_____الجماليات والقبحيات وثقافة المديح_____
"لا بد من الاتجاه لكشف عيوب الجمالي, والإفصاح عما هو قبحي في الخطاب, وكما أن لدينا نظريات في الجماليات فإنه لا بد أن نوجد نظريات في (القبحيات) أي في عيوب الجمالي وعلله, وهي نوع من علم العلل – كما في مصطلح الحديث" (59).
"المطلوب إيجاد نظريات في (القبحيات) لا بمعنى البحث عن جماليات القبح, مما هو إعادة صياغة وإعادة تكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه, وإنما المقصود بنظرية القبحيات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي" (ص 84).
..
يقول الغذامي هذا الكلام مستعرضاً نماذج - مثل أدونيس ونزار قباني وأبو تمام والمتنبي - كشف عن النسق الرجعي في خطابهم, خلافاً لما يوحي به المظهر التقدمي في تلك الخطابات.
من خلال ما قاله الغذامي, ودعوته, يمكننا معرفة رأيه في بعض "نقادنا" الذين يسهمون في تجميل القبيح ؟!
حيث
الأداة النقدية كمصطلح وكنظرية مهيأة لأداء أدوار التنظير لخدمة الجمالي وكشف القبيح, لكنها مع هؤلاء تتحول إلى أداة لخدمة القبيح بتجميله وتسويقه وفرضه على الاستهلاك الثقافي!
من منظور النقد الثقافي, لا ينبغي التمييز بين ما هو راقٍ وما هو غير راقٍ من النصوص, فكل نص يحمل دلالة يصبح مادة للنظر والتحليل, والنتيجة: الكشف عن ما هو جميل وما هو قبيح, والأهم النظر إليه كخطاب للكشف عن الشفرات والأنساق الثقافية فيه, وإخراجه من كونه عملاً أدبياً إلى كونه نصاً وخطاباً ثقافياً.
يقول الغذامي عن ثقافة المديح وخطورتها:
"الاختراع الشعري الأخطر في لعبة المادح والممدوح قد جلبت معها منظومة من القيم النسقية انغرست مع مرور الزمن لتشكل صورة للعلاقة الاجتماعية فيما بين فئات المجتمع, من ثقافة المديح التي تقوم أول ما تقوم على الكذب, مع قبول الأطراف كلها من ممدوح ومادح ومن الوسط الثقافي المزامن واللاحق لها, كلهم قبلوا ويقبلون لعبة التكاذب والمنافقة ودخلوا مشاركين في هذه اللعبة واستمتعوا بها حتى صارت ديدناً ثقافياً واجتماعياً مطلوباً ومنتظراً. وهي اللعبة الجمالية الأكثر فاعلية في الشعر العربي أيام عزه مما غرس هذا الخطاب المدائحي في الذهن الاجتماعي, مع ما فيه من قيم أخطرها صورة الثقافة الشحاذة المنافقة, وصورة الممدوح المصطفى من خلاصة الصفات المخترعة شعرياً وأنانياً مترفعاً بذلك عن شروط الواقع والحقيقة" (ص 94)
ثم يتحدث عن دور المديح في انهيار القيم الاجتماعية والتحول من روح الجماعة إلى "الأنا" فيقول:
"ولقد تصاحب هذا التحول مع نشوء فن المديح, والمديح والفردية وجهان لعملة واحدة, إذ لا يمكن للمداح إلا أن يكون فردياً متمصلحاً, ولا بد أن يكون كذاباً ومبالغاً, ولا بد أن يصور الباطل في صورة الحق, ولا بد أن ينتظر مقابلاً مادياً لكذبه البليغ" (ص 118)
-