كان يبدو العالم لسيوران منافقا ومهنيا فوق اللزوم وقد عبر عن ذلك بمرارة شديدة أحيانا وبروح مرحة خفيفة في أغلب الأحيان. كان كأنه يريد الهروب من نوعه. "يقولون: إنه ليس من هذا العالم"، "وتلك هي الطريقة الوحيدة التي تؤثر فيّ حينما يُتحدث بها عني".
ينتمي إلى عائلة هؤلاء الذين يشعرون بالغربة في كل مكان، إلى عائلة المتغربين في الوجود، ابتعد عن المظاهر واقترب من أناه، تذوّق متعة عدم الفعل واجتناب المشاركة في حركة الجنون الجماعي، عاف من الحياة مظاهرها.. ذلك ربما كان أحسن دروسه التي ترك.. "دون أن يكون فيلسوفا محترفا أو شاعرا، كان يفكر بشاعرية"، تقول حنا آرنت عن ولتر بن يامين، وتلك حال سيوران أيضا.
سيوران، الرجل الذي ألهمته روح التشاؤم ليكتب، غاضب متشائم عدمي بإستمرار ،يرسل الرسائل الى نفسه دوماً، أنه لا مبرر للوجود.. لوجوده هو، ووجود الآخرين..
كتاب حميد زناز يطرح فكر وفلسفة سيوران عبر حوارات داخلية ومقتطفات وإقتباسات من سيوران وغيره حول أفكار الرجل ورؤيته الوجودية والحياتية والنفسية، الكتاب أشبه بـ كراس صغير يدون لنا الكاتب فيه حالات من تشخص سيوران في ذوات متعددة وربما تناقضات لتصل أخيراً إلى بؤرة التشاؤم والعدم..
يبدو أن سيوران كان يتغذى على تلك المفاهيم السوداوية، لقد كان يلبس لباساً يواري فيه معنى اللاوجود، أو الوجود الناقص كما كان يسميه، سيوران أعفى نفسه من تكاليف الحياة والوجود منذ أن بدأ الوعي الأول يتحرك في عالمه، راق لنفسه بشدة أن ينتمي الى تلك الأفكار التي تقتضي أن يمارس دور الرقيب الدائم على عدم رغبته في المكوث في الحياة وفي الوقت عينه الانتقال الى الموت، لأنها في رأيه تمثل عبثية ومهزلة لا تقل عن مهزلة ومأساة الحياة الانسانية نفسها ..
الأمر الذي حيرني فعلاً عندما أطلعت على فلسفته وأفكاره وقرأت له بعض الاقتباسات و كيف كان يعاني من وجوده وولادته كما كان يقول، تساءلت!! كيف يمكن لرجل كهذا أن يقضي نصف قرن وهو يكتب عن هذه الاشياء ويغوص في بحار التشاؤم والعدمية وينكر كل شكل من أشكال المعنى الوجودي!! بل كيف لإنسان كهذا أن يكتب أصلاً وأن يعبر عن تلك الانفعالات النفسية البالغة التعقيد وهو يتمتع بهذا القدر من اللامبالاة والتشاؤم نحو الحياة..
يبدو بشكل أو بآخر أنه كان يستعمل الكتابة كمادة تخديرية كان من خلالها يواجه الرغبة في الفناء، كان يزرع في نفسه بوعي او بدون وعي حالة من الترقي جعلته بعيداً عن فكرة الإنتحار مثلاً او العيش في عزلة ،ربما سيوران حالة فريدة، أن تتصالح مع ذاتها وتمارس الحياة والكتابة رغم تلك الحياة الغريبة التي مر بها والفلسفة التي عاش بها بكل مافيها من إنكار للذات والوجود والمعنى..
حقيقة حاولت جمع بعض الإقتباسات في الكتاب، ليس لسيوران فقط بل لمجموعة من الكتاب الآخرين الذين اضاف لهم حميد زناز هنا في كتابه بعض ما يتعلق برأيهم وربما بمشابهتهم لـ سيوران من نواحي عديدة.. بقي الأمر أنني لست معجباً بهذه الإقتباسات بالضرورة ولكن يمكن القول أني وجدت فيها حالة غريبة ومثيرة للجدل من التشاؤم والعدمية التي كانت في تفاصيلها وعالمها تمثل نوعاً ما من النزعة التشاؤمية لدى كل إنسان منا في داخله، تصيبه لا شك في لحضة من لحضات الزمن أو حالة من حالات الغياب القسري عن اللاشعور بالحياة.. هذه بعض منها .....
" الموت الحقيقة للإنسان هو ولادته "
" إن الشعور بالمنفى ووعي التغرب في الزمن الأرضي هو الذي يولد ذلك الحنين الى الماضي الأسطوري "
" الإستمرار في زيف الحياة بطولة كبرى!! "
" مارست فضحية الحياة كغيري، وأنا مستعد لممارسة فضيحة الموت أيضاً "
يقول برنارد شو : في الوجود كارثتان، الأولى عندما لا نتمكن من تحقيق رغائبنا، والثانية عندما نحققها كلها..
"الحياة تراكم من التفاهات "
" إن الوضع الوجودي الإنساني غير مقبول بالمرة "
" يمكن أن أقترف أي جرم، عدا أن أكون أباً "
لا يرى سيوران في الإنجاب غير حركات بهلوانية تتلوها تأوهات حيوانية!!
" أعظم سعادة للإنسان هو ألا يولد "
" مهمتي قتل الوقت، ومهمته قتلي، قاتلان متواطئان "
" ينبغي الإنصات الى المجنون الذي فينا "
" لا تبدو الحياة معقولة إلا لمن لا عقل له "
" السعيد من فقد كل أمل "
" نبقى عبيداً طالما لم نُشفى من عادة الأمل "
" حين لا افكر بالموت أشعر أنني أخدع واحداً بداخلي "
" أنا غريب في نظر البوليس، في نظر الله، وحتى في نظري أنا "
" إنسان يحترم نفسه، هو إنسان بلا وطن "
" منذ الصباح وحتى المساء، لا نصنع الا الماضي "
" سأكتب على مدخل منزلي : ' كل زيارة هي إعتداء ' أو ' ارحموني لا تدخلوا '... ' او ' كل الوجوه تقتلني '... او ' غائب دوماً '... او 'ملعون من يدق الباب '... او ' لا أعرف أحداً ' ... او مجنون خطير!!! '... "
" أميل الى الأم الهالكة والامبراطوريات المنهارة، أميل الى الذين تعبوا من انفسهم ومن العالم... أولئك الذين يؤمنون بالأمر المحتوم أتعاطف مع الممزقين والمعتوهين، أحمل وداً للمهددين والمتآكلين في كل مكان "
لايوجد هُناك مايصف شعوري تجاه هذا الكتاب الذي ألفهُ حميد زناز عن سيوران سوى هذه المقولة لنزار قباني
فإذا وقفتُ أمامَ حسنكِ صامتاً .. فالصمتُ في حرم الجمال جمالُ
أين المفر ياسيوران وكل ماتكتبه أو مايكتبُ عنك يأثرني إلى حدِ التوحد مع كُلِ حرف ٍ وكلمة ! وصف الكاتب لسيوران كان دقيق وصحيح تماماً ف كل الذين قرأو لسيوران لم يتشائمو بل على العكسِ تماماً كلماتهُ المتشائمة تلك أمدتهم بكثيرٍ من الحياة .
رغم أن نظرة الفيلسوف "سيوران" سوداوية للحياة إلا أنه غمرني بسعادة جعلتني أتفائل أكثر سأضرب مثال: عندما تشاهد فلماً تدفعك أحداثه للحزن والكئآبه ولكن إخراجه رائع حتماً ستستمتع بالمشاهده! .. وهذا حالي مع فلسفة "سيوران" استمتعت كثيراً بأسلوبه وإخراجه
لا أنصح من لديه أعراض كئآبة قراءة المزيد من فلسفاته خوفا ًمن تأثره به، حيث أنه يؤمن بأن آلام البشرية تبدأ مع ولادتهم لدرجة أن أمة قالت له ذات يوم: "لو كنت أعلم ما كان سيصير عليه حالك لكنت قد أجهضت وارتحت"ـ
يجب إطلاق العنان للتفكير وعدم حصر تفسير فلسفات "سيوران" على تفسير الكاتب حميد زنار
هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها شيئاً لهذا "الفيلسوف العَوّاء" الرائع، وسأقرأ له المزيد إن شاء الله
لماذا ولِدنا؟، لماذا أُخرجنا من "اللاوجود العذب"؟، لماذا وعِينا؟، ولماذا نعيش؟.. لماذا الموت أفقدنا لذّة اللاوجود؟، لماذا الأمل هو الشكل الطبيعي للهذيان؟..لماذا اللاجدوى أفضل مملكة في العالم؟..
لماذا تنجب البشرية؟، أَلأنّها تريد أنْ تنجب المزيد من النفوس المريضة؟، وإنْ وعِيتْ تلك النفوس لهلُكَتْ لأنّ في "الوعي منفى"؟..
لماذا سيوران سوداوي مبهر عظيم؟؟
إذن، تبدأ الخطيئة منذ ولادتنا، ولادتنا التي لم نقرّرها، ثم نتحمّل مسؤوليّة الحياة و ضجرها، نتحمّل العقوبة على جريمة لم نقترفها..
لمَن لم يقرأ لسيوران بعد.. هذا الكتيب يحلّل فلسفته السوداوية باختصار. محزن حقاً أنّ القليل من أعمال سيوران قد تُرجمت للعربية.
الكتاب خفيف يُقرأ في 3 ساعات على الأرجح يظهر على الكاتب حداثته وعدم خبرته, رغم وجود النزعة الأكاديمية
يحاول الكاتب الدخول إلى عوالم سيوران الفلسفية والفكرية ويحاول الإحاطة بالعوامل التي يبدع من خلالها سيوران لا سيما أنه صنف هذا الفيلسوف كثاني أكبر كاتب شذرات بعد الألماني (نيتشه) .. ولكني أجده أخفق نسبياً .. خصوصاً وأنه ألم بجانب واحد فقط من جوانب سيوران الفلسفية .. واضطر ليتمم عمله إلى ملء أوراقه بالاقتباسات التي جاءت أكثرها على غير وفاق مع أطروحاته التي يود إثباتها
ثمة بعض السقطات النحوية التي أزعجتني .. كما أجد أنه أخطأ جداً عندما حاول الإحاطة بفلسفة شخص كسيوران
لو لم أسود ورقا لكنت قتلت نفسى منذ زمان ، فالكتابة تحايل على الحياة ومطفأة للغضب، وكل كِتاب هو إنتحار مؤجل... فماشعر بودلير وفلسفة نتشة وروايات كافكا سوى نتيجة مرضهم ،فدستويفسكى شخص حول حالاته المرضية إلى رؤى ، ولو نجح الأطباء فى إبراء كافكا من قلقه وبروست من ربوه وبودلير من داء الزهرى لكانوا قد حرموا الإنسانية من أدب أساسى .................... عن فيلسوف الشذرات.. كتاب فلسفى بسيط ... قد يبدو عليه الكأبه الا انه يحوى الكثير من الحياة :)
سيوران فيلسوف سوداوي الى اقصى حد ،، رغم ذلك الكثير من شذراته تبعث في النفس نوع من المرح والسعادة في بعض الاحيان ،، وكما قال هو ان قراءة المتشائمين تجعلنا اكثر تعلق بالحياة ،، وفكرة ان نحافظ على الحياة من اجل السخرية منها فكرة مجنونة مبتكره. الكتاب بسيط وسطحي يعطيك نظرة اولية عن فلسفة سوران ويشوق لتعمق فيها
قرأت الكتاب قراءة متأنية واستمتعت بيه ودا أقل شيء ممكن أقدمه لأبويا الروحي، سيوران.
"دون أن يكون فيلسوفًا محترفًا أو شاعرًا، كان يُفكِّر بشاعرية."
"يبقى المرضُ في نهايةِ الأمرِ ذلكَ اليقينَ الذي يدلُّ على واقعيّةِ العالم. إنّه شرطُ حالةِ الوعيِ أساسًا. فلا وعيَ، ولا أدبَ عظيمًا، بمَنأى عن الألم." – المعنى والغضب
"من غيرِ جُرح، لا الشِّعرُ ولا الفنُّ ممكنان. ينطلقُ التفكيرُ أيضًا من سلبيّةِ الجُرح؛ فمن غيرِ ألمٍ وجُرح، يدورُ الشيءُ في إطارِ المألوفِ، والعادي، والمعتاد: الخبرةُ في جوهرِها هي المعاناةُ، التي تكشفُ فيها الغرابةُ الأساسيّةُ للموجوداتِ عن نفسِها في مواجهةِ العادي والمألوف." – خلاص الجمال، بيونغ تشول هان
يحاولُ الكاتب بشكلٍ ذاتيّ، وبمَنأى عن الموضوعيّة— التي يأبى سيوران التلبُّسَ بها كي لا يفقدَ تشخيصاتِه، "لم أكن إلّا سكرتيرًا لأحاسيسي، لم أُبدِع شيئًا."— تشريحَه من خلالِ تناولِ شذراتِه والتعليقِ عليها، والاقتباسِ من بعضِ نقّادِه ومحبّيه من المعاصرينَ له واللاحقين، وهو ما أثْرى قيمة الكتاب، بالرغمِ من الضحالة التفسيرية، وهو ما يُقرُّ به الكاتب نفسه: فكيف يمكنُ ادّعاءُ فهمِ أفكارٍ مغلّفةٍ في أثوابِ الشِّعرِ الأنيقة؟! من يُغامرُ في فنِّ تفسيرِ ما لا يُفهَم؟!
يأخذُ الكاتب سيوران موضوعًا للفكرِ في صورتِه الشعريّة، على أربعة محاور:
١ – مأساة الولادة. "الولادةُ نكبةٌ، فهي سقوطٌ حرٌّ في ورطةٍ لا خروجَ منها أبدًا، انحدارٌ إلى ما تحتَ الزمن. فأن لا نولدَ، هي أفضلُ صيغةِ وجودٍ على الإطلاق، ومع ذلك، فهي – للأسف – ليستْ بمتناولِ أحد."
٢ – مقاربةُ الوعي كمرضٍ، آفة، ولعنة.
"يبقى المرض في نهاية الأمر ذلك اليقين الذي يدلُّ على واقعيّةِ العالم. إنّه شرط حالة الوعي أساسًا. فلا وعيَ ولا أدب عظيم بمَنأى عن الألم."
"لو نجح الأطبّاء في إبراءِ كافكا من قلقِه، وبروست من رَبْوِه، وبودلير من داءِ الزهري، لكانوا قد حرَموا الإنسانيّةَ من أدبٍ أساسي."
"من الأفضل أن أكونَ حيوانًا بدل إنسان، وحشرةً بدل حيوان، ونبتةً بدل حشرة... وهكذا دواليك. لا أرغبُ أن أكون إنسانًا، أحلمُ بشكلٍ آخر من الانحطاط."
٣ – هل تتوافق الكتابة الأنيقة مع الفكر المتشائم؟ "لا يمكنُ لعدَميٍّ مُحبَط أن يكتبَ بهذه الموهبة وهذا الأمل طوال نصفِ قرن. كيف يمكنُ لإنسانٍ أن يُحافظَ على حيويّة عقلٍ كهذا إذا كان منخورًا من الداخل، وملغومًا بالمأساويّة؟!"
٤ – إعادة نظر في النسق السيوراني المتعذّر تصنيفه: نسق اللا نسق: "يَفنى كلُّ ما هو قابلٌ للتصنيف، ولا يبقى إلّا ما كان حمّالَ أوجه."
في الفصلِ الأخير، يُجيب الكاتب: لماذا نُحبُّ سيوران ونجد البهجةَ في قراءتِه؟ تأتي الإجابة من توماس مان: "إنّ كلَّ كتابٍ ضدَّ الحياة هو حثٌّ على العيش."
كلُّ كتابةٍ ضدّ الحياةِ قمينةٌ بأن تُصبح تسييرًا مُسالِمًا للعبث. إنّ قراءةَ سيوران تُعطي شهيّةً للحياة، إذ تخلق فينا كتبُه رغبةً كبيرةً في البقاءِ على قيدِ الحياة، لنتفرّجَ عليها بعيدينَ عن أهوالِها وجنونِها.
وهكذا ترى النور لأول مرة فلسفة تَسمحُ بالتفكُّه وخفّةِ الرُّوح، دون أن تفقدَ قوّتَها الدرامية، ودون أن تكفَّ عن مساءلة الوضعِ الإنسانيّ لحظةً واحدة.
لا أعتقد أن كتابا ً بهذا الحجم لهو قادر على الإحاطة بفلسفة و فكر (إميل سيوران) , على الإطلاق ! ثم إن هناك الحب , و الحب أعمى و يدفع للتطرّف ... أنا أحب نتاج سيوران , لكن الكاتب هنا دفعه الحب إلى كيل المدح دون حساب لمحبوبه ..
باختصار , يمكنك الاستفادة من هذا الكتاب في حالة واحدة , أن تراه " مدخلا ً " فحسب ..., أي هو أشبه بالتقدمة التي يقوم بها مدير حفلا ً ما لضيفه الذي سيلقي خطبة : لن تغنيك تقدمته عن الاستماع للضيف المبجّل بحيادية
سحقا! الكتابة رديئة، إلى درجة أقسم معها أن الكاتب (وسيرته تؤيد) يفكر بلغة أجنبية ثم يترجم أفكاره إلى العربية ترجمة بائسة وما يزيد عن نصف الكتاب مجرد اقتباسات من هنا وهناك لا تفيد في شيء، مجرد رغي واستعراض. أتفهم إن فلسفة سيوران نفسها لا توفر لأي باحث "قماشة" تفيد في حياكة ثوب لائق، لكن يظل كتيب صغير منضبط أبرك من عشرين كتاب لا يشكل البحث والتحليل فيه حتى أقل من الربع.
من حسنات هذا الكتاب فقط أنه عرّفني على فلسفة سيوران، وبعد عودتي لكتب سيوران المترجمة للغة العربية شعرت بأن هذا الكتاب ظلم إيمل سيوران كونه لم يكفيه حقه وهذا طبيعي كونه مدخل لفلسفته فقط.
إقتحمت الفكاهه قلعة الفلسفة عن طريق إستاذ من أساتذة المرارة ، وهكذا ترى النور لأول مرة فلسفة تسمح بالتفكه وخفة الروح دون أن تفقد قوتها الدرامية ودون أن تكف عن مساءلة الوضع الإنساني لحظة واحد ..*
"لا أحاور سيوران كلّه، بل سيوران الذي وصل إلى عنقِ الزجاجة". بهذه العبارة قدَّم حميد زناز كُتيّبه الصغير هذا، محاولاً أن يوضِّح للقارئ منذ البداية، أن كتابه هذا بعيد كل البعد عن أن يكون عرضاً للنسق السيوراني في وحدة متكاملة، فسيوران حسب الكاتب هو من الفلاسفة عسيري التصنيف والنمذجة، ولكن بعد قراءة هذه الصفحات القليلة يغدو سيوران أكثر عسراً على التصنيف، وصدق الكاتب في ذلك الادِّعاء. تأخذنا هذه الصفحات المتواضعة كمّاً، العميقة محتوىً، في رحلة عبر متاهات سيوران الفكرية، وتناقضاته الجمّة. وتُدخلنا في قسمات وجهه وهو يسخر ضاحك��ً من عبث الحياة وهولِ منظرها. هذه المراجعة قد تكون أطول مما تحتمل صفحات هذا الكتاب، لكن الواقع أن الدخول في عالم سيوران يحتاج وقتاً مُطوَّلاً لرسم خريطة الخروج منه.
قد يتوهم البعض أن الكتاب، ومن خلال عنوانه الفرعي بمثابة تأطير نظري لفكر سيوران، لكن الحقيقة أنه أقرب إلى السيرة الذاتية منه إلى عرضٍ لأفكار بصورة مذهب. والكاتب في هذا يُساير إميل سيوران في رأيه الذي يقول بأن الفلسفة الحقيقة تلك التي تكون انعكاساً لحياة الفيلسوف نفسها، هذه الفلسفة تغدو أكثر واقعية حين تنطلق من الجوانب المُعاشة للفيلسوف، بعيداً عن نحت المصطلحات التقنية، وإحاطتها بغلاف من الغموض ما يبعدها عن واقع الناس المُعاش. الفلسفة عند سيوران هي فلسفة الشعوب، لا فلسفة السلاطين. ووفقاً لذلك فإن فلسفة سيوران بمجملها نابعة من حنينه اللانهائي للعدم الذي فقده بمجرّد الولادة، فكارثة الولادة وتبعاتها، وعيش تناقضات الحياة، هو الذي ولَّد لدى سيوران شغف الكتابة المُتشظية تشظّي تفاصيل حياته، والتي تؤكّد استحالة نمذجة فكر سيوران أو تصنيفه.
يثير الكاتب مشكلة الهوّة بين أسلوب سيوران في الكتابة، ومحتوى ما يكتبه، أي بين الشكل والمضمون. فأسلوب سيوران الآسِر قد يثير في ذهن القارئ شكاً حول ما إذا كان ذهناً مشوباً بالمعاناة طيلة حياة صاحبه قادراً على أن ينثر على الورق مثل هذه الكلمات الجزلة و الآسِرة. وبرأيي الشخصي فإن أسلوب فيلسوفنا هذا قد جعل الكثير من النقَّاد يتغاضون عن الانتباه للتناقض في أفكاره، وهذا ما يُفسِّر قلة الكتب التي تتناول فكر سيوران بالبحث أو النقد. والمثير في الأمر أننا لن نستطيع اكتشاف مخارج لفلسفة سيوران التشاؤمية، لأن فلسفته لا تُقدِّم إجابات أو حلول، اللهم باستثناء المخرج الوحيد الذي أفصح عنه، وهو السخرية من الحياة، وهي أكثر ما يعيننا على قبول الاستمرار في العيش، لكن دون محاولة لاقتراف جرم آبائنا وأجدادنا، في التأسيس لكارثة ولادة جديدة أبطالها أبناؤنا وأحفادنا.
هذا الكتاب قليل الصفحات، كثير المتاهات، جذبني منذ أول كلمة قرأتها، حتى أنني أنهيته في جلسةٍ واحدة. أسلوب الكاتب آسِر كما الفيلسوف المقصود، لقد تقمّص زناز شخصية سيوران وأسلوبه، حتى غدا من الصعب أن أفرِّق بين كلمات الاثنين، وأودّ الاعتراف انني تهتُ أكثر ما تهت في خضم التعابير الآسِرة لكليهما، فوقفت جهودي في هذه المراجعة عند حدود العرض لا النقد، اللهم باستثناء بعض الانتقادات البسيطة التي لا يؤاخذ القارئ لو أنه لم يكشتفها.
كيفَ لِكِتابً عن "رَسُول التشَاؤم" و "نَبيُ التَحَللّ والدَمَار"، إميـل سيـوران (1911 - 1995)، أن يكونَ مُثيرً للأهتِمَام، وَيَجعل القارئ يُفكر في كُل كِلمَةً وسطرً؟!، الفَيلَسُوف الروماني الذي جَعَلَ مِن سُوداوية وعَدمية شُوبنهاور، وتشاؤم نيشته، يَبدوان كَنُزهةً في الحَديقة. يأخُذُنا الكاتب الجزائري حميد زناز في جولةً سَريعة ونظرةً خاطفة على فلسفة أحد أعظم فلاسفة القرن العشرين, الفيلسوف الذي تميز بأسلوبه المميز في الكتابة (الأسلوب الشذري)، الفيلسوف السوداوي المتشائم العدمي الذي كلما قرأته يجعلك تعشق الحياة أكثر، سيوران الفيلسوف الروماني... أبن القس الذي أحتج على كُل شيء من الدين إلى أصغر شيء في قصة الأنسان التي لا معنى لها. يقول الروائي الألماني توماس مان: " أن كل كتاب جيد ضد الحياة هو حثٌ على العيش. في هذا الكتاب نرى كيف أقتحم أستاذ المرارة قلعة الفلسفة، نرى الكوميديا السوداء ترقص مع الفلسفة دون ان تفقد الأخيرة قوتها الدرامية، ودون أن تكف عن مساءلة الوضع الإنساني للحظةً واحدة. مشكلتي الوحيدة هي بعض الأخطاء النحوية والتي أزعجتني بعض الشيء.
“لو لم أسوِّد ورقا لكنت قتلت نفسي منذ زمن” “ كل كتاب هو انتحار مؤجل”ً. “ يوجد نوعان من البشر المتفائلون فلسفيا والحزانى في الحياة والمتشائمون فلسفيا والجذلى في الحياة أنتمي للنوع الثاني” اعتقد بل متأكدة أنه سيكون كاتبي المفضل!! اعلم ان كتاباته من الأكثر تشاؤما على الإطلاق لكنه من فئة الفلاسفة المتشائمين في فلسفتهم والمرحين في الحياة هو ينبذ الحياة والولادة في كتبه وكتبه شخصيا تحث على الحياة! يتأمل سيوران ليصل في النهاية إلى أن الانتحار لهو شيء عديم الجدوى بل يحثنا على الاستمرار بالحياة للسخرية منها بل يقول ان من اعظم إنجازاتها ااستمرارهُ بالعيش ! ويرى سيوران في كتابه ان الموت الحقيقي للإنسان هو بولادته ويتسائل أليست الولادة سقوطا للروح في قبر الجسد؟ كما أنه أجاب حين سأله احد الفلاسفة انت ضد كل شي بعد1920؟ “ بل منذ آدم”
إميل سيوران.. ذلك الفيلسوف العظيم، موسيقار العدم، المتشائم الضحوك.. ابدع الكاتب في وصف فلسفته المتشائمة وكتابته الأنيقة وذكر الفكرة الوحيدة التي رافقت سيوران طوال حياته وهي رفض الحياة والتوق الى العدم..
"لم يكفّ سيوران عن الإشارة إلى تلك السكينة الأبدية - في العدم - لأنه يعتقد أن في عمق الإنسان توق حميم للعودة إلى وضع ماقبل حالة الوعي وهو ما يفسر في نظري حسرته المستديمة على فقدان البراءة والمعنى والحرية، ندم لا نهائي على ذلك الزمن الذي ترك السقوط منه فجوة سحيقة بين الأنا والعالم. ما أسعده زمناً لم يكن فيه الكائن البشري قد انحدر بعد إلى وعي ممزق..."
هي مجموعة من الاقتباسات ومحاولات لتحليل وفهم فلسفة سيوران، كتاب خفيف الحجم ثقيل المحتوى بفلسفة الجدوى واللاوجود التي اشتهر بها الأخير... حاول فيه الكاتب أن يسلط الضوء على أهم ما ركز عليه سيوران على مر السنوات في مؤلفاته، كان الكتاب مليئا بشذرات مرمية هنا وهناك لفلاسفة ومفكرين في محاولة منه لشرح هذا الفيلسوف المثير للجدل ربما! إن صح التعبير... كتاب يمكن اعتباره مدخلا مختصرا لعالم سيوران، لكنه ثري بما فيه الكفاية ليترك أثرا ويثير فضولنا للاطلاع على أعماله الأصلية.