بعد عشرين عاماً من العمل ينهي "سالم" خدمته في خيالة الدرك، ويعود إلى بيته وأسرته في دير القرن، جالباً معه الرفيق الوحيد الذي ظل معه كل تلك السنوات: حصانه. تتباين مشاعر أفراد الأسرة نحو هذا الضيف الذي سيصبح الآن جزءاً من العائلة. تدور سلاسل الحكي بين الأبناء الخمسة والأم، وفيما هي تدور تنسج حكايات، وتبني عوالم. في روايته هذه، يكتب "ممدوح عزام"، بأسلوب جديدٍ ومختلف عن رواياته السابقة، حكاية عن عائلةٍ بسيطة تعيش طمأنينتها وخوفها، تسليمها ورفضها، سلامها وصراعاتها، لتحرّك في دواخلنا تساؤلات وتأملات لا تنتهي، فيما الحرية تكتب بمعناها الفسيح فصل النهاية.
ممدوح عزام كاتب وروائي سوري امتاز بسلاسة كتاباته وتشويقها وبأسلوبه الروائي الساحر يشد القارئ إلى عالمه فيعتبر من الروائيين المؤرخين للعصر الحديث في سورية بكتاباته الأدبية ولد في عام 1950 في محافظة السويداء اشتغل في التعليم مدرساً في نفس المحافظة وهو عضو في جمعية القصة والرواية السورية. صدر له من مؤلفاته: •نحو الماء، مجموعة قصصية، 1985 . •معراج الموت، رواية، 1987 . حوّلت إلى فيلم سينمائي بعنوان «اللجاة »، من إخراج رياض شيّا، وإنتاج المؤسسة العامة للسينما .1993 •قصر المطر، رواية، 1998 . •جهات الجنوب، رواية، 2000 . •الشراع، مجموعة قصصية، 2000 . •أرض الكلام، رواية، 2005 . •نساء الخيال، رواية، 2011 . •أرواح صخرات العسل، رواية، 2018 .
ممدوح عزام يُثبت لي بأنه سفاح السرد في الرواية العربية بعد ثلاثة أعمالٍ قرأتُها له
منذ البداية أعجبني التقاطع بين العنوان وديوان محمود درويش ، لماذا تركتُ الحصان وحيداً ؟ ، لكي يؤنس الدار يا ولدي ، الحصان هنا هو رفيق عمر الدركي سالم النّجار، رفيقه في خدمته الحدودية وصراعه مع المهربين والثرثرية، فهو هُنا عنصر أساسي وشريك رئيسيٌ في الأحداث
اتبع ممدوح عزام أسلوبه المفضل في الحكي، اصواتٌ متعددة، كل واحد منها يسرد الأحداث من منظوره الخاص، وعندما تجتمع هذه الأصوات ككلٍ واحد تظهر الرواية كنسيجٍ وبناءٍ محكم التفاصيل، هذا الأسلوب الذي يسمح له بتقديم الحكاية لتبدو مفككةً خلال الصفحات، عظيمةً في النهاية...
ومع هذا النوع من السرد لم يعطِ عزام كل الرواة اللغة نفسها،بل اتت لغة كل راوٍ مناسبة لسنه وثقافته، فلغة نوفل مثلاً منطقية، فيها جمل صعبة ومونولوج داخلي مميز ، على عكس لغة واصل الابن الأصغر والذي غلب على لغته الحس الطفولي والمقاطع المفككة..
الخلفية التاريخية التي قدم لنا منها عزام بعض اللمحات مميزة وأعطت الرواية الحيوية، وصول حزب البعث لحكم سورية، قصف دمشق وأخبار جمال عبد الناصر، الضغط الممارس على الشيوعيين منذ ذلك الوقت !
النهاية أتت كما يجب أن تكون ببساطة هي رواية متكاملة بالنسبة الي !
لا أجد كلمات أعبر بها عن مدى تعلقي بروايات ممدوح عزام و مدى امتناني لقلمه. رواية "رائعة" او "عظيمة" او غيرها من المفردات اجدها فارغة المحتوى و لا تفي بالغرض. كيف لكاتب أن يكون بهذا الإحساس المرهف ؟ هذا الروائي يحب شخصياته بكل تناقضاتها و سلبياتها، يجعلني اتفهم موقفا او حالة ، و اتفهم نقيضيهما أيضا، فممدوح عزام يتفهم شخصياته، و هذا معدي. كيف لروائي ان ينطلق من مشهد بسيط لأب يعود على حصانه إلى عائلته بعد تقاعده من الدرك لينطلق في سرد على إيقاع ثابت من الرهافة و القدرة على التعبير و نقل التفاصيل لنستمع لأبناء و زوجة سالم النجار الذي طال غيابه ؟ كنت في ريف سوريا خمسينات و ستينات القرن الماضي، في بيت عائلة درزية، تعلقت بجميع افرادها. خمسة 🌟 رواية لا تنسى
طبقات متراكمة، ومسارات متعددة للحكاية، هندسها الروائي السوري ممدوح عزام (1950)، في روايته الأحدث «لا تخبر الحصان»، الصادرة مطلع هذا العام عن دار "سرد" للنشر والتوزيع.
تقاطعت الرواية، منذ سطرها الأول، بل قبل سطرها الأول، مع محمود درويش، في سطره الشعري الشهير "لماذا تركت الحصان وحيداً؟ لكي يؤنس الدار يا ولدي". والحصان المعني هنا، هو ذلك الذي رافق سالم سعيد النجّار، الدركي الدرزي، في خدمته الأمنية والحدودية، لمسافة زمنية تربو عن الخمسة عشر عاماً، حتى بات ذلك الحصان -واسمه صُبح- شريكاً رئيسياً في الحكاية، ورفيق درب الدركي المتقاعد سالم النجار منذ سنواته المبكرة في الخدمة الشرطية، وحتى لحظة أسلم الروح.
كانت في حياة سالم النجار نقطتان هما المحركان الرئيسيان للسرد، الأولى تتمثل في هذا الحصان الذي فرضه سالم النجار فرضاً على عائلته، يشاركهم الدار والقوت واهتمام الأب، بل هو الكائن الحي الوحيد الذي يوليه سالم النجار عناية وحباً واهتماماً. أما النقطة الثانية، فتمثلت في الزواج السري لسالم النجار، والابن الذي أنجبه في مدينة بعيدة عن مقر أسرته في دير القرن بالريف السوري ناحية السويداء. ولم تقف جرائر سالم النجار في هذا الملف عند هذا الحد، فقد أسلم سالم واعتنق المذهب السني ليتمكن من الزواج بزاهية أم ابنه السري.
مسار الأحداث فرض على الروائي أن يحجب بعض الحقائق المرتبطة بشخوصه، ويبرز البعض الآخر، يخبئ معلومة في كم قميصه ويشهرها في الوقت المناسب كورقة آس رابحة. لذلك عمد عزام إلى تقنية تعدد الرواة، أو (البوليفونية)، فيتناوب أفراد الأسرة سرد الحكايات (الأم سليمة، والأبناء فاضل ونوفل وكامل وواصل وكاملة)، كل واحد من وجهة نظره وزاوية الرؤية المتاحة له، ولثقافته وعمره وميوله، فتتكامل الحكايات أو تتعارض، تتناغم أو تتضارب، لكنها دائماً متداخلة، متشابكة كأفرع أشجار دغل صغير.
يبدأ السرد على لسان كامل، الابن الأوسط، الأطيب، الوحيد الذي استطاع أن يحب الحصان، والوحيد الذي تقريباً لا يمتلك أي قدر من اللؤم والنوايا المخبأة، يقدم كامل تمهيداً للأجواء الأسرية ولوضع العائلة في اليوم الذي سيحال فيه الدركي سالم النجار إلى التقاعد، ثم ينتقل السرد لاحقاً إلى فاضل، الأخ الأكبر، ذو الجسد القوي والعازم دوماً على الاستقلال عن الأسرة، المشتت بين طموحاته الحزبية البعثية، ورغبته المتذبذبة في الاقتران بابنة عم أبيه، أنوار، على الرغم من أن هذا الاقتران سيقود لمشاكل عائلية جمة نظراً لتاريخ من المنافسة والندية بين أبيه سالم النجار وأبي أنوار، واسمه داود عمران.
وهناك أيضاً نوفل، الابن الثاني، الوسيم المثقف الرشيق العصري الساعي للانضمام للأحزاب الشيوعية والمنكل به بالتبعية، من البعثيين. العلاقة بين فاضل ونوفل متراوحة، في مراهقتهما تظهر بينهما علامات الندية، لكن بعد سنوات، وعندما يستطيل جسد فاضل ويتضخم ويغدو رجلاً هائل الجثة، سيسيطر الأخ الأكبر على أخيه الأصغر، أو بالأحرى سيحاول، وسيتصدى نوفل، مشهراً ذكاءه وانحياز أمه الدائم له باعتباره خازن أسرارها وشبيهها.
أما واصل، الابن الرابع، فهو بركة البيت، ومجذوب الضيعة، الذي فشل في الدراسة وجلس منذ الصغر في البيت رفقة أمه، يأكل التراب والورود ويرفض أن يكبر، وفي الأمسيات الصيفية يجلس في الظلام ليستمع إلى الراديو، هذه العادة التي لن يستطيع أن يقلع عنها أبداً. واصل هو عضو الأسرة الذي يُسمح له بفعل أي شيء وكل شيء باعتباره شبه مجنون.
وأخيراً هناك كاملة، الأخت الصغرى الصامتة المحايدة الخائفة دائماً، ضحية التحكمات الذكورية الشرقية، فكاملة، وبعد انتهائها من الصف السادس الابتدائي، لن يسمح لها، بمواصلة تعليمها، في المدينة، وستؤمر بالبقاء في البيت رفقة أمها وواصل الصغير، في انتظار العريس.
سمحت تقنية الأصوات السردية، أو تعدد الرواة، بتقديم الحكاية مشظّاة، مفككة تفكيكاً فنياً، بالضبط كالساقية، تغرف الماء من النهر ذاته، لكنها لا تقدم مع كل دورة، القطرات عينها، لذلك بات منطقياً أن يجد القارئ نوفل يلقي بالكثير من اللوم على أخيه الأكبر، متهماً إياه بالأنانية والوصولية، ثم يعود القارئ ليجد أن الأخ الأكبر، فاضل، يبرر موقفه، أو يطرحه بشكل مختلف، ويفسر دوافعه الخفية، وأهدافه، فيحصل على البراءة، ويتضح أن اتهامات نوفل ليست سوى الحقيقة، ولكنها مصبوغة باللون الذي اختاره نوفل. أو اللون الذي يختاره كل سارد في فصله.
قدّم ممدوح عزام لكل راو لغته، فلا تشبه لغة فاضل مثلاً، وهي متدفقة، وذات منطق داخلي متماسك، لغةً واصل الصغير، ذي المقاطع السردية القصيرة، والحس الطفولي الكارتوني، الأمر الذي أسهم في منح الرواية هذا القدر العالي من المصداقية، وجعل حكايات كل راو، تشبهه، وتشبه تصور القارئ عنه، وتناسب مستواه العقلي والعمري.
ولكن، على الرغم من هذا الاعتماد الكبير على "البوليفونية"، فإن مقاطع بلسان الراوي العليم، كانت تتخلل السرد، لا يفصلها عن سرود الرواة سوى فاصل (قطع)، وسمحت هذه الإضاءات، القادمة كأنوار أبراج المراقبة على باحة سجن أو ملعب، بتفسير بعض المناطق المظلمة في السرد، وتوفيق بعض الغموض والتعارضات بين حكايات الرواة.
تدور أحداث الرواية في سوريا منتصف القرن الماضي، في عائلة درزية، تنتمي لآل النجار الذين يعلق كل واحد منهم على جدران مضافة داره شجرة بنسب العائلة، حيث يحرص الكثيرون من آل النجار على صفاء السلالة، ونقاء الدم، فيعمد رجالهم إلى السفر إلى جبل لبنان ليجلب كل منهم عروسه الدرزية ذات الدم النقي.
في خلفية الأحداث، نلمح محطات تاريخية، مثل وصول البعثيين للحكم، وقصف دمشق، والحرب، وأخبار جمال عبد الناصر الذي أسر العرب وأحبوه واتخذوه زعيماً. وعبر تلك الخلفيات التاريخية، تتدفق الحكاية، وتتشعب، وتتقدم، فيختفي زوج أنوار في الحرب لتلجأ إلى فاضل وتقيم في بيته وتنشأ بينهما علاقة سرية سرعان ما تفتضح، علاقة تُشعر الأم بالعار، ويشعر معها الأب بأن ابنه انتقم له من غريمه القديم. وفي تفاعلات الأحداث أيضاً يجري اعتقال نوفل، والغريب أن من وشى بكونه شيوعياً هو أخوه الأكبر فاضل، في شطحة غيرة، بسبب تقرب نوفل من فتاة كان فاضل يبيت النية ليخطبها.
وبين هذه الحكايات، يبقى الحصان، وحضوره، وتباين علاقات أفراد الأسرة به، وقدرته على اجتذاب محبين جدد مثل كاملة، ونائل الابن السري القادم من بعيد، يبقى الحصان مركزاً للحكاية، مركز لا تفيض منه الكثير من الحكايات، وإنما مركزاً افتراضياً للقص، مركز وهمي الدائرة، وعاصمة "رقمية" للرواية.
قاد تقاعد الدركي سالم النجار إلى ترهل الوقت، وحبسه في فقاعة الذكريات، فتحولت مضافته إلى مكان يؤوي سهرات شيّاب القرية، يحكي فيها سالم ذكرياته وجولاته رفقة الحصان في الفيافي والجبال وعند الحدود، ثم أدى هذا التقاعد، ومبلغ المعاش الضئيل، إلى تناقص وضيق في موارد الأسرة، الأمر الذي سيجبر سالم، بضغط كبير من سليمة زوجته، وبضغط ظهور ابنه السري، إلى التنازل، والرضوخ لاقتر��ح أخيه فريد، بشراء عربة جر ليبيع عليها الخضروات، ليجد ما ينفقه على أسرته
كانت الفكرة مرفوضة من الدركي الذي لم ينس سنوات مجده في الخدمة وصرخات اللصوص والعصابات وقطاع الطرق تحت جلدات سوطه. لكنه، يجد نفسه مضطراً للقبول، ومضطراً لتعليم حصانه العربي الأصيل، كيف يجر عربة خشبية تباع عليها الخضروات. وقد باشر سالم بالفعل تدريب حصانه لمدة خمسة أيام على جر العربة، وحققا معاً، فشلاً فادحاً، إذ لم يتعلم الحصان شيئاً، بينما بقي سالم سعيداً بأصالة حصانه العربي المحارب الذي رفض النزول من وضعية حصان الدرك إلى وضعية بغل الجر. ولذلك، في اليوم السادس من التدريب، يموت سالم النجار بهدوء في فراشه.
وفي اللحظة التي يشعر فيها فريد النجار، أن إباء الحصان كان سبباً في موت أخيه، يشرع في جلده بوحشية، بحضور كل أفراد الأسرة، وهنا يتدخل كامل، الذي ورث حب الحصان من أبيه، ليصرخ في وجه الفرس وهو واقع تحت جلدات السياط: "اهرب يا صبح"، فيفر الحصان، إلى دروب دير القرن ويبتعد راكضاً لينعتق هو الآخر، كما سبقه صاحبه ومالكه ورفيق دربه سالم النجار.
مرة جديدة يثبت ممدوح عزام أن رواياته انتصار للإنسان الهامشي والمنسيّ، فالشخصيات هنا، أفراد مجتمع يومي، ليسوا "أبطالًا" كما اعتدنا على شروط البطولة المُسبقة لبعض الأعمال، لا سيما تلك التي لا ترمي بالًا لأصوات متعددة. هذه رواية إنسانية فعلًا، دون ذهاب التفكير إلى معاني اليوم الممجوجة لهذه الكلمة، كيف لا وهو يعطي دائمًا وجودا لمن نُسي وجوده، ويُنطق الأخرس الذي أٌخرس خرسًا مُضاعفًا بالظلم والنسيان؛ يُنطق الحصان.
لربما -بعد هذه القراءة- بتُّ أكثر قربًا من تلك اللغة التي أتقنها جدي، بتُّ أكثر فهمًا لاتصاله الاستثنائي مع الآخر وتلك الرقة النادرة مع المخلوق - الحيوان تحديدًا.
"لا تاخد القطط وهي صغيرة من أمها؛ بتكون لسا عم ترضع!" أو عندما يتجاهل تعليقات جدتي حول اهتمامه المبالغ فيه بدجاجاته، فقد كانت دائمة الانتقاد لإسرافه في رعايتهم، إذ إنه يُعدُّ لهم الطعام بتجهيز خلطات منزلية خاصة، ويطبق نظرياته حول سوء "طعام السوق" حتى على الدجاجات، فكان "يسرق" من طعام المنزل ليضيفه إلى غذاءهم. يضع لهم البطانيات شراعًا مقابلًا للسماء درءًا لبرد شتاء وقيظ صيف. يتخلى عن إحدى المدافئ أو المروحات تبعًا للفصل. يزجرني إذا ما صرخت ليلًا قرب إحدى الخراف النائمة.
لربما أراه اليوم أكبر درس في الرقة، وتداول الحنان والمحبة، لما فيه أيضًا من تلقائية وبديهية في الفعل، فهي مسائل لا تُناقش ولا يُصرّح عنها بالضرورة ولا يراها جدي تكلّفًا أو أمرًا يستحق حتى التوقف عنده.
ولربما (الآن) عُمّقَ أكثر ذاك المشهد الذي لا يُبارح ذهني؛ عندما ركع جدي على ركبتيه -رغم آلام المفاصل وحيرته في الوقوف مرة أخرى- كي يلاعب قطتي الصغيرة والتي كانت بينها وبين أحد أطفال العائلة خوفًا ورغبةً للتواصل في آن معًا، فما كانت منه إلا محاولات صنع الود وتقليل المسافات وتقريب وجهات النظر بينهما. أكتشفُ اليوم أنه كان على رغبة كبيرة باللعب مع القطة إضافة إلى مهمته الإنسانية تلك.
مشاهد كثيرة ستبقى عالقة في رأسي من "لا تخبر الحصان"، عن كاملة وسليمة ونائل وغيرهم.. شكرًا لتعدد الأصوات، للتقنية التي جعلتني أٌحب وأٌستفزّ وأتعاطف وأحزن وأجد نفسي لربما في كل شخصية. شكرًا لمن نقل الحصان من حيّز الكائن الذي يُعرّف بوجوده في دوائر الإنسان إلى حيزه الخاص الذي يُعرّف من خلاله. شكرًا لمن أحاله وجودًا وأعاد تعريفه في رأسي، لمن شرح لي دروس جدي.
أعترف أني ظلمت هذا الكتاب. لم أحسن مطالعته. كتاب غريب ومختلف لغة وبناء. بدا لي وكأن الكاتب يناور أو يهرب من الخوض في القضايا الكبيرة واختار الحديث عن السويداء ومشاكلها البسيطة وجعل نقطة التقاء كل الشخصيات حصانا مثّل نعمة لعدد منها ونقمة للبعض الآخر.. مطالعة مهمّة في المجمل.
كثير بحب قلم ممدوح عزام، وكيف الكلمات تحت إيديه بتصير طائعة ومنسابة وتحت أمره! كثير بحب كيف بيقدر يتقن أصوات الشخصيات وكإنو مع كل شخصية في حدا ثاني بنفس جنسها وعمرها عم يكتب. كثير قلال الكتّاب يلي قرأتلهم لحد الآن كان عندهم هالقدرة الذكية لإنهم يكتبوا علسان طفل صغير، امرأة، شاب، مسن، ومن كل الخلفيات وما نحس بنقص أو إنو الشخصية غير مكتملة أو حقيقية.
هناك بعض الروايات التي أقع في غرامها منذ الصفحة الأولى! حسناً هذه ليست واحدة منهم.. لم أكن مولعة بها بل كنتُ على توافق وانسجام مع أحداثهل وأنا أفكر أنها تستحق أربع نجمات حيث ينقصها نجمة واحدة لعدم إشعالها الانفعال داخلي. لكن الصفحات الأخيرة جعلتني أبكي كاليتامى، مثل نائل تماماً.
عمل جميل جدا رواية مكتوبة برهافة وعذوبة ينسجها ممدوح عزام بلغة جذابة ويحملنا خلالها إلى تفاصيل حياة أسرة الدركي سالم النجار، العائد أخيرا إلى عائلته بعد غياب طويل.
❞ كان المشهد كئيباً: أبي يجلس على المصطبة أمام المضافة مكفِّناً وجهه بيديه أمي تنتحب بصمت، كاملة تقف بجانب الحائط وقد امتلأت عيناها بالدموع بين فينةٍ وأخرى تجري دمعةٌ مسرعة نحو الأسفل، فتمسك بها بإحدى يديها واصل يأكل التراب دون أن ينهره أحد أو يأبه لأحد، وأنا أفكر كيف يمكن أن أخبر الحصان ❝
أسلوب ممدوح عزام مميز بشدة، فقرات طويلة وجمل قصيرة أو متوسطة الطول، رواية لطيفة أعجبني فيها السرد المتواصل والتنقل المستمر بين الشخصيات دون إرباك، بناد الشخصيات وتطورها وعلاقاتها كانت مميزة أيضاً.
لماذا تركت الحصان وحيدا ؟ لكي يؤنس البيت ياولدي ، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها (محمود درويش)
يعود سالم النجار متأخر ثمانيه اشهر عن الموعد الذي أخبر به زوجته في اخر رساله بينهم وقد أخبرها فيها بإنهاء خدمتة في خيالة الدرك يعود سالم لمنزله في دير القرن مع رفيقه دربه ورفيق الخدمه حصانه (صبح)
يعود محملاً بذكرياته و أمجاده في العمل تلك الذكريات التي سيحكيها لاهل القرية عن بطولاته في الدرك ومطاردة اللصوص والمهربين ذكريات لا يمتلك غيرها
تستقبله زوجته سليمه التي انتظرت وصوله كثيرا
سليمه التي خالفت رغبه أخيها في تلك الزيجه وقبلت بسالم كزوج وتركت المدينة وذهبت لتقيم معه وتتنقل كل فترة في ارياف سوريا
أيضا أولاده الخمسة فاضل ونوفل وكامل وواصل وكاملة
ومن هنا يأتي تعدد الاصوات في الرواية ، يحكي كل منهم الحكاية وفقا لسنه ودرجه تفكيره ومايتمتع به من صفات
(الطيبة) المت��ثلة في كامل الابن الأوسط والاقرب الي سالم والوحيد الذي أحب الحصان يحضر له الطعام ، يجلس بجانبه ويتحدث معه ❞ وإنني أنا الوحيد الذي أشفق عليه، وأتمنّى لو أستطيع أن أقدّم له العلف. ❝
(القسوة) يأتي دور فاضل الابن الاكبر المتمرد علي الاسرة والذي يأخذ مكان الاب في فترة غيابه فيعاقب ذلك ويضرب آخر ، ما أن يلتحق بوظيفة خارج القرية يؤجر غرفه خاصه به ليعيش وفقا لقوانينه
❞ ومع هذا فهو يريد أن يثبت أنه الأخ الأكبر، ولم يترك لنا مساحةً للحرية، ولا للّعب، ولم نُسَرّ بالعمل معه قطّ. ولم يتوقف عن ضربي إلا حين صار صوتي خشناً، ❝
(القوة ) نوفل الابن الأقرب إلى الأم تشكي له همومها ويحتفظ معها بأسراره ، ترغب في أن تزوجه بابنه أخيها ولكنه يحب غيرها ، يحب الحياة والقراءة يساعد الجميع ، يشترك أثناء دراسته في عضويه الحزب الشيوعي
❞ كانت أمي جميلة، ولها ضحكة طيّبة، وكانت تحبّ نوفل أكثر مما تحبّنا. أعرف هذا منذ أن كانت تأخذ له الزبيب والقضامة حين كان يقرأ ويحضّر لامتحاناته في المدرسة، بينما لا تتذكّرنا إلا وقت الغداء أو العشاء. ❝
(الفشل ) واصل الطفل الأغرب في العائلة المدلل صاحب الامر المجاب من الجميع ، يأكل التراب والورود ، يستمع إلي الراديو طوال اليوم حتي النوم ، لم ينجح في الدراسة ولا في اللعب ❞ مثل واصل. فما دام الراديو شغّالاً، (ولا أحد يجرؤ على التباطؤ في جلب بطارية جديدة حين ينتهي شحن البطارية) والتراب متوفراً، فإن كلَّ شيءٍ آخر لا أهمّيّة له، لا أحد، ولا حدث، ولا شجار، ولا هموم. ❝
(الصمت ) كاملة الطفلة الأصغر للعائلة المغلوبة علي أمرها تشاهد المشاجرات بين الاخوات ولاتقدر علي مساعدة اي منهم تري الخلاف بين الأبوين في صمت يتم منعها من إكمال الدراسة وانتظار العريس
❞ كأن وجودها كله مخصَّص للاستماع إلى أبويها وهما يقتتلان ،لااعرف ماذا يحدث، مانوع الشجار، ما أسبابه، ولكن علاماته ظاهرة في جبين كاملة المجعّد كعجوز، في غور عينيها المصبوغين بلون الخبز المحترق وهي التي ترفض أن تقول شيئاً، تكتفي بالاختباء وراء الكتمان، خلف الحرص على سلامة المنزل، تحت صبّار الشِّجار الأبوي المتواصل ❝
رغبة سالم في الاحتفاظ بالحصان بعد إنهاء خدمته في ظل ضيق ظروف الأسرة ، واهتمامه به وكأنه الفرد الأهم في العائلة والقسوة والتجاهل التي يتعامل بها مع أفراد أسرته جعلتهم يكرهون الحصان
❞ لم يكن بوسعي، تجاه هذا الرعب، أن أفعل أي شيء، فأبي في الغالب لا يستمع لصوت أحد غير الصوت الذي يقبع بداخله، ويتحرك بحسب اتجاه ريح المزاج العصبي الذي يتوغل في دمه. وأمي تبدو منهَكة تماماً وعاجزة عن سلوك أي درب من دروب المواجهة الوعرة. وعند هذا الحد من الاقتتال بين الوالدين لا يمكن للأبناء غير أن ينسحبوا إلى مقاعد المتفرجين، أو أن يخرجوا من قاعة الملاكمة ❝
في تلك الأثناء يصل جواب الي سالم في مكتب البريد ولكنه يقع في يد سليمة قبل منه ذلك الجواب الذي يؤكد ظنونها ومخاوفها وان مبرر غياب وتغير سالم لم يكن للعمل فقط، الجواب الذي سيغير حياة العائلة
عمل جميل جدا و ثاني تجربة للكاتب بعد أرواح صخرات العسل
يعود سالم النجار بعد تقاعده من وظيفته ضمن درك الخيالة، إلى قريته دير القرن في محافظة السويداء.. يعود بعد أن غاب على زوجته و أبناءه الأربعة فترة طويلة قضاها كدركي لمدة عشرين عاما.. عاد ممتطيا حصانه الشاهد الأبرز على أمجاده و هيبته التي افتقدها بمجرد تقاعده..
هذا الحصان الذي يعتبره في منزلة أبناءه لن يحضى بترحيب العائلة التي لم تر من سالم إلا الجفاء و الإهمال.. و الآن و مع قلة ذات اليد، سيصبح الحصان عدوّا يقتسم معهم اللقمة القليلة..
و هكذا انطلق ممدوح عزام من حكاية بسيطة ليقدم تحفة سردية متعددة الأصوات.. حكاية رواها أبناء سالم النجار من كبيرهم إلى صغيرهم.. ناقلا مشاعرهم تجاه والديهم و هواجسهم من السر القادم من الشمال.
دون أن ننسى الحضور النسائي القوي في هذه الرواية. نساء مقموعات ضمن مجتمع ذكوري خانق و متخلف.. النساء هنا متحديات و حكيمات و مقاومات ..
الكاتب تغلغل ببراعة ضمن مجتمع السويداء، تلك المحافظة الجنوبية- المهملة نوعا ما - التي تنتشر فيها خاصة الطائفة الدرزية.. و المعلوم أيضا أن لهذه الطائفة خصائص مختلفة و صارمة مقارنة ببقية المذاهب الإسلامية
🐎 قراءة في رواية: لا تخبر الحصان، للروائي السوري 🇸🇾 ممدوح عزام بقلم: حسين قاطرجي
يؤسس الروائي "ممدوح عزام" خطاباً فنّياً خاصاً به، مستقلاً عن المشهد السّردي السوري؛ حيث يستعيض في تقنيته الروائية عن الحبكة التقليدية ليحلّ محلها أحداثاً صغيرة تشكّل في مجموعها لبنات المعمار الروائي العام..
يستفتح الكاتب "ممدوح عزّام" روايته الرائعة "لاتخبر الحصان" بالحدث المركزي وهو عودة الدَّركي المتقاعد "سالم النجار" إلى بيته في دير القرن (ريف السويداء/جنوب سورية) حيث استُقبل استقبالاً باهتاً من زوجته وأبنائه، وهنا يتغيّى الكاتب تقصّي تفاصيل الحياة اليومية للأسرة، وأحلام وخيبات الناس العاديين والمهمّشين من خلال علاقة الزوجة والأبناء بأبيهم الذي فاء إلى داره بعد طول ترحال حيث يزاوج الكاتب الوصف بالسرد في رسم الأمكنة والشخصيات والأشياء.
هذا الاستقبال الفاتر لم يعنِ للدّركي "سالم النجار" شيئاً إذ كان يكفيه أنّ حصانه معه، وهو رفيق دربه، والشاهد الوحيد على بطولاته ومغامراته في سلك الدّرك حيث يَعسُّ الليل مُطارِداً أهل الريبة من اللصوص والمهرّبين وقطاع الطرق.
في الرواية لم يكن "سالم النجار" كالفارس "عنترة" الذي طلب من حبيبته أن تسأل الخيل عن صولاته وجولاته في معلقته ((هلّا سألت الخيل يا ابنة مالكٍ))؛ لأنّ بطل هذه الرواية كان يترك حصانه وحيداً في الباكة ويحظر على أهل بيته الدخول عليه؛ حبّاً به وتحصيناً لنفسه النبيلة من أن تؤذيها سياط ألسنة أبنائه وزوجته المسمومة، بل أكثر من ذلك؛ كان "سالم النجار" يسأل ابنه "كامل" -وهو أقرب أبنائه إليه- ألا يخبر الحصان "صُبح" بما تكنّه قلوب أفراد الأسرة تجاهه من كرهٍ وسواد.
تنهض الرواية بألسنة رواةٍ كثر، هم في الغالب أبناء "سالم النجار": "فاضل" الذي لايعجبه شيء، حتى طبخ أمّه وملابسه التي لايلبث أن يشتريها ليبدلها مرتين أو ثلاثاً، لكنّه معجبٌ "بجمال عبد الناصر" فيقلده في لباسه ومشيته. ثم حظي بوظيفةٍ حكومية في اتحاد مربي الأغنام وهناك تعرّف إلى "شادية" التي تتهلّل أساريره وهو يتفرّج على مفاتنها مع كل صعودٍ ونزولٍ لها على الدرج، وهي تعلم منه ذاك التلصّص الخجول فتتلاعب به وبمشاعره وتضحك منه وعليه.
الإبن الثاني "نوفل" الشجاع الذي لايخاف الكواسر والوحوش والرصد والسعلاة، والذي يكتم عواطفه ورغباته، والذي يحبّ "يمنى" بنت الطحان لكنّ أمه تعدّه للزواج من ابنة خاله، وأبوه يمكن أن يشنقه إن فعل ذلك لكرهٍ دفينٍ يكتمه لذاك الخال منذ أن تزوج بأخته "سليمة الحطاب"، و"نوفل" بيت أسرار أمه التي تخبره نصف أسرارها، والذي لأجل ذلك أسمته (البير). ومن خلال صديقيه "رمزي الهدهد وكفاح" ينخرط "نوفل" في عضوية الحزب الشيوعي أثناء دراسته في السويداء المدينة.
الإبن الثالث "كامل" ذو الاثنا عشر عاماً ورغم يفاعته لكنّه خوّافٌ شديد الجُبن ويبول على نفسه في الليل، ومع ذلك فهو الأقرب إلى قلب أبيه لأنّه الوحيد في هذه الأسرة الذي يحبّ الحصان وينافح عنه. و "واصل" المستهتر الملقّب بالمنغولي والذي يسفّ التراب، وينام على صوت الراديو ويتنسّم رائحة الغسيل اعجاباً بها. ثم آخر العنقود "كاملة" تلك الطفلة الرقيقة التي تراقب كل شيءٍ بعينٍ نسرٍ وفمٍ كتوم. وكل الأبناء عققة؛ لايضمرون لابيهم سوى الكره والخوف وهم من فرط عقوقهم لا يذكرونه لنا إلا بإسمه الأول "سالم" بدلاً من مناداته بإسمه الصريح؛ قياساً على العلاقة التي تربطهم به وهي الأبوّة.
ينتظر الأب "سالم النجار" رسالةً من حلب، ويتّضح للأم والأبناء أنّ غياب أبيهم الطويل لا يبرّره العمل، بل تأكّدوا من هواجسهم نحوه بزواجه من أخرى، لكنّه فاجأهم بأكثر من ذلك وهو إنجابه من الزوجة الثانية طفلاً أسماه "نائل". والواقع أن "سالم النجار" لم يكتم خبر زواجه الثاني ترهّباً من زوجته، وإنما خوفاً من ردة فعل مجتمعه الذي يرفض الزواج من امرأةٍ تعتنق مذهباً آخر، عدا عن أنّ مذهبه يرفض تعدّد الزوجات أصلاً.
تتمحور الرواية حول الحصان وعلاقة الأسرة به وهو الدخيل عليهم الذي يقاسمهم معيشتهم رغم فقر الحال، والذي لايراه صاحبه "سالم النجار" إلا فرداً من أفراد أسرته، ولذلك رفض فكرة أخيه بربط الحصان أمام عربةٍ يبيع عليها الغِلال. ويوقفنا الكاتب على محاولات الزوجة والأبناء للتخلّص من هذا الحصان ومدى تكدّرهم عند سماع طرقات حوافره وهو عائدٌ من الحشيش.
يمتلك الكاتب لغةً طيّعة، وقلماً يتجاوب معه بين سريعة إيقاع السرد وإبطائه، ورصيداً مزدوجاً بين النّصاعة اللغوية والمعرفة بمصطلحات بيئة الجنوب السوري، ويحصل أن ينتقل الكاتب بالقارئ من صفحات الكتاب إلى واقعٍ من حسٍّ وملموس فيتفاعل معه ويغلب عليه الوجد والتأثّر، ويمكنني إيضاح ذلك باقتباسين جميلين، الأول عن رقص "سالم" مع الحصان "صبح"، و الثاني وصف الكاتب لليل ريف السويداء.
اقتباس 1 "أَخرَجَ الحصان، ومشى به إلى الرصيف الحجري في الوسط، وقال له: 《 تحمّمْ! انبسط!》. وبدا كأنّ الحصان فهم اللحظة، فأخذ يهزّ رأسه في البداية، ثم بدأ ينفض الماء عن عرفه وشعر رقبته، مبلِّلاً سالم في وجهه وشعره وثيابه. صهل وحمحم، فيما كانت حوافره تقرع الحجارة في ايقاعٍ شبه راقص. أخذ سالم يقهقه، وقال له وهو يربّت على صدره:《يا ولد! ياولد!》. وفي الدقائق التالية، كان أفراد الأسرة كلها يطلّون من النوافذ، وهم يتفرّجون على النجّار والحصان وهما يدوران تحت المطر، في خطواتٍ متوازية منسّقة، مبلّلين حتى العظام. وبينما راح سالم يغنّي، ويدبك، بدأ الحصان يختلس النظر إلى قدمَي صاحبه، ويحاول أن يضبط خطاه وحوافره بحسب النغمات التي يسمعها."
اقتباس 2 "لا أخاف من الليل، ولكني أكره هذا التغيّر التدريجي للون الدنيا من البياض المطمئن، المشغول برؤية البشر والأشياء، إلى ذلك الفراغ العاري الأسود، العابس، الممتلئ بالتكهّنات، ونزاعات الحشرات ونباح الكلاب، وعواء ابن آوى، وصرير الحبال في سارية الغسيل، وخشخشة الريح في شجرة الصنوبر التي تتوسّط الدار، ومواء القطط، أو سعارها الممطوط المشحون برغبةٍ قاتلةٍ في الموت."
صدرت الطبعة الأولى عام 2019 بالتعاون بين دار سرد، ودار ممدوح عدوان، وتقع الرواية في 253 صفحة من القطع المتوسط، وأشيد جداً بتصميم الغلاف العبقري ل تمّام عزّام الذي اختزل محوري الرواية في ظرف رسالةٍ ممزّق كإشارةٍ لانكشاف السرّ، وعليه طابع الحصان بقيمة 10 قروش بعد أن كان بمئة قرش، وهي التفاتة من المصمّم على زهد الأسرة بالحصان ودنوّ قيمته في خاطرهم.
رواية بسيطة لاتحتوي على تعقيد في القصة بل تجعلك تقرأ حكايتها بكل سلاسة ومتعة تجعلك متعاطفاً مع كل شخصية بسلبياتها وإيجابياتها استطاع من خلالها الكاتب إيضاح فكرته دون الحاجة إلى التفاصيل المملة بل تشعر بنفسك أحد اولاد سالم النجار وتريد أن تعرف ما سر حصانه الذي لانقاش فيه معه . استمعت بها كأول رواية اقرأها لممدوح عزام وأتمنى أن تكون باقي رواياته بمستوى أفضل لي كقارء .
لا تخبر الحصان عن الوجع، عن الهزائم، عمن يحبونه أو يكرهونه، لا تخبره عن الزمان الذي يمضي علينا ولا يمضي.لا تخبره عن جوالات الصمت التي نخبيء فيها كل الكلمات والمشاعر التي لا نحكيها أمام أحد ولا حتى أمام أنفسنا لا تخبر الحصان عن الزمن الذي يدور بنا دون أن نشعر... الزمن الذي يترك آثاره خطوطا وتجاعيدا على الوجوه، يترك آثاره غلبا وحيرة وقيودا على الحناجر والصدور.
كل صفحات الرواية التي امتلأت بمشاحنات الأم والأب والإخوة، كل تلك الصفحات والحكايات الصاخبة كانت مجرد دوائر مغلقة لا بداية لها أو نهاية، مجرد مسار للزمن كي يعبيء فيه أيامه وسنواته، مجرد خلفية باهتة للمشاهد القليلة التي ظهر فيها الحصان حين كان يأكل التبن مثلا، أو حين كان يطأطئ الرأس أمام نظرات عدم الود. وآخرا حين استطاع أن ينال حريته في المشهد الأخير تاركا كل المشاهد الباهتة خلفه كذرات من رماد.