لولا الطلليُّ لما حدث الشعرُ فلابد لكي تفتح عينيها الواسعتين قصيدة أن يحترق الأزرق في الأفق وأن تنتقل بيوتٌ للريح وأن يكتظ القلب خسارات وهو يرى الأحباب تطيش بهم في السفر الوحشيّ مسافات عمياء بعيدة
صدر للشاعر محمد عبدالباري ٤ دواوين: مرثية النار الأولى ٢٠١٣ كأنك لم ٢٠١٤ الأهلة ٢٠١٦
شاعر سوداني ولد في الرياض وتلقى فيها دراسته حتى الثانوية ثم أكمل دراسته الجامعية في الجامعة الأردنية . استشرافية شفافة . تناقلته الصالونات الشعرية والمنتديات الأدبية في شتى العواصم العربية. فاز ديوانه الأول ( مرثية النار الاولى ) بجائزة الشارقة للشعر، وفاز ديوانه بجائزة السنوسي الشعرية لعام 2016 عن ديواني الثاني (كأنك لم..) دواوينه : - (مرثية النار الأولى ) الفائز بجائزة الشارقة في الشعر عام 2013 - ( كأنك لم ) صدر بتاريخ 20 فبراير، 2014 وفاز ديوانه بجائزة السنوسي الشعرية لعام 2016
كـ قارئ لدواوين عبدالباري السابقة، ومتابع جيد لجديده وأخباره وما يَجِدّ عليه في حياته بسبب الأصدقاء المتقاطعين بيننا، فقد أربكني هذا العمل! عبدالباري لم يعد أزرقًا -وإن كان هذا العمل أشد أعمال عبدالباري زرقةً كما يقول الناقد عدي الحربش- إلا أنه فعلًا.. من كتب هنا، من كتب هذا الديوان، من قسّمه على ثلاث جبهات؛ هو - هي - هم. لم يعد هو هو ذاته الذي كتب ( مالم تقل زرقاء اليمامة ) و ( إلى الضد من وجهة الريح ).
ملخص هذه المقدمة الطويلة، أن هذا الديوان لا يُقرأ خارج سياقه الزمني/الظرفيْ للشاعر. فحتمًا لن تفهم كل المعارك الواضحة/الخفية التي لَمَح وأكّد لبعضها في هذا المشروع الذي كتبه في سنتين تقريبًا.
من لم يقرأ لعبدالباري، فأرجوك، لا تقرأ هذا الديوان قبل (الأهلّة) أو (كأنك لم)، فأنت ستُخرِج عبدالباري من سياقه، وستخرجه من سياق التاريخ.
عودة:
افتتاح عظيم للديوان بقصيدته التي يُعلن فيها مباشرةً وبشكل صادم للقارئ؛ لم يبقى لنا -وإن أعلنا عن بعض هزائمنا- إلا المقاومة:
" يامن عرفتُكَ بالتماسُكِ مولعا حريّةُ الجدرانِ أن تتصدّعا
ضاق المدى المكتوبُ باسمكَ فلتكنْ أنتَ التشظّي فيه كي يتوسعا
لك أن تدوّيَ غاضبًا من عالمٍ أخفاكَ وليكن الدويَّ المفزعا "
يالله! ما هذه الاستهلالة التي تخنق أنفاسك بسبب سرعة وتيرتها!؛ وليكن الدويَّ المفزعا!!
ثم استنصف ديوانه بإعلان هزيمته التي سَلَبت منه زرقته -كما يعتقد- وأضافت لشعره زرقةً لا تغيب عن القلوب التي تُبصِر؛
" فيا سلمى التي لا شكَ فيها وغيرُكِ يستوي كذبًا وصدقا
أنا بكِ في المجانين القدامى بأولِ ما تيسّر منكِ أُرقى
عديني أنْ سنلمعُ في حياةٍ موازيةٍ لنكمل ما تبقّى "
وأما الختام، فأجاد الشاعر محمد عبدالباري إغلاق ديوانه بقصيدة (الشهداء) ليجعلها آخر رسائله التي أراد أن يُخلّدها، فهي تعني له؛
" نُعاتبهم في أنهم حين شذّبوا زوائدَ ما في العمر جاءوا ليذهبوا "
سُرقت خصوصيّاتُ وجهكَ كلُها وتُركتَ ما بين الوجوه موزّعا
ومُنحتَ حين مُنحتَ قفلا لا فمًا متكلما وسلاسلاً لا أضلعا
وأُصبتَ وحدكَ بالرجوعِ فلم تزل كالذكرياتِ تودُّ أن تُسترجعا
أُبعدتَ من سربِ الحمام مُطَمْأناً وأُضفتَ في سربِ الحمام مُروَّعا
ودُفنتَ في الغيبِ الذي لا لن يُرى أبدا وفي السر الذي لن يُسمعا
وحُرمتَ من ثقةِ الينابيع التي بين الصخور تجاسرتْ أن تنبعا
وجُعلتَ تخسر ُ ثم تخسرُ حدَّ أن أصبحتَ في فنّ الخسارةِ مرجعا
***
يا صاحبَ الساعاتِ صوتُ فنائها يدعوك فلتذهب إليها مسرعا
قبل انتهاءِ الماء أعلنه انقلابَ الماء كي يلد المصبُّ المنبعا
قاومْ ضبابَ الروحِ فيكَ وقل له لابدّ عني الآن أن تتقشعا
قشّر تجاعيدَ النهار ليزدهي وجهاً وحكَّ الليلَ حتى يلمعا
وأزلْ حدودكَ عن حدودك كن هوىً في ممكنٍ للمستحيلِ تطلّعا
فيما يخصُ شخوصكَ العشرين دع منها المفاجئ يطرد المتوقعا
وأضفْ إليكَ من الزوايا حدّةً حتى يصيرَ الدائريّ ُ مربّعا === أحببته، والقصيدة الأولى فيه هي درّة تاج الديوان النجمتان الهاربتان من التقييم لا تؤثر على جودة العمل
استهل محمد ب "يا من عرفتك بالتماسك مولعًا حريّة الجدران أن تتصدّعا"
وكيف لي أن لا أكمل الديوان في جلسة واحدة؟
"قاوم ضباب الروح فيك وقل له لا بدّ عني الآن أن تتقشعا قشّر تجاعيد النهار ليزدهي وجهًا وحكّ الليل حتى يلمعا وأزل حدودك عن حدودك كن هوى في ممكن للمستحيل تطلّعا فيما يخص شخوصك العشرين دع منها المفاجئ يطرد المتوقعا" الله عليه الله.
الديوان ككل لوحة لا تمل، أعدته مرارا فلم يُذهِب ذلك ألقه، ولكن الجزئين الثاني والثالث يصيبان الهدف تماما: هدف خلق علاقة مباشرة بين القارئ والخسارة. المفضلة من الديوان: (فشل تجربة صوفية) (تقرير الوحشة) (الشبابيك في سهرها الأخير) (آخر الرايات) (الشهداء) "ولا تكتبونا دائما كل فكرة تقاد إلى زنزانة حين تكتب" أقول: بل الفكرة في سمائها ترقص احتفالا بهذا التحرير.
لا أقول إلا كما قال جاسم الصحيح : "يمتطي فرس المجاز من الغلاف إلى الغلاف دون أن يعثُر في حاجزٍ أو يكبو في شوط ... هذه النصوص الناضجة على الصعيد الفني نضوجا فاتنا، لا تُسلِّم قطوفها بسهولة للقارئ وإنما تُغريه بفتنتها لأنْ يتسلق شجرة كل نص للوصول إلى قطوفها غير الدانية"..
يتجسد ذلك في ومضتين من الديوان:
"بحرٌ ويخشى بأن ينتابه البلَلُ" "مُستَنِدٌ في غيمةٍ جبلُ"
وغيرها وغيرها مما يدعك تطبق دفتيّ الديوان وقد اعترتك رغبة بأن تعيد قراءته م�� جديد..
/
اقتبست الكثير - ولا غرابة- :
إنني بعدكَ قلبٌ خزفٌ.. هاربٌ من حجرٍ مرتطمِ
حالما بالضفة الأخرى وكم يحلمُ الفارغُ بالمزدحمِ
يا دمي لست أساويك سوى بالتي لا اسمَ لها إلا دمي
هي ما أفتتح الآن به فقرتي في مهرجان الندمِ
إن نأتْ عني فمنأى قمةٍ عن مصابٍ برهاب القمم
/
ظننتُك فكرتي وشككت أني سهرت عليك تكوينا وخلقا
/
غدا سأكون كالتابوت قلبا وكالبالي من الرايات خفقا
فيا سلمى التي لا شك فيها وغيرك يستوي كذبا وصدقا
أنا بكِ في المجانين القدامى بأول ما تيسّر منكِ أُرقى
عديني أنْ سنلمع في حياةٍ موازيةٍ لنُكمل ما تبقى
وحيث أقول في الأبدي أني أحبك سورةً نزلتْ لتبقى
وأما الآن والأرواح نقصٌ وليست عروة الأيام وثقى
ستأخذك الرياح الآن مني ويا كم يأخذُ الأقسى الأرقّا
ولكني وعدتُ بأن أوالي زيارة قصرك الليليّ برقا
له أن يغلق الأبواب دوني ولي أن أوجِع الأبوابَ طرقا
/
أحبك لكن البدويُّ مني يميل مع السحابة إذ تميلُ
ولم أصل المنازل بعدُ مما أريدُ ولا تناهى بي السبيل
أحبك غير أني كنتُ مني أُطِلُّ على الحياة ولا أُطيلُ
تراءى لي هواكِ كما تراءى لمُختنقٍ هواءٌ مستحيلُ
سأذهب لا استراحت من ضلوعي مداخنها ولا بردَ الغليل
وحتى لم يقُلكِ فمي تماما فأنتِ كثيرةٌ..وفمي قليلُ
/
تحمي ألوهتها من الشبهات بالصمت الجليل وبالعلوّ وبالغياب
ولأنها كانت تريد الذات سالمةً تماما من خدوش الآخرين تعوّدتْ ألا تساومَ في حراسة منزلٍ من دون باب /
إنني أنتَ كلانا لا يرى في الطمأنينة إلا شَرَكا
وكلانا ترك القلب سدىً وتناءى ناسيًا ما تركا
غير أني لي من الموجعِ في فشل الفكرة ما ليس لكا
لي انتقالاتي في ألف فمٍ حدّ أن أصبحتُ معنىً مُنهكا
لي كآباتُ وجودٍ لن يُرى وأسى ماهيّةٍ لن تُدركا
لي ثلاثون صراخا هي من أورثتني صوتيَ المنتَهكا
لي هوىً سمّيتُه منتزهًا ثم سمى نفسه مُعتركا
/
نُعاتبهم في أنهم حين شذّبوا زوائد مافي العمر جاءوا ليذهبوا
نفكّر فيهم كيف مروا بنا ومن خلال فراغات الوجود تسربوا
نفكر فيهم موتهم مُتقنٌ كأنْ لعدة مرات عليه تدربوا
يلوحون فينا من شبابيكهم وهم يقولون: لا تبكوا علينا وتندبوا
ولا تشرحونا فالخلاصات دائما تُريح كما أن التفاصيل تُتعِبُ
ولا تكتبونا دائما كل فكرةٍ تُقاد إلى زنزانةٍ حين تُكتبُ
/
نعم أخذونا للنهايات كلها على أنهم ظن النهايات خيّبوا
فقد كسروا ضيق الثنائيّ إنهم تماما تماما حاضرونَ وغُيّبُ
ملوك ارتجال المشهد الصعب أبدعوا النصوص الأعالي دون أن يتأهبوا
مناوبةً يا آخر الوقت إننا نصلي عليهم ما استراحوا وأتعبوا
/
طالت الشكوى وإن كان الأسى أنّ مابي ليس مما يُشتكى
عافِني من طول نصٍ لم أكُن فيه إلا هامشًا مستدركا /
إن كنتُ قد سمّيت نفسي فارسا قبل اندلاع المعركة فها أنا أصحّح المعنى الذي تعبت حتى أدركَه: لا حظ للكمال في الكمال إن لم يُختبَر
/
كم أنتَ تتخذ الهواء ملامحا وتزورني لا غامضًا لا واضحا
/
حتى أسى التوقيت ثم دائمًا خطآن بينهما أظلُ مُراوحًا:
خطأ التسرع يا تسرعي الذي لمس المكان مهاجرًا لا سائحا
خطأ التأخر يا تأخري الذي منع المراثي أن تكون مدائحا
/
دعني أراك فإنني ما زلتُ في رؤياك أشكو النقصَ نقصًا فادحا
أرجوك كُن قصرًا يدلل مترفًا أو خيمة تؤوي إليها نازحا
كن ما أردتَ خسارةً، ربحًا، فكم علّقتني لا خاسرًا لا رابحا
ما عدت أحتمل الوجودَ أنا أرى في كل أشكال الوجود فضائحا
/
لا رجفةً بين الضلوع ولا هوىً آتيه مجروحًا وأذهبُ جارحًا
/
وموتٌ تصاب الموسيقى به إذا وترٌ في الكمانِ اطمأنْ
فقلها مضاءً بأسبابهم: إذا لستَ لي يا أسى فلمن؟!
/
وياكم تضيق المنافي بهم وأول هذي المنافي الوطن
/
وأهلي وأعرف قلبي الذي لغير منازلهم لا يحنْ
/
خاوون أنتم كمعنىً في لعبة لغوية
وبائسون كردٍّ مفتّشٍ عن تحية
وباطلون كمثل الـ صلاة من غير نيّة
/
نريدك يا كل فكرتنا عن طبيعةِ ما في الحقيقة من ضدها إنما تتناسلُ في المكتباتِ رفوف الظنون
/
يا بلادي لك كل الوعد منا سوف ننهار لكي نبنيك، نبنيك دويّا وشعاعا فاطمئني، ودعينا باسمك المطلق نجتاز الصراعا إنه صوتك فينا وله مستقبلٌ غير التلاشي إنها نارك فينا ولها مستقبلٌ غير الرمادِ
/ يا من عرفتُكَ بالتّماسُكِ مولعا حرية الجدرانِ أن تتصدّعا
ضاق المدى المكتوب باسمك فلتكُنْ أنتَ التشظي فيه كي يتوسّعا
لك أن تدوّي غاضبا من عالمٍ أخفاكَ وليكُن الدويَّ المُفزعا
/
شاهدتَ عمركَ وهو يرفع رايةً بيضاء كم نزفتْ لكيلا تُرفعا
وأُصبتَ وحدك بالرجوع فلم تزل كالذكريات تودُّ أن تُسترجعا
ودُفنت في الغيب الذي لا لن يُرى أبدًا، وفي السر الذي لن يُسمعا
وحرمت من ثقة الينابيع التي بين الصخورِ تجاسرت أن تنبعا
وجُعلت تخسرُ ثم تخسرُ حدَّ أن أصبحتَ في فنّ الخسارة مرجعا
قاوم ضباب الروح فيك وقل له لا بد عني الآن أن تتقشعا
واقتل رضاك وبالتحرر من أسى هذا الرضا لا تنسَ أن تستمعا
/
الأمل ثلاث مراحل: أن تبدأ بنيان الحائط بالشباك وأن تتوسط بين الموجود وبين المعدوم وأن تنهي عمرك تحت خلاصة زيف مزدوج في معنى: ألا تمتلك الأشياء وتخشى أن تفقدها
لا يتسع الحرف في وصفه فهنا يسكت الكلام ويُبدي الإنصات انتباهًا واضحًا، له كل الوقت بل يسرق الوقت دون أن تشعر خفيفا رغم ثقل قيمته، رشيق المعنى بالرغم من عمقه. ستتعمق في كله وتقف عند بعضه وتنقد شيئا منه إلا أنك ستصل في نهايته إلى تمام الرضا وتعترف جديًا بأهمية ما كُتب.
ديوان شعر قصير للشاعر السوداني المُبهر محمد عبدالباري، أحد الشباب المُتربعين علىٰ عرش اللغة في زماننا الحالي، فـلا يسعُني وصف مدىٰ روعة ثروته اللغوية التي نقلت التجربة الشعرية في هذا الديوان إلى عالم آخر، من الوصف الواقعي، إلى دمجه لهذا الواقع بخيال تشبيهاته الخلّابة.
كانت سلاسة اللغة ومرونة انسيابها بين الأبيات أجمل ما في هذا الديوان، فكان الشاعر دائمًا ما يجد الكلمة المناسبة، في الموضع المناسب، لإيصال الشعور المناسب، كتابته مُتقنة، ومن النادر ما نجد هذا الأمر بين شعراء العصر الحالي، أن تجعل اللغة تأخذ مجراها دون فرض سلطتك عليها وإخضاعها، أن تتحكم فيها دون أن تقتلها، يعني أنك شاعرٌ متمرّس.
هل هذا يعني أن محمد عبدالباري هو أحد شعرائي المفضلين الجدد؟ ليس بالضرورة.
ولما ذلك؟ لأن عبدالباري يكتب للخاصة وليس للعامة (في أغلب الأحيان)، فينظم الشعر عن حالته الشعورية الخاصة، في مواقفه الخاصة، وعلاقاته الخاصة، فمن الصعب أن تفهم جميع قصائده إن لم يأتي شارحاً لك معناها، أو على الأقل لن تستطيع فهم المعنى كاملًا..
هناك بعض القصائد التي تميزت عبر الديوان، لعل أبرزها هي قصيدته في مطلع الديوان.
رائع كما هو العادة لكن يبدوا و كأنه امتداد لديوان الأهلة بحسب تصوري، بعدما شاهدت لقاء عبدالباري في برنامج الوراق وتأثره بتجربة الفيتوري ومحمد عبدالحي، وحديثه عن البعد الإفريقي في القصيدة كنت أنتظر هذا البعد في ديوانه لكن يبدوا أنه سيكون في ديوان آخر
عصرٌ مريضْ ممنوعةٌ فيه الجبالُ عن التعالي والرياحُ عن التحركِ والنجومُ عن الوميض
قبرٌ زجاجيٌ بحجم الأرضِ تنتحبُ المنازلُ فيه والصلواتُ تُمعنُ في التحلل بين أعمدةِ المعابدِ والمسارحُ تنتجُ الأشباحَ والطرقاتُ بالموتى تفيضْ
عصرٌ ويصغرُ أن يكون صديقَنا حتى ويصغرُ أن يكون عدوّنا ستظلُ مهنتنا الترفعُ عنه عن كل الرماديّ المكثّف فيه: مَنْ أمرَ الفراشةَ أن تبيعَ نصيبها في اللونِ عن كل الحديديّ المسنّنِ فيه: مَنْ أمرَ الحمامةَ أن تعودَ جريحةً وكلا جناحيها مهيضْ
الكلُ فيه يعيشُ لحظةَ ما يعيشُ فقاعةً شبحيّةً صفراءَ ثمّ الكلُ فيه يظنُ لحظةَ يعبدُ السطحيَّ أنَّ البحرَ بالغَ في حوار الذات ثمّ الكلُ لحظةَ يحملُ المرآة فوق الظهرِ نرسيسٌ وسيزيفٌ معاً يا صاحبَ التاريخ إن تكن العصورُ لها نصيبٌ في العناوين العريضةِ إنه الغثيانُ عنوانٌ لهذا العصر عنوانٌ عريضْ
هو بعضُ ما يبقى من الطرقاتِ تخذلها الجهاتُ الستُ ما يبقى من الشهواتِ يخذلها دخانُ القلبِ ما يبقى من الكلماتِ تخذلها رمالٌ في الدلالةِ ثم تطويها من النصف الرياحُ فلا يدّلُ على النقيضِ سوى النقيضْ
لا فرقَ في الأسماء قل هو عصرُ ما بعد الحقيقةِ أو فقل هو عصرُ ما بعد الحداثةِ أو إذا ما شئتَ قل هو عصرُ ما بعد الحضيضْ
هذا الديوان تجربة فريدة لكل محب للشعر ولكل من يحب أن ينظر إلى الحياة بعيون شاعرٍ رقيق، عذب، ثائر، محب للحياة. محمد عبدالباري، اسم بارز في المشهد الشعري العربي، من خلال متابعاتي المحدودة للساحة الشعرية، أنا مؤمنة بأن محمد نجح في الصعود باسمه كشاعر وأن اسمه سيبقى طويلا من بعده. برأيي يتميز عبدالباري أكثر في أبياته العمودية، وينجح دائمًا في أن يقول كل شيء بطريقة جديدة ومتفردة، فالشعراء يتحدثون دائمًا عن ذات المواضيع ولكن ما يميزهم هو أسلوب كل واحد منهم،
عن التفرد والثورة على السائد يقول محمد عبدالباري: فبغير هذا الأحمر الثوري في عينيك لن تجد القصيدة مطلعا
وعن الفراق يقول: له أن يغلق الأبواب دوني ولي أن أوجع الأبواب طرقا
ويقول عن حب الحياة: على الضد من كل هذا نريدك يا فرحتنا بالحياة سعيدون نحن بأن نتخلف عن حفلات الحفاوة بالعدمي ففي آخر الأمر في المنتهى يا لها من مغامرة أن نكون!
أحب الشعر لأنه يعطيني منظورًا مختلفا للحياة، ويا لها من تجربة أن تقرأ لهذا الشاعر العظيم وتمتلئ روحك بكلماته الرقيقة المحببة نعم روحك، لأن الشعر يخاطب أرواحنا منذ الأزل
بداية أجدني محظوظة كوني حصلت على نسخة موقعة من الديوان
وأجدني محظوظة أيضا كوني حضرت أمسية الكاتب وجلسة حوارية معه عند قدومه للمملكة.
ما يلفتني في قصائد محمد عبد الباري أمران أولهما: هو الثنائية العجيبة التي تحويها، أذكر منها ما تمكنني ذاكرتي من استعادته : الوجود الخفي ، إذ لست أرى في التراجيديٌ إلا الضحكا ، وحتى بالأسى المبتسم، تظل بالموت حية فنجد المعنى ونقيضه في ذات البيت، وأجِد أن استخدامه للتضاد استخدامٌ مدهشٌ ملفت. والأمر الآخر هو: ثقافته الواسعة التي يلمسها القارئ لقصائده ويجدها جلية واضحة. أيضًا لفتتني ولامستني آخر قصيدتان كوني سودانية وكونهما تتعلقان بثورة السودان.
عمل بديع جدًا وقصائد رفيعة المستوى
This entire review has been hidden because of spoilers.
"يا من عرفتك بالتماسك مولعا، حريةُ الجدران أن تتصدعا" يا لها من بداية وكالعادة يعتلينا الانبهار والدهشة لجمال ما لكلامات الكاتب من وقع ومعاني. - وقال في الامل " و أن تُنهي عمرك تحت خلاصة زيف مزدوج في معنى : ألا تمتلك الأشياء وتخشى أن تفقدها.." -تراءى لي هواك كما تراءى لمختنقٍ هواءٌ مستحيل.. -وموت تصاب الموسيقى به إذا وتر ٌ في الكمان اطمأنْ فقلها مضاءً باسبابهم : إذا لست لي يا أسى فلمن؟! -عافني من طول نصٍ. لم أكن فيه إلا هامشاً مستدركا. بعض القصايدة اللتي اعجبتني ككل وبت اعيد تكرارها.. (فشل تجربة صوفية ، حبٌ مصاب بالسفر ، نشيد الصعاليك ، تقرير الوحشة ، الشبابيك في سهرها الأخير)
ديوان من الشعر الفصيح، صغير الحجم، عظيم القدر، أنيق الهيكل، رشيق اللفظ، ساحر المعاني، يضع الشاعر محمد عبدالباري بثقة في الصف الأول لشعراء العربية في عصرنا الحاضر. لا أذكر انني شعرت بمتعة لقراءة ديوان شعر -وانا المحب للشعر- بقدر متعتي وطربي اثناء قراءة قصائد هذا الديوان الرائعة. وفي كل مرة أعيد وارفع صوتي بالقراءة طرباً واستمتاعاً لسحر البيان وجمال وعذوبة المعاني. محمد عبدالباري يتعامل مع اللغة كالصلصال في يد نحات مبدع، فيعجنها وتخرج من بين أصابعه منحوتات عظيمة، من سهل اللفظ الممتنع. هذا الكتاب رغم قلة عدد صفحاته، لايمكنك الإنتهاء منه بسهوله.