تولّاك الله برعايته، وأرشدك إلى صراط هدايته، وصنعك على عينه، ووطّأ لك أسباب فلاحك، وقرّب إليك غايات نفسك، حتى تتم نعمته عليك ويحلوَ شكره لديك.
ما زلتَ تكاتبني وتراسلني في طلب رأيي ومشورتي، في إمام الأدب العربي كله، وقِبلة المتأدبين بأجمعهم، إذ بلغك ما بلغ غيرك من فراغي من قراءة رسائله وجُذاذاته.
وكنتَ طلبت نفس الطلبة وعين المسألة لمّا فرغت من كتاب "البيان والتبيّن" فعصيتك-على إيثاري هواك-طاعةً للجاحظ، وتمنعت عليك-مع بذل مهجتي لك-وصلاً لحقّ الجاحظ ووفاءً لقلمه، وتواضعاً لدى حضرته.
فلم ترعوِ عن غيّك، ولم تستبن سبيلَ رُشدك، ولم يَضِح لعينك ويستقرّ في قلبك أن في هذا الناس أفذاذاً كالجاحظ يهابهم القلم وتخضع لهم العقول، نعم وتستأسر لهم القلوب وتتعشقهم الأرواح.
وعدتَ-أصلحك الله-تناشدني أن أكتب في "رسائل الجاحظ" مقالةً، وإلا فمراجعةً، وإلا فلا أقلّ من كلمة وإشارة. حتى لان لك قلبي، وغفل عنك إبائي، واستحييت من طول مخالفتي لك، وقلة موافقتي إياك، فدونك هذه الكليمة الوجيزة فيها خلاصة الرأي في رسائل أبي عثمان عفا الله عنه.
-أَحَبُّ ما سطّره قلم هذا الإمام الذكيّ في موضوعات الاجتماع، هو ما أبرز لك دقة ملاحظته، وأراك انتباهه إلى ما غفل عنه غيره، كتصويره في "كتاب القيان" تصويراً عجيباً حال الفتى الذي يتعشق القَينة(الفنانة في عرف زمانك)معها ومع القوّاد أو النخّاس الذي يملكها، وهذا النصّ النفيس مفيد في فهم حياة هؤلاء النسوة ومعيشة هذه الطبقة المترفة، وشبيه بهذه الملاحظات ما حكاه في ذمّ التجار في "كتاب المعلمين" وما حكاه في "كتاب الوكلاء" من ذمّهم، وفي كلامه عن العرق الزنجي الأسود في رسالة "السودان"، وتصوير وضاعة اليهود وتيه النصارى وغفلة المسلمين في موضع من "كتاب الرد على النصارى".
-ولك أن تضحك ما شئت وتعجب ما شئت، من سخرية الجاحظ، في رسالة "التربيع والتدوير" ورسالة "الجد والهزل" وهذه سلمك الله من أحبّ رسائله إلي، لأنه كتب فيها إلى صديقه، وحكى عن نفسه، وانبسط في حديثه، وحدّث عن مكتبته ومعيشته، وتشبهها رسالة مازحة أرسلها يطلب بدعابة بعض النبيذ المروّق من الكاتب الوجيه المعروف الحسن بن وهب، ومعظمها في "مدح النبيذ وأصحابه".
-إن للجاحظ فصولاً ومقالات في السياسة، لم يخرج فيها إلى غير انتحال الولاء لبني هاشم، وعدّ الفضائل لقريش، وحين نذكر قريشاً وبني هاشم في سياق كلام عن الجاحظ، فإنّا لم نرد إلا ميوله السياسية-المغالية أحياناً-في الولاء للعباسيين خلافةً ودولةً، إمامةً وسلطاناً، وقد اتصل بالمأمون ومن بعده من الخلفاء فأجلّوه جميعاً، وانعقدت بينه وبين رجالات الدولة وشائج وعدّ صديقاً لبعضهم، كإبراهيم الصولي والحسن بن وهب وابن الزيات والفتح بن خاقان وابن أبي دؤاد وبنوه وآل نجاح بن سلمة وغير هؤلاء. تجد هذا جليّاً في رسالة "الترك"، وراجع-غير مأمور-مواضع الأعلام المذكورين من الفهرس.
-فأما إذا انقلبت إلى رسائل الجدل والاحتجاج والكلام، مسست الجلد الخشن وأبصرت الوجه العبوس، ورأيت ما لا تحبّ أن تراه من هذا الإمام، تكفيراً وتشهيراً، وغلوّاً وقحةً، بل وافتراءً وتجنيّاً، وأشدّه في "رسالة في النابتة" وفي رسالة "خلق القرآن" ولا جرم كان الجاحظ خطيب المعتزلة، فسنّ لهم-هو وغيره-هذه السنّة السيئة التي انقرضوا بعدها رغم وفرة إنتاجهم وخطر دورهم. قال أبو حيان التوحيدي بعده بسنين:أرى المعتزلة في دهرنا يتسارعون إلى التكفير كتسارع الورد إلى المنهل، وما أدري ما يبعثهم على ذلك إلا سوء الرعة، وقلة المراقبة…(البصائر216:4) وذكر أن أبا هاشم الجبّائي يكفر أباه أبا عليّ، والأب يكفر ابنه، وأختاً لأبي هاشم تكفرهما، وأصحاب ابن الإخشيد كابن كعب والرمّاني يكفرون أبا هاشم وأصحابه، هذا وهم في النحلة كلهم معتزلة!(البصائر249:7).
-هناك جانب من الجاحظ نحن محرومون منه، وأريد ما يخصّ مواهبه ومعارفه وتجاربه التي لم يصلنا منها إلا المقدار الذي عرفنا به تمكنه منها. أين منّا ذوقه الموسيقي الراقي وتأريخه للغناء في بغداد إلا نبذة لا تشفي ولا تسمن من "كتاب طبقات المغنين" وموضع آخر جاء عرضاً في "كتاب الشارب والمشروب"(279:4). وأين منا نتائج مطالعاته الواسعة في حضارة اليونان، التي دعته إلى وصم حضارتهم بأنها نظرية، وأن القوم "يرغبون في العلم ويرغبون عن العمل" كما جاء استطراداً في "رسالة الترك"(69:1).
وأين منا جولانه بين البصرة والكوفة والبغداد، "ونخلها وزرعها"؟ وأين منا تهالكه على النبيذ وخبرته فيه؟ تلك طروس بائدة، وصحف مطويّة، ونفائس عزيزة، استأثر بها زمنُ تألّقِ الحضارة العربية وبادت مع أهلها، إلا شذرات من الذهب وصلتنا ودلّت على تلك الركائز الدفينة في بطن التاريخ.
عفا الله يا صاحِ عنا وعنك وعن أبي عثمان. وبلّغنا بأدبه ما بلغه هو به، عقلاً وعلماً وفضلاً ودنيا وأصدقاء، وخيراً كثيراً وقاه ضرراً كثيراً.
هذا والقلب على عقدة ودّك، والنفس لابسةٌ ثوبَ اشتياقك، ولنا لقاء قريب يجمعنا وأبا عثمان، إن شاء الله تعالى.