طرقتُ أبواباً , وهي كثيرةٌ ...... وبغير بابك ما وجدت المدخلِ
أفقتُ على صوت أمي , على نفس الساعة التي أُفيق منها عادة , نزلت على السهل الخضير الذي عشت فيه طفولتي وشبابي , الشمس قرص طالع في السماء بكرةً , مختبئٌ بين طلعات وتلال الأفق البعيد , الشمس كأنها أنشودة صوفية بصفاءها وابتهاجها , والطبيعة تنسج ألحاناً تسر السامعين , ها أنا اقتربت من ملاذي الخاص , حيث أقرأ كتبي وأعيش في أحلامي وتخيلاتي , اليوم موعدي غير الموعد , والكتاب غير الكتاب , اليوم سأكون في مواجهة مباشرة مع نفسي وفكري .
حدّثوني كثيرا عن هذا الكتاب ونصحوني به , أجّلته كثيرا وتركته للزمان البعيد , ولكن شاءت نفسي ان ابدأ , شئت بكل عقلي ونفسي ان ابدأ , عسى أن أشعر بالايمان بعرفان قصته .
هذا هو الكتاب , قصة الايمان : بين الفلسفة والعلم والقرآن , كفى بي تقليلا لشأنهم , لقد حان موعد هذه القراءة , وحان وقت الجد !
نديم الجسر , مؤلف الكتاب , لا أعرفك , ولكن سأتعرف عليك ; بفكرك وقلمك وايمانك , فبهم يُعرف الرجال !
وصلت الملاذ , وفتحت الكتاب , وها أنا أقعد مع حيران وشيخ حيران ... .
اليوم الاول
الفلسفة , مالي ومال الفلسفة ؟
انني بشخصي لست بعالِمٍ في هذا العالَم , ولا ادري منه الا سطحه , وما هي الا شذرات عرفتها ودرستها من بحوثي الشخصية المتواضعة فعلا .
فها أنا الآن أقع في نقاش مباشر مع الفلسفة واصولها , هل كنت خائف منها ؟ نعم
هل فهمت ماهيتها بعد كلام الشيخ موزون ؟ نعم أيضا !
هل أحببت كلام الشيخ ؟ بكل تأكيد !
هل أوافق كل ما قاله الشيخ ؟ لا :)
إن الكاتب رحمه الله يصنع طريقا ويعبّد شوارعه , ولكن قد اصطدم بعض الاحيان بحجر , فجعل هذا الحجر قسما من الطريق , فضعُف بعض الأحيان طريقه .
وما أرى في ذلك الّا محاولة من الكاتب أن يُعطي لعالم الفلاسفة الكمال والاتفاق الكامل , ولكن هذا ليس دوما بصحيح !
ولو صحّت في بعضهم , فذلك ليس دليل على صحّته عند الجميع , وخير دليل على ذلك ما قال عن كانط , الفيلسوف الألماني .
فعلى الرغم من التناول الصحيح للشيخ عن كلام كانط وفلسفته , الا أنه يخطأ حين يعدّه من المؤمنين الصادقين , فهو حتى وان كان مؤمنا بالله , الا أنه ليس بالدرجة التي كان يتمتع بها باقي الفلاسفة .
وعلى كلّ فالكلام لا يقتصر على كانط فقط , بل كلامه فيه بعض من التحويل والتحريف في بعض المواضع , ولكني لا أشك في أمانته .
فالذي قدّمه لنا عجز عن تقديمه الكثير والكثير من العلماء المعاصرين العرب , ولا أكاد أجد فيلسوفاً مسلما معاصرا قام بما قام به هذا الشيخ !
والحديث عن هذا الموضوع يطول ويطول , ولكن لا أستطيع ان اكلمكم واصفا حبي واحترامي الكبيرين لما قام به الكاتب العظيم .
ولا أنكر أنه جذبني لتلك الأحاديث الفلسفية , خاصة بما أرانا من الفلاسفة المسلمين كالغزالي وابن رشد , رحمهم الله !
اليوم الثاني
تعبت وتعب رأسي , وبدت على وجهي أمارات التعب والتفكير , لا أنسى الكلام الطويل حول الفلاسفة وفكرهم , ولا أنسى جدالهم وحوارهم وشكوكهم .
لا أريد الّا شيئا يريحني قليلا , ويمنع عني الوساوس وجراثيم التفكير .
فحصل ما كان , وجاء وعد الشيخ حقا , وبدأ بسرد كلمات ربي .
ويا لها من لحظة ناعمة أبرد بها قلبي وأثلج بها صدري .
يعيش المرء محتارا شكوكا , ظلوما كفارا الا من رحم ربي .
فكثير من الناس تضل عقولهم وتشقى صدورهم , ولكنني رأيت في هذا الكتاب ملجأً لكل من أتعبته الحيرة , لأن
الفلسفة بحر، على خلاف البحور، يجد راكبه الخطر و الزيغ فى سواحله و شطاَنه، و الأمان و الإيمان فى لُججه و أعماقه
وما أقواها ان كانت تستند على القرآن , على كلام ربي سبحانه جل جلاله , فأي عقل يُبعد عن كلام الله ؟
وأي نفس ترتضي غيرها ؟
يا عز من عاش في لججه واعماقه , ويا بعد من عاش في سواحله وشطآنه .
اليوم الثالث
وددتّ من كل قلبي أن يخفف الشيخ من قوة حديثه , وأن يجعل من حديثه عسلا سائغا , فقد ارتاحت نفسي وقد سلّمت عقلي للكتاب , وجاءني الشيخ بكلام أعرفه , أعرفه جيدا , ولكن هذا الكلام من فمه ما أحلاه , وببصيرته ما أغناه !
فسبحان ربي كيف اهتدت نفسي لهذا الكتاب , وكيف دلّني الاحبة والصحاب عليه , وجاء في وقته , حقا جاء في وقته .
فرحمة الله عليك يا نديم الجسر .
.
انتهت قصتي مع الكتاب
نعم , انتهت قصتي مع الكتاب , ولكن أثره سيكون بارزا علي , وصيّة الشيخ الأخيرة أجمل ما في هذا الكتاب
كم من الناس يُضيعون حياتهم في شك وحيرة , ويعشون أياما سوداء من خوفهم على انفسهم .
هكذا كان حيران , مثال الشاب المعاصر , تعصف به الضربات وقصمات الظهر من كل النواحي والاماكن , وما أسوأها تلك التي تضربه في عقيدته , فتلك تهوي به أرضا في مكان سحيق .
ولكن , ألم يكن شيخه في نفس الحالة ؟ ألم يعش دهرا طويلا متألما ومتنغّصا نكدا ؟ ولكن ما من انسان عرف ربه الا استصغر تلك الوساوس والشكوك .
? < ولكن < كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ
لكل انسان أيام يعيش فيها بعيدا عن ربه , ويعيش الانسان نكدا بعيدا عن ذكر الله , الا أن الله عز وجل يعلم ما نخفي وما نعلن وما ذلك على الله بعزيز .
فجعل لنا من لدنه كتابين نقرؤهما ونعيش بهما في حياتنا , تلك الحياة الصعبة المقيتة !
فكتاب الله المسطور , وكتاب الله المنظور , وما من أحد نظر بهما وتأمل وسلّم الا اهتدى , بإذن الله الواحد الأحد .
فما تلبث الا ان تُقلب الصعوبة سهولة , والمقت رحمة , والحياة فلاح !
يا لفخر المكتبة العربية بهذا الكتاب , ويا لفخر من عرف الله وتدبر حكمته .
ويا لعز من عاش حياته على الايمان , وتلكم بكل بساطة , قصة الايمان !
أشكر الصديقة " هناء " على مشاركتي في قراءة الكتاب , كانت تجربة مميزة جدا وجميلة فعلا .
تحياتي لك :]
وأنا بأشد الانتظار لرأي الصديق أحمد عرابي وكل الاصدقاء الذين على وشك قراءته :D