم الأوروبية فى بناء الكلمات ونظام التأليف وعادات النطق . وإلى المستعمرين الذين أرادوا أن يتخذوا من صعوبة قواعد العربية مبررا للعدول عنها إلى العامية حتى يقضوا بذلك على أهم مقومات الوحدة العربية والوحدة الإسلامية ، ولقد كان هؤلاء الأجانب المستعمرون يحاولون فى بدء احتلالهم لبلادنا نشر لغتهم تمكينا لسلطانهم ، بل إنهم فرضوا علينا أن نعلم العلوم بلغتهم ، لكن العربية لم تلبث أن قاومت وجاهدت وتغلبت . فلما رجعنا إليها لم نجد الطريق ممهدا لطول ما باعدوا بيننا وبينها ، ومن هنا أخذ بعضنا يردد الشكوى من صعوبتها والدعوة إلى وجوب تيسيرها ، وكانت قواعد النحو فى مقدمة هذه الشكوى ، وكانت الدعوة إلى تيسيرها مثار كثير من الإقتراحات التى عرضنا خلاصتها ، بعضها تناولت طريقة تدريس النحو وطريقة تدوينه ، وبعضها تناولت تبويب النحو ، وبعضها تناولت قواعد النحو وأصوله.
4- إمعان النظر فى هذه الاقتراحات الهدامة يدلنا على سوء فهم لحقيقة نحو العربية وحقيقة الدعامة التى يقوم عليها وهى نظام الإعراب ، كما يدلنا على تجاهل أصحابها لصلة هذا النحو بالقرآن الكريم أرفع نماذج الأسلوب الفصيح ، وتجاهلهم للفائدة التى يمكن أن نجنيها من معرفة هذا النحو فى فهم القرآن الكريم وتدبر معانيه.
فالقول بترك الإعراب وتسكين أواخر الكلمات لا يلغى الإعراب ، لأن الإعراب فى الفصحى ليس قاصرا على أواخر الكلمات ولكنه داخل فى بنيتها وبتغيره تتغير معانى الكلمات مع بقاء حروفها كما هى. والحركة تفرق بين إسم الفاعل وإسم المفعول فى مثل (مُكْرِم ومُكْرَم ومُسْتَخْرِج ومُسْتَخْرَج)
وبين فعل المعلوم وفعل المجهول نحو: كَتَب وكُتِب وبين الفعل والمصدر فى مثل: عَلِمَ وعِلْم وتَعَلُّم وتَعَلَّم وبين الوصف والمصدر فى مثل: فَرِحَ وفَرَحَ وحَسَنْ وحُسْن وبين المفرد والجمع فى مثل : أسد وأُسْد وبين الفعل والفعل فى مثل: قَدِمَ وقَدُمَ وبين الإسم والإسم فى مثل: وُضوء ووَضوء والقول بإيثار كل لهجة عربية توافق العامية يفضى بنا إلى أن نسلك مسلكين . إما أن نوجه هذه اللهجة ونفرضها ، وبذلك نخطئ لغة القرآن إذا جاءت على غير هذه اللهجة . وإما أن نجيزها ونخير بينها وبين غيرها ، وهذا لا يحقق الرغبة فى التيسير لأننا بذلك سنحي قواعد لهجات بادت وانقرضت بجانب قواعدنا. والقول بخلق قواعد جديدة على أنقاض القواعد التى حدد لنا النحاة معالمها ، قول لا يخلوا من غرابة ، هذا فضلا عن استحالة تحقيقه ، لأن قواعد اللغة ليست من الأمور التى تخترع أو تفرض على الناس ، بل تنشأ من تلقاء نفسها وتتكون بالتدرج . فنظام الإعراب الذى يقوم عليه نحو اللغة العربية لي من صنع النحاة ، وإنما هو عنصر أساسى من عناصر اللغة العربية اشتملت عليه منذ أقدم عصورها وقبل أن يوجد علماء النحو . فالشعر الجاهلى قامت أوزانه على ملاحظة نظام الإعراب ، ومما لا شك فيه أن هذه الأوزان سابقة لعلماء البصرة والكوفة الذين زعم البعض أن الإعراب ليس إلا زخرفا من بقايا عقليتهم القديمة (أنيس فريحه). والقرآن الكريم وصل إلينا معرب الكلمات رغم تجرده من الاعجام والشكل فى عهده الأول ، فالمصحف العثمانى يرمز إلى كثير من كلمات الإعراب بالحروف مثل (المؤمنون والمؤمنين) وعلامة إعراب المنصوب المنون (رسولا وشهيدا وحسيبا …) ولا شك أن المصحف العثمانى قد دون فى عصر سابق بأمد غير قصير لعهد علماء البصرة والكوفة . وإنما كل ما عمله علماء القواعد حيال (نظام الإعراب) هو أنهم استخلصوا مناهجه استخلاصا من القرآن والحديث وكلام الفصحاء من العرب ، ورتبوها وصاغوها فى صورة قواعد. وكان الدافع لهم للقيام بهذا العمل ، هو المحافظة على القرآن من ألسنة الأعاجم الذين دخلوا الإسلام ومن تأثير ألسنتهم فى كلام العرب الفصحاء . وكانت الرغبة فى تحقيق هذه الغاية الشريفة هى السبب فى دقة ملاحظاتهم وفى حيطتهم وشدة حرصهم فى استنباط هذه القواعد ، كما يحدثنا التاريخ عن أخبارهم وما بذلوه من جهد وتكبدوه من مشاق فى تأدية عملهم فهذه القواعد إذن هى جوهر اللغة فأية محاولة لهدمها معناها هدم اللغة نفسها
5- هيهات أن تهدم اللغة العربية عن طريق قواعدها التى اتصفت بهذه الدقة والإحكام ، وخاصة بعد أن أدت هذه القواعد رسالتها خير أداء ، وهى المحافظة على القران الكريم من العجمة والضياع ، وبعد أن أثبتت صلاحيتها وذلك بانتشار اللغة العربية وانسياقها فى الأقطار العربية وانتصارها على كثير من اللغات من غير جهد لنشرها ، وباجتماع العرب على تلك القواعد الموحدة من غير أن تحملهم على ذلك قوة قاهرة . وحسبها من دليل على صلاحيتها أن كل الإقتراحات التى قيلت بشأن تيسيرها عن طريق بتر بعض القواعد أو تعديل البعض الآخر باخراجه عن أوضاعه ، قد باءت كلها بالفشل رغم الجهود التى بذلت لترويجها. . . . يتبع إن شاء الله
كتاب مميز جداً وطرق باباً كان مجهولاً لي وأزعم أنه مجهول لكثيرين إذ لم يدر بخلدي أن الفصحى تعرضت لمحاولة إغتيال فاشلة إن صح التعبير من قِـبل المستعمر
كان من دفوع المستعمر لإغتيال الفصحى وترويج العامية عدة دفوع ظاهرها إدعاء النصح والفائدة للمصريين .. وعلينا أن نفطن كمسلمين أن ليس كل من لبس لباس الناصح هو صديقٌ صدوق .. فإبليس ادّعى أنه ناصحُ لآدم عليه السلام -ألا أدلك على شجرة الخلد- وفرعون ادعى النصح لقومه بد��ايته ضد موسى - إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد-!!
أقول من ضمن الدفوع: 1- ادعوا أن الفصحى بصعوبتها سببُ تفشي الأمية بمصر 2- ادعوا أن التمسك بالفصحى رغم ورود الثقافات الأوروبية الجديدة لمصر (مع وجود الأمية أصلاً) سيضيع لغة القرآن والحديث والأدب ويؤدي لإحلال لغة أجنبية محلها -آه ياحنين- .. فبالتالي العامية هي أهون الشرين. 3- حاول المستعمر بث القومية وأن لغة الفراعنة هي لغة المصريين الأصلية، لَعَبَ على الوتر القومي لعزلهم عن لغة القرآن بإختصار.
وفي النهاية انتصرت الفصحى على محاولات اعتماد اللهجة العامية وأوضح دليل أننا لانكاد نسمع بهذه الدعوى في عصرنا! كتاب موثق ونقل المحاولات في كافة جوانب اللغة كالأشعار والمسرحيات والقصص القصيرة يستحق الإطلاع.
ندر خلال قراءتي لأي كتاب عن العامية ألا أجد إشارة إلى كتاب د. نفوسة هذا، وإن لم أفكر يومًا مع هذا في قراءته ولكنني ما أن وجدته أمامي على حين صدفة حتى التقطته فقرأته، وهو كتاب كبير في 500 صفحة، وقائمة المراجع تثير العجب، وأعجبت كذلك بالدأب والجهد الذي بذلته الباحثة في قوائم دار الكتب المصرية، أقول المصرية لأن الكتاب لم يتعرض لحال وتاريخ العاميات العربية الأخرى، فقط العامية المصرية قديمًا وحديثًا، اللهم إلا ما قالته من حديثها العام عن كتب اللحن في اللغة التي وُضعت زمن الدولة العباسية، وكمجرد سرد قائمة بهم لا غير، وغير هذا كله فلم يعجبني الكتاب
ولماذا؟
أولاً: أسباب انتشار العامية وتغولها هو في رأي الباحثة يرجع إلى: الاستعمار، الحركات القومية الانفصالية، الأميّة، بهذا الترتيب تمامًا، وكان نصيب الأسد والذي كاد يتمحور حوله هذا الكتاب هو أن الاستعمار هو السبب الشرير والخبيث والسيء النية والكبير الذي تعود إليه حركات الدعوة للعامية، والأسباب لديها معروفة، مستعمر أجنبي يريد فصل الدولة التي استعمرها عن تاريخها ودينها و.. إلخ، وهذا ما سيؤدي إلى ثانيًا
ثانيًا: إنها كانت هي الخصم والحكم، الكتاب ليس حياديًا البتة، بل ينحاز بأكمله إلى ناحية واحدة محددة منذ البدء، لذا فكل النقاط التي أثارها المستعمرون أولاً والمواطنون ثانيًا، كلها جرى تفنيدها وعرضها بشكل يجعل القارئ يستخف بها، لا! بل جرى الرد عليها في الهوامش نفسها أسفل الصفحة، ثم تتبعها بالكثير من أقوال المعترضين عليها من الأدباء والأعلام في الصحف وقتذاك، وأنا من أنصار الفصحى بالطبع ولكنني أحببت الحكم وهي لم تعط لي أدنى فرصة لتأمل الرأي والرأي الآخر، بل كانت على طول الخط تسفّه هذا الرأي مهما كانت مبرراته وتسبقه وتوازيه وتتبعه بما يهدمه تمامًا من وجهة نظرها، وهذا وحده كرّهني في هذا الكتاب
ثالثًا: إنها مثالية! أتصدقون أنها في هذا الكتاب الصادر في طبعته الأولى عام 1964 تنعي إليها موت اللغة العامية في الأدب والجرائد عما قليل وتقول أنها باتت تستخدم فيها بشكل ضئيل للغاية ولرسالة إصلاحية محددة، أو كما تقول نَصًا بعد أن ساقت البشرى أن الفصحى في طريقها للانتشار والتغلب على الفصحى بعد أن تخلصت مصر من الاستعمار الذي كان يساندها ويدعو إليها ويهمل التعليم .. إلخ، تقول: حيث كانت معرفة العربية قاصرة على فئة ضئيلة، وكانت العربية نفسها لا تزال تخطو خطواتها الأولى نحو التحرر من القيود التي فرضتها عصور الضعف والانحطاط على الكتابة، فإنها ستبطل بتعميم التعليم بين العامة ورفع مستواهم الثقافي، وعندئذ ستختفي العامية من المقالة الصحفية كما هي آخذة في الاختفاء من مختلف الفنون الأدبية
ها ها! بجد؟!
فها هي أكثر من خمسين سنة، وماذا؟! ألا يعني هذا أن المقدمات كانت خاطئة، ليس الأمر كان في المقام الأول مؤامرة من المستعمرين والمستشرقين على لغة البلاد، فهم في الحقيقة – ممن ورد ذكرهم في هذا الكتاب – لا يعدون إلا على أصابع اليد الواحدة، وباعتراف الباحثة نفسهم فأنهم سرعان ما توقفوا عن عملهم وأغلقوا مجلاتهم التي كانوا يبثون من خلالها أفكارهم! أهؤلاء الشرذمة هم السبب في بلاء العامية المستطير والدعوة إليها!! اللهم لا! بل أنهم كسائر الناس تنبّهوا لسلطان العامية عندما حسبوا قبل مجيئهم إلى البلاد أن تعلمهم اللغة العربية سيشفع لهم في فهم المصريين، ثم لما أتوا وجدوا أنها لم تفد شيئًا في فهمهم بطريقة مباشرة، بل من خلال لغة الكتابة التي هي العربية الصحيحة، بينما الناس أنفسهم لا يتحدثون بها، فمَن هذا الذي يستطيع أن يلومهم على اتجاه تفكيرهم إلى مسألة اللغة العامية وتفكير بعضهم أن فعلاً آفة البلاد التي تقف عائقًا أمام تقدّمها هو هذا الانقسام اللغوي بين أهلها الذي خبروه بأنفسهم خلال ملامستهم السطحية للبيئة المصرية! هذا منتهى العدل والإنصاف إذا نظرنا إليه من هذه الزاوية، تعلم اللغة العربية تطلّب منهم الكثير من الجهد، ثم اضطروا إلى بذل مثل هذا الجهد لتعلّم اللغة العامية! مرة ثانية .. أينبغي أن تطلّ النوايا الاستعمارية السيئة تجاه أفكارهم ونعتها بالمسمومة والخبيثة وكذا وكذا! بينما إذا تكلّم أحد المصريين عن ذات المسألة أو ترجم مسرحية للغة العامية، فهو بكل تأكيد كان تابعًا لهم ووقع تحت أنياب المستعمرين وخططهم الاستعمارية في تحطيم الوحدة العربية! – وهذا الرأي الأخير غريب صراحة! كأن هؤلاء الأشرار هم مَن أنشأوا اللغة العامية إنشاءً حتى في حضن الأزهر وحصروا الفصحى في الجرائد والكتب!
رابعًا: اتخاذ نظرية المؤامرة ذريعة يؤدي بصاحبها – لا شعوريًا – إلى إحساسه بالانتصار إلى هؤلاء الأشرار، وهذا موجود في كل النبرات الاستعلائية في الرد على نقاط وأفكار الدعوة للعامية، كأنهم أطفال صغار وهي الباحثة الدكتورة التي تولّت مهمة السخرية من أفكارهم، بدلاً من تفهّمها ومعرفة الظروف – المصرية الصميمة – التي أدت إلى أن يقولوا بقولهم
خامسًا: إنها في ذروة انتشائها باختفاء العامية الحتمي من آداب المسرحية والقصة ومقالات الجرائد، حسبت بكل بساطة أن الجانب العملي الذي رأته دليلاً على انتصار الفصحى هو رجحان كفة الكتب والجرائد المكتوبة بالعربية الصحيحة على كتب وجرائد العامية في الزمان المعاصر لكتابة كتابها! بل وقالت بفخر بالغ وهي تستعرض محتويات كتاب مكتوب بالعامية القاهرية صدر في أواخر العشرينيات إنها وهي القاهرية الصميمة لم تفهم كثير من الكلمات والتعبيرات الواردة في ذلك الكتاب، ورأت ذلك يعني أن اللغة العامية ارتقت خلال هذه الفترة الفاصلة بينها وبين زمن الكتاب، وهذا في رأيها ضربة قاصمة للفصحى وإيذان بزوالها القريب للغاية، وأيضًا ما كتبته في خاتمة كتابها عن مظاهر زوال الفصحى التي تراها فيما حولها في كل اتجاه حتى لدى رجل الشارع الذي يحاول جاهدًا عند مقابلته للمثقفين أن "يهذب عبارته والدنوّ بها من الفصحى" – كما قالت
وأتدرون كيف أنهت كتابها، السطران الأخيران في هذا الكتاب يقولان: على ضوء هذه الحقائق يمكننا أن نقرر فشل الدعوة للعامية، تلك الدعوة التي أثارت كثيرًا من مشاكلنا اللغوية والأدبية طوال هذا القرن، والتي بدأت بثورة على الفصحى وانتهت بالثورة لها.
وللمرة الثانية: ها ها! بجد؟!
الذي ساهم في تضخّم هذا الكتاب هو استعراض محتويات وتلخيص عدد كبير من الكتب، ولا أعني الكتب الذي كتبها الداعين للكتابة بالعامية، لا، هذا جزء انتهى سريعًا، أعني الكتب المكتوبة بالعامية نفسها للتسلية والفكاهة، والقصص الأدبية التي تخللت العامية حوارها، أو المكتوبة بأكملها بالعامية، والمسرحيات بالتأكيد والزجل والتواشيح والأزجال وغير ذلك! بل واستعراض المؤلفات التي كتبها محمود تيمور بالعامية ثم أعاد كتابتها في أواخر حياته بالفصحى، لا انتصارًا منه للفصحى كما تزعم، بل كما يقول هو نفسه كما نقلت كلامه، أنه موافق للغاية على أن تمثّل مسرحياته بالعامية، لم يعارض هذا قط، ولكن بشأن كتابتها في الكتب وطباعتها فهو يعتقد أن العامية لا تليق بالتدوين الكتابي، أي هذا الانتصار التيموري التي زهت به لا يعني شيئًا وإنما سيعيدها مرة أخرى للمربع الأول: اختلاف لغة الحديث عن لغة الكتابة!
هي مرة ثانية، المقدمات كانت خاطئة مما ترتبت عليها النتائج الخاطئة، فلا انتصار حدث هنا ولا يحزنون، وها أنا قارئ ذلك الكتاب بعد طباعته بنيف وخمسين سنة أستطيع القول دون معارضة أنها كانت مبالغة جدًا في استعراض "حقائقها" ومستعلية جدًا على المستشرقين المتواضعين وإعطائهم أكبر من نصيبهم بكثير! وأن اللغة العامية دون حاجة إلى أي استعمار مباشر وغير مباشر (فنظرية المؤامرة لم تمت بزوال الاستعمار المباشر بل يجدون دائمًا طريقة يلقون بها التهمة على غيرهم من أذناب المستعمرين وتدخل أحفادهم في شؤوننا تبعًا لحقد قديم فيهم ضد المسلمين والعرب!) تغوّلت أكثر حتى أثرت على لغة الصحافة والإعلام والأدب، بل الأدب خاصة، حتى في مراجعات الكتب على الجودريدز هنا نجد أن الروايات العربية المكتوب حوارها بالفصحى لا تخلو مراجعاتها من الإشارة لتلك "الميزة الفريدة" بها! بل ستجد مراجعة تتطوع بالاستنتاج والقول أن كاتبها من مدرسة نجيب محفوظ الروائية! - وبالمناسبة نجيب محفوظ دافع عن العامية ولم يزدرها، لا أقصد أنه كتب بها الحوارات بالكامل في رواية له، بل في رأيه بها خارج التدوين الكتابي، أنكم تعرفون أنه في مرحلة من حياته كتب السيناريو لبعض الأفلام، ولقد كتبه بالعامية بالتأكيد لأنها لغة الحديث لا الكتابة، بل وعندما سُئل في حوار وحاول المحاوِر فيه أن ينتزع منه كلمة ضد استخدام أحد الأدباء الكبار للغة العامية على خشبة المسرح، خذله نجيب محفوظ وأعترف بدور اللغة العامية الطبيعي على خشبة المسرح كلغة للحديث لا الكتابة - أعود فأقول أنه بينما في مراجعات الرويات التي كُتب حوارها بالعامية نادرًا ما تجري الإشارة أن حوارها بالعامية وأستثني من ذلك مراجعات قارئي الدول العربية الأخرى أصحاب العامية المختلفة! ها هو المثقف وبعد نيف وخمسين سنة هو الذي ينزل بلغته إلى مستوى العامة كي يحدثهم لا هم الذي يرتفعون إليه، لا في الحديث، بل يكتب الكتب في علم النفس والاجتماع والسياسة والتنمية الذاتية باللغة العامية ويقول مبررًا أنه يريد أن يصل إليهم! وهذا انتصار كبير للفصحى - بالتأكيد ! - كما استشرفت الباحثة في كتابها
كتاب أكثر من رائع وقد قرأته بطريقة مغايرة لطريقة المؤلفة فكنت مع تركيزي في النقد الأدبي للمؤلفة أتخيل تأثير هذه الفنون و السموم من بعد إجتماعي و مدى فتك مثل هذه الأعمال بالأخلاق و الآداب العامة مشوار طويل قطعه أعداءنا لنرى العالم بعيونهم و للأسف إلى الآن هم في غاية المثابرة و النجاح
من الكتب المهمة لمعرفة أهداف المستشرقين، أرادوا تحويل لغة المصريين إلى العامية بدلا من الفصحى في كتاباتهم ومؤلفاتهم، وقالوا أن الكتابة بالفصحى سبب تأخر مصر! لم يعجبني في الكتاب كثرة نقل المؤلفة للنصوص، وكأنه كتب داخل كتاب، لكنه في النهاية مهم لمعرفة خطط الغرب وكيف يفككون الوحدة الوطنية.
كتاب قيِّم ونفيس للدكتورة نفوسة زكريا، تحدث عنه محمود شاكر في كتابه أباطيل وأسمار وعلق عليه قائلًا:
«لا أظنني قرأت منذ سنوات طوال كتاباً يتناول المسائل العامة في حياتنا الحديثة بَذَل فيه صاحبه من الوقت والجهد والأناة ما بذلته الدكتورة نفُّوسة في كتابها هذا، ولا أظنني قرأت أيضاًً في هذا الدهر كتاباً ينبغي لكل عربي وكل مسلم أن يقرأه من ألِفِه إلى يائه يضارع هذا الكتاب! وحسبها أنها استطاعت أن تجلو للناس صورة صحيحة صادقة مؤيدة بالأسانيد بلا تزيُّد ولا كـذب ولا ادِّعاء عن أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي؛ وهي: معركة البناء أو الهدم، معركة الحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة هي لغة الفصحى أو تفرُّق العرب والمسلمين أشتاتاً بلغات متنابذة هي العامية. ولو كان لي من الأمر شيء لأَمرتُ أن يطبع هذا الكتاب ليكون في يد كل شاب وشابة، وكل رجل وامرأة، ويكون له مختصر ميسَّر لكل من مكَّنه الله تعالى من القراءة، ولَستُ أريد الإغراق في الثناء وإخلاء الكتاب من كل عيب، ولكنـي أراه كتاباً صالحاً لكل مثقف يجد فيه مادة صحيحة لتاريخ معركة قاسية خبيثة، إذا وقانا الله شرها باليقظة فقد نجونا من المحنة الساحقة، وإذا أسأنا فابتلينا بتمام الغفلة؛ فذلك ذل الأبد، ولا حول ولا قوة إلا بالله وحده".
بداية أود الإشارة إلي إعجابي الشديد بتفاني الكاتبه في دعم جميع ما كتبت بالأدلة والأمثلة الحقيقة على ذلك. يبدو من تسلسل الكتاب وطريقة كتابته تفانيها في البحث ليخرج لنا الكتاب بهذه الصورة.
لكن ما لا أستطيع تجاهله هو التحيز الشديد للكاتبه تجاه كل من يكتب بالعاميه من دون الوضع في الحسبان الأوضاع السياسية والأدبية والإجتماعية والثقافيه في تلك الأوقات. نعم بدأت الدعوة للعامية نتيجة المحاولات الأجنبية لاستبدال الفصحي بالعامية لرغبات سياسية معينه، إلا أن أغلب الكتاب الكبار اللذين حاولوا في أول الأمر إعطاء العامية فرصة ما جاء ذلك إلا نتيجة لمحاولة انتصارهم للقومية المصرية، وهي رغبة صادقه في محاوله النهوض بوطنهم سواء ذلك كان بطريقة نتفق معها أم نختلف، هذا بالإضافة إلي محاولة تحررهم من الفصحي الجامدة وهي أيضا رغبة مفهومة. لهذا أجد أن التحامل الشديد عليهم غير عادل، ومما يدل على ذلك ومن كلام الكاتبة نفسها أن أكثر من دعوا في بداية حياتهم المهنية لاستخدام العامية تراجعوا في نهاية الأمر عن دعواتهم بعد تمكنهم من الكتابة بلغة فصيحه تخلصت من الجمود الذي اعتراها سابقا واقتربت بشكل أو بآخر من لغة الكلام العادية من دون المساس بفصاحة ألفاظها.
ومن ناحية أخري وبالإشارة إلي مقدمة هذه المراجعة التي كتبتها مأخذي الوحيد على أسلوب الكاتبة في عرض أفكارها هو كثرة الأمثلة التي عرضتها، وطولها من غير إفادة.
يناقش الكتاب تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر وكيف كان بدء هذه الدعوة على يد الأجانب وتحديدا في الفترة من عام ١٨٨٠ وحتى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين وهي الدعوة التي تأثر بها العديد من المصريين لضعف همتهم في تحصيل الفصحى تارةً او تملقهم للعوام
وكان من أوائل من تصدى لهذه الدعوة الشيخ محب الدين الخطيب ومصطفى صادق الرافعي ونبهوا إلى خطورة ان تكون العامية هي لغة الأدب لما سيحدث من التباعد بين لساننا وبين تراثنا الملئ بالنصوص الفصيحة
كل هذا تزامن مع الاحتلال الانجليزي ونشطت دعوات إحياء الفصحى بشكل أكبر على يد الجيل اللاحق مثل البارودي وشوقي وحافظ ومطران في الشعر ومحمود تيمور وتوفيق الحكيم في القصة
الكتاب يؤكد الفكرة ان الاحتلال لن يرد الناس عن دينها إلا بإماتة لغتها التي تتحدث بها ليصعب عليها قراءة وفهم تراثها ودينها وهو الحاصل في زماننا اليوم
أكتب في حواشي الكتب ملاحظات عند الأماكن التي يجب العودة لها لاحقاً لنفاستها وأهميتها، فما انتهيت من قراءة كتاب الدكتور نفوسة إلا وكانت لا تخلو صفحة من كتابة على الهامش. لا تمضي صفحة دون معلومة مهمة عن تاريخ الحرب بين دعاة العامية والذائدين عن اللغة الفصحى. كتاب لا يسع لمن يحب الفصحى ويعتز بها ألا يقرأه. قرأتُ الكتاب بناءً على توصية سمعتها من المهندس أيمن عبد الرحيم (فك الله أسره) من دورته (الوعي اللغوي)
الفترة قُبيل انفراط عقد الخلافة العثمانية وما تلتها تعد إحدى أشد الفترات المحتدمة صدامًا والمحمومة عراكًا والمستعرة صراعًا إذ كانت بين ثلاث فرق وتوجهات ثقافية: التغريبية القومية العربية الإسلامية قراءة الكتاب تعمق الصورة المعرفية عن صيرورة تلك الفترة فستجد أن الكلام قريب النوع لنقد/ض الراحل د.إدوارد سعيد للاستشراق على ما فيه من مجازفات وإطلاقات فقد يظن البعض أن بالكتاب مبالغة أو بالكاتبة توهمًا لكن الحقيقة وبعد أكثر من ٥٠ سنة على إصدار الكتاب المحتوى قابل للتصديق ومن الجائز له الإصابة