لم أتوقع هذا الكم والزّخم من اللغة العذبة النقية؛ لم أتوقع هذا الهجوم الجامح من الجمال والبلاغة البديعة؛ الآتيين من ضفاف نهر دجلة؛ عابرين أمواجه العذبة تتخبط وتمسح صخوره؛ مختلطتان بشعاع ذهبي آتٍ من شمس تلمع وسط سماء زرقاء بلونٍ الفيروز؛ تعلو أرض معشوشبة مخضرّة؛ ويزداد اخضرارها خُضْرةً مع كل كلمة كُتِبَت لترسم وتبني أحداث هذه الرواية العظيمة •
رواية ألهبت مخيّلتي.. السرد السريع الطويل المنمّق العبقري.. الساحر الأخّاذ بوصفه الجميل وبيانه وبلاغته.. رواية مفعمة بالألوان والطبيعة والأحداث المرتبطة المفهومة.. أبدع الروائي علي بدر في الوصف والبيان الساحر حتى جعلني أشم روائح المطر.. والشجر.. والتراب.. والأرض.. والعشب.. والندى؛ وأنا أقرأ. وأسمع أصوات طرق أبواب بيوت الحارة والمدينة.. وصوت حوافر الخيل تضرب وتحطّ على الأرض الطينية شاربة المطر.. وصوت الباعة في سوق المدينة.. وصوت الجاريات يتضاحكن في الأروقة والطرقات.. وصوت العراك هنا وهناك.. وصوت سليل السيوف.. صوت الخناجر تُخْرَج من أنِصُلِها.. صوت عِرْق الدّم وهو ينقطع ويفور دمه.. صوت العقل وهو يخطّط ويدبّر.. صوت الخيال الماكر وهو يسرح في مخيلة المكر والخديعة.. صوت الأفئدة وهي تصدر أصواتها.. فرحاً وسعادة.. وأنينا وألمـاً •
"أكثر ما يرعب السلطات والحكّام والسلاطين هو وجود شعب يرغب بالحرية" ... يبين الروائي علي بدر كيف يولّد الكبت التمرّد والعصيان •
من سطور الرواية البديعة "يريدون من البشرية أن تعيش حياتها الغريزية بلا تفكير أو تأمّل، محرومة من الأشياء الخطرة الجسورة، بلا تدخّل في الاقتصاد أو السّياسة أو العدل، مبعدون عن الشأن العام، يعيشون عيشةً جبانةً، ويتغلبون على الملل بالانهماك في الطعام والفجور" • وفي موضع آخر مفعم بالجمال والروعة يقول: "اهربي؛ التجئي إلى أغوار الفنّ؛ إلى الأدب!
اهربي إلى حيث لا تكونَ إلاّ كينونتك!
لا جماعة، ولا طائفة، ولا قوى موجودة وكائنة تحرمني من تفكيري ومن فرديّتي! •
علي بدر يلهب العقل ويفجّره في هذه الرواية الخلاقة المشبّعة بفلسفة عذبة منسابة مع الأحداث التي تدور في بغداد في العصر العبّاسي •
وها نحن مجددا أمام رواية عراقية بديعة لروائي عراقي جميل؛ رواية هي إضافة لمكتبة عقلي ورفوفه .. رواية زادتني - إضافة إلى حبي للرواية - عشقا واحتراما للأدب العراقي •