تانى تجربة ليا مع صنع الله ابراهيم بعد قراءتى لرائعته "ذات".. صنع الله له اسلوب مميز جدا فى السرد..و بان جدا فى "شرف".. واقعى للغاية و مش بيعتمد على احداث روائية مثيرة او اسقاطات بل��اء من اللى معظم كتابنا بيعتمدوا عليها زى مثلا و بدون ذكر اسماء علاء الاسوانى..
صنع الله واضح تماما و واقعى للغاية.. بيحكى قصصه بمنتهى الحيادية و البساطة.. لا يحكم على اى من شخصياته ..معندوش رسالة عايز يوصلها لجمهوره.. يمكن بس تأكيده اننا مش عايشين فى بلد بل عايشين فى مستنقع...بيكتب بدون مبالغة او دراما .. وبتفاصيل كتير تخليك تتعايش تماما مع الشخصيات و الظروف اللى بيحكى عنها..
تميز صنع الله ابراهيم بيظهر كمان فى مزج الاحداث الواقعية بالاحداث الخيالية اللى ابتكرها, فى "ذات" مثلا, كان بيكتب فصل عن ذات -وهى بطلة الرواية- و فصل بيجيب فيه مجموعة اخبار عشوائية عن فترة زمنية محدده.. بيجيب تاريخ ناس كتير لم تعشه .. هو قدر يوثقه فى كتابه..بمنتهى البساطة و السلاسة ..
التوثيق ده كان واضح فيه جدا مجهوده و احترافيته و امانته.. و التوثيق ده بيخللى كتبه مش مجرد روايات مهمة بتعكس واقعنا الكئيب.. ده كمان بيخليها بحوث مهمة لتنوير الناس و تعريفهم بكيفية حدوث هذا السقوط المدوى و مدى عمق المستنقع اللى احنا عايشين فيه.. و قدرة طبقة المتربحين من الانظمة العفنة دى على الحفاظ على هذه المنظومة الوسخة لضمان مستوى ثراء هستيرى لهم و لعشرات الاجيال من عائلاتهم من بعدهم...
اختيار كلمة "البحث" بالتحديد هو الوصف المناسب لكتب صنع الله.. اقرا مثلا الجزء اللى كتبه على لسان الدكتور رمزى ...كمية التفاصيل و الوقائع و الاحصائيات و البلاوى المتلتلة اللى بيذكرها مهمة للغاية و تخليك تبص على الصورة الكبيرة .. وما اشد حاجة الثوار المصريين الى انهم يبصوا على الصورة الكبيرة ...
يمكن ناس هتتضايق من النهاية "المقتضبة" للرواية.. بس حسيتها عادية و منطقية كعادة صنع الله... حياة رتيبة كئيبة مملة مؤسفة مفهاش شىء مثير او خارج عن النمط غير الحادثة اللى ادت الى دخول شرف السجن.. لكن بعد كده الحياة بتمشى برتابة كما هو متوقع.. النهاية المقتضبة كانت لأن مفيش نهاية.. الحياة تستمر على هذا المنوال من الرتابة .. عادى قوى..
رواية ممتعة فيها تفاصيل كتير تجبرك انك تركز و انت بتقراها عشان تستوعب الكلام.. طويلة و ممكن تزهق شوية فخد بريك و ارجع كملها...
اكتر اجزاء استمتعت بيها واستفدت منها كانت جزء دكتور رمزى و هو بيتكلم على المهازل اللى بتحصل بتخطيط القوى الاستعمارية و عمالة حكامنا.. المسرحية اللى اتعملت فى السجن للاحتفال بحرب اكتوبر.. وحكايات و قصص مساجين كتير .. صنع الله ابراهيم رائع للغاية ...
لازم تقروها وش يعنى..
ملاحظات سريعة:
1-صنع الله هواه ناصرى و كاره تماما للسادات.. وهو شىء متوقع و منطقى.. بيفكرنى بكلام جلال امين تعليقا على الرئيسان.. قال فيما معناه انهم كانوا كارهين عبدالناصر نظرا لجبروته و ظلمه...لكن مقارنة بالسادات والايام اللى شافوها معاه فعبدالناصر كان عظيم!
2- عجبنى تفصيلة ان الدكتور رمزى مسيحى مش مسلم.. صنع الله حكى بسرعة على لسان دكتور رمزى شعور المسيحيين و تخوفهم من عبدالناصر.. وشرح ازاى عبدالناصر فوت فرصة عظيمة للقضاء على الطائفية فى مصر و مساواة المسيحيين بالمسلمين ..
3- الكتب اللى اعتمد عليها صنع الله كتب مميزة و اغلبها كتب لكتاب مهمين و ثقة .. + شهادات الناس و منظمات حقوقية -ذكر مركز النديم - اللى ساعدوه فى معرفة كتير من تفاصيل حياة السجن ناهيك عن البيروقراطية المصرية و اجراءات السجن الكئيب ده..