شكلت الصحراء العربية عبر التاريخ وحياً استلهم منه شعراء البادية قصائدهم. ولطالما قصدها رحّالة غربيون لتقصي تاريخها وتاريخ القبائل التي سكنتها، وفكّ رموز شعرها البدوي وألغازه، والإطلالة من خلاله على ما اكتنف هذه البادية الغامضة من حروب القبائل وغزواتها، ومن مغامرات شعراءها.
و"الدوي الأخير" كتاب فيه رحلة عبر فيافي الربع الخالي، يقوم بها رحّالة نهم لتحري تاريخ القبائل ونبش ماضيها. هذا الرحّالة هو كوبرشوك، وهو الباحث الهولندي الذي انغمس راضياً في حياة البدو وحفظ أشعارهم ونازلهم في قراءة الشعر بلهجتهم البدوية. وهو في كل ذلك كان يدوّن ما يشاهد ويسمع. كانت قبيلة عتيبة بداية بحثه، ومنها انتقل إلى شَمَّرن ومن ثم إلى الدواسر.
وفي حين كان الدَّخول وحومل، لا يعدوان أكثر من اسمي مكانين قرأ عنهما الرحّالة الغربيون في شعر امرئ القيس، وظلاّ غامضين دونهم، كان كوبرشوك أوّل غربي يطأ هذين الجبلين، ويتحرى عن سرّ العلاقة التي كانت تربط امرئ القيس بهما.
وفي هذا الكتاب يقف القارئ وجهاً لوجه مع تفصيلات حياة البادية: النساء المحظور عليهن التخالط مع الرجال، تمييز القبائل بين العرب الأقحاح وغيرهم ممن وفدوا على الجزيرة، نظرة المجتمع البدوي المسلم إلى "الآخر" المسيحي الغربي، حروب القبائل في ما بينها طلباً للماء والرعي، ونظرة البدو، بشيء من القداسة، إلى اقتناء الخيول. إنها رحلة تزخر بتناقضات كثيرة ولافتة أعاد فيها كوبرشوك اكتشاف حياة قبائل البدو وخلقهم من جديد.
مارسيل كوربرشوك لم ينغمس في أرض الجزيرة العربية فقط بل حتى سماؤها فعرف خلال رحلته اسماء النجوم ومواسمها توغل في الأرض والشعر والحكايات والأنساب وشليويح العطاوي، الدندان ،عتيبة، شمر ،الدواسر (السعوديون يسمونه "قاف،بدع،قوارع"أو كلاماً. ويبين هذا أنهم يعتبرون الشعر جزءاً طبيعياً من الحياة. كما أن الشعر ليس ثقيلا ليكون بالتالي مملاً: من أكثر الأشياء طبيعية عند السعودي أن ينعش حديثه بالتحول إلى شكل القصيد، ثم يعود إلى موضوع الحديث في أثناء الكلام) وهذا ما اكتسبه مارسيل نفسه في كتابه (وقف في الباب اثنان من أطفال مترك ينظران إليّ بجدية وصمت. حاولت استطاقهما بلا جدوى.وتلوت: أنا وين أدور لي مع ذا اللسان لسان ## يعاون لساني لا يبين الخلل فيه) كتاب ممتع
في هذا الكتاب يكتب الدبلوماسي مارسيل كوربرشوك أو كما يطلق عليه أهل البادية (مرسال) تفاصيل بعض ذكريات المكان والناس الذين قابلهم في السنوات التي قضاها متنقلا بين القبائل البدوية في صحراء المملكة العربية السعودية. يحاول في رحلته هذه أن ينقل تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها هناك، كيف تأقلم معهم وكيف كانوا معه كرماء جدا مثل طبعهم دائما مع أي ضيف غريب.
مارسيل في الأصل باحث متخصص في الأدب العربي، فلنا أن نعلم أن رسالته في الدكتوراه كانت عن الأديب المصري يوسف إدريس ولكنه أولع بالشعر النبطي خلال إقامته في السعودية، حيث بلغ به الأمر أنه كان يعرض عن درجة حرارة 50 مئوية وعن رياح السموم ليقطع مئات الكيلو مترات في سبيل تسجيل قصيدة لا يعرفها، أو كتابة ملحوظة على هامش دفتره الذي كبر فيما بعد وأصبح كتابًا من أهم الكتب التي تناولت البداوة اسمه: "البدوي الأخير".
إذن إلى أولئك الذين لا يزال فيهم بقايا عشق لفضاء الصحراء يسحرهم عالم الرمال وتأسرهم حكايا البدو، يشدهم الوله لها يبحثون عن خيال وذكريات علقت يوما ما، عندما كانت هناك حضارة البادية. فيهم قصص وتاريخ وصدى يذهب ويأتي كلما جاء ذكر ذلك المجد الذي دفنته المدينة وغاب في التراب. اولئك العشاق المخلصون قد يجدون في حكايات «البدوي الأخير» بعض السلوى وشيئاً من الحنين.
"وفي نهاية رحلتي كانت المملكة العربية السعودية قد فقدت قطيعا واحدا على الاقل من قطعانها، ذبحت خرافه على شرفي، وحتى يومنا هذا لا أستطيع النظر إلى خروف في الحقل دون شعور بالذنب نحو فصيلة الأغنام برمتها".
الكتاب كان كالمرافق اللطيف الذي لم أتوقع أن يكون بهذا اللطف أبدًا ، كان مارسيل يطوف في بادية السعودية باحثًا عن أقحاح الشعر البدوي فخرج للعالم بهذا الكتاب بعد أن تعلّم وتشرب تعاليم البداوة محدّثنا عمّا واجهه خلال رحلته الشّاقة تلك.
يبدو أن منع هذا الكتاب فترة طويلة (لا أعلم إذا كان لا يزال ممنوع أم لا) قد ساهم في انتشاره. توقعت أن يكون أفضل من ذلك. ساءني احتقار الكاتب للبيئة البدوية والتندر من بعض التشريعات الإسلامية!
أعجبتني فطنة وذكاء وشاعرية الباحث في وصف مايلمح في بلدٍ غير بلدِه ودينٍ غيرَ دينِه وناسٍ أبعد مايكونون عن طبعِ أهله وناسِه؛ كان الكتاب رفيقًا ممتعًا ثم إنه ترك تساؤلات عميقة في الذاكرة .
بالرغم من كل المعوقات استطاع الرحالة (مارسيل كوربرشوك) التغلل داخل المجتمع القبلي، وتقصي الحقائق والقصص والأشعار المحظور تداولها في المجالس أو كتابتها وطبعها في الكتب.. كانت شجاعة بحق، أمتعني جدًا الكتاب خصوصًا رحلته لقبيلة "عتيبة".
أحزنتني لحظات الوداع بين الرحالة وشاعر الدواسر الكبير "الدندان".. ألف "كوربرشوك" كتابًا جمع فيه أشعار الدندان، وفاءً وحبًا له.. الكتاب لا يخلو من المبالغات والمغالطات الغير موثقة....