كان ذلك يوماً من ايام شهر يونيو قائظة الحر , وكنت يومها اخرج من بوابة الجامعة مسرعاً وكلى رجاء أن اصل الى بيتى قبل أن يتكدس الناس فى المواصلات كالعادة دائماً فى المنصورة , والمنصورة لمن لا يعرفها مدينة قميئة تشبه علبة السردين التى لا تكاد تجد لك فيها مكاناً للسير حتى على قدميك من فرط الزحام .
خرجت يومها من بوابة الجامعة انهب الارض نهباً بموازاة سور الجامعة ثم لمحت على الجانب الاخر من الطريق ذلك البائع الماكر جالساً أمام كشكه الخشبى الذى أعرفه جيداً على مدار سنوات , فكم من مرة أقف امامه الا وينجح ذاك الخبيث فى خداعى وبيع الكتب لى بالثمن الذى يريده هو بعد أن يلمح فى عياناى تلك اللهفة التى لا استطيع اخفائها فى كل مرة وأنا أقبض بيمنيى على الكتاب , فيغالى هو فى الثمن وهو يعلم جيداً أننى ساشترى الكتاب لامحالة حتى وان كان ذلك سيسبب مشكلة لى مع مصروفى الصغير
قررت يومها اانى سأمضى بلا توقف فمن ناحية أشتاق للنوم بشدة واسير على قدماى بالكاد من التعب ومن ناحية أخرى الاموال التى فى جيبى كافية بالكاد للوصول الى بيتى .
فى لحظة خانتنى عيناى ونظرت الى مقدمة الكشك فلمحت فى مقدمته ذلك الكتيب الصغير أصفر اللون ..فعرفت على الفور أنه أحد اصدارات المجلس الاعلى للشئون الاسلامية فى مصر . وهى كتيبات تتميز باسعارها الزهيدة وفائدتها الزهيدة أيضاً ولا ادرى ما الذى جعلنى استمر فى شرائها لسنوات !.ربما كان الدافع الى ذلك رغبتى فى تكثير عدد الكتب التى فى مكتبتى بأى شكل ..
(نظرات فى الاسلام) كان ذاك الاسم الذى يقبع على غلاف الكتاب ... وتحته بخط صغير اسم المؤلف( محمد عبد الله دراز) ..... قلت لنفسى " دراز !! من دراز هذا ؟" ...لا بد أنه واحد من هؤلاء الشباب الجدد الذين تدفع فى كتبهم مصروفك الصغير ثم تكتشف أن هذه الاوراق مكانها الطبيعى فى الجانب الاخر من الطريق على عربات الفول و الترمس ...
للحظة قررت اننى لن اشترى الكتاب ..وفى لحظة ايضاً رجعت فى قرارى - كما هى العادة - واقنعت نفسى بأننى لن اخسر شيئاً فثمن هذه الكتيبات جنيه واحد ..فلاشتريها اذن فلن اخسر شيئاً حتى وان كان كتاباَ سيئاً ..هو جنيه على كل حال.
نقدت البائع جنيهاً ثم مضيت فى طريقى ... اعتدلت فى مقعد السيارة وانا اتمنى لو استطيع خطف دقائق انعم فيها بنوم هادىء فى السيارة حتى اصل الى البيت , لكن صوت الراديو كان كفيلاً بمنعى من ذلك , فأخرجت الكتاب من حقيبتى وبدأت القراءة وانا افتح عيناى بالكاد ..ولم أكد أجاوز الصفحات الاولى حتى طار النوم من عيناى وأنا أُتمتم " الله , الله " ماهذا الجمال ؟.
ولم أغادر السيارة الا وقد انتهيت من الكتاب مرة ثم بدأت فى قراءته مرة ثانية ولم أكد ادخل الى البيت حتى حاولت ان ابحث فى جوجل عن محمد عبد الله درز هذا من يكون ؟
عرفت انه أستاذ جامعى من الازهر مات فى سنة ١٩٥٨فى مدينة لاهوربدولة باكستان .. حينما كان موفداً من الازهر لحضور أحد المؤتمرات الاسلامية الدولية هناك .
وعرفت أنه له عدة كتب ... وبدأت فعلاً فى قراءة كتاب " الدين ".وجدته على أحد المواقع وبدأت فى قراءته فورا .وحينما توغلت فى الكتاب قدماً أيقنت اننى امام عملاق من عمالقة الفكر فى الاسلام ... فاللغة ممتعة جداً , موجزة الى أقصى حد .أفكار الكتاب نفسها بالغة الاهمية ..واحيانا بالغة التعقيد ..ومن حسن حظى أننى كنت قد قرأت قبلها عدة كتب عن تاريخ الاديان قبل ذلك ومنها كتب أوروبية فلم أجد أحد يتناول تاريخ الاديان وفلسفتها كما يفعل محمد عبد الله دراز .
بعدها بشهر وقع تحت يدى كتاب دراز " النبأ العظيم "..وقع الكتاب تحت يدى ووقع قلبى معه ...يالله !!..ماهذا الجمال وهذه العظمة ؟.. هذا الكتاب واحد من أهم الكتب التى كُتبت بالمداد فى تاريخ المسلمين ...انتهيت من الكتاب وقد وقعت بالكامل فى عشق قلم محمد عبد الله دراز وعلمه الوافر ولغته الساحرة .
قرأت له بعد ذلك " دستور الاخلاق القرآن "..وهى رسالة تقدم بها دراز لجامعة السوربون حينما كان طالباً فيها لنيل درجة الماجيستير ..قدمها الشيخ وقتها بالفرنسية ثم ترجمها بعد ذلك الى العربية الدكتور عبد الصبور شاهين رحمه الله ...وهذا الكتاب فريد جداً فى بابه فهو يحاول أن يستوضح فلسفة الاخلاق فى القرآن ..وأظن أن الشيخ قد نجح فى ذلك جداً ..فجاء كتابه بالغ العظمة متفرد جداً فى موضوعه ..
ثم قرأت له بعد ذلك
"المختار من كنوز السنة النبوية: شرح أربعين حديثا في أصول الدين"...وهذا الكتاب يظهر فيه مدى تمكن الدكتور فى علم السنة وعلمه الواسع فيه ..من الكتب العظيمة جداً ...
كلما أتذكر ذلك اليوم وانا أعطى البائع ذلك " الجنيه " متبرماً أضحك وأحمد الله ... فهذا الجنيه الواحد قد فتح لى افاق من الخير لا يعلمها الا الله ...
بكل بساطة انا استطيع الزعم أنه علاقتى بالاسلام قبل محمد عبد الله دراز شىء ...وبعده شىء آخر .....
الحمد لله الذى وفقنى لقراءة كتب هذا الامام ...