تدور أحداث القصة حول فتاه تدعى ليلى ، تعاني اضطرابا نفسيا خفيا لا يظهر للقارئ بوضوح منذ البداية ، و مع تسلسل الاحداث التي تكشف بالتدريج مخططاتها الكارثية و الانتقامية تجاه من حولها ، يبدأ اللغز بالتكشف تدريجا كلما توغل القارئ في القصة ، و في النهاية، تتجلى حقائق صادمه تعيد شبك الاحداث و ربطها بالأصل الحقيقي من الرواية ، لتظهر ابعادا غير متوقعه لشخصية ليلى و بالخصوص ريم .
رواية حمّى داخلية لـ سارة سالم - حين يكتب الواقع نفسه بهدوءٍ حاد - آيات بسيسو
منذ الصفحات الأولى لرواية "حمّى داخلية" للكاتبة سارة سالم، والتي صدرت عن دار ملهمون للنشر والتوزيع مؤخرا، وتقليت نسخة هدية موقعة من المؤلفة في معرض الشارقة للكتاب، يدخل القارئ إلى فضاء سردي مألوف على نحو مقلق، فضاء متشكّل من قلب الحياة اليومية ووقائعها المتخمة بالتفاصيل الصغيرة. الشخصيات تتحرك بثقة داخل عالمها، والأحداث تنساب بسلاسة تجعل القارئ يشعر بأن النص يتفاعل كأنه تصوير حيّ لسيناريو حياة نابض. هذه السمة تكشف عن وعي سردي متقدّم لدى المؤلفة، وعن قدرة رفيعة على تحويل الحكاية إلى كيان يبدو سابقا لكتابته، وكأن السرد جاء ليلتقط نبضه ويثبته على الورق. وتدور رواية "حمّى داخلية" حول تشابك مصائر مجموعة من الشخصيات في بيئة اجتماعية خليجية معاصرة، تتقدّمها شخصية ليلى، المرأة التي تبدو في ظاهرها مستقرة وناجحة، بينما تخوض في داخلها صراعا نفسيا متصاعدا تحكمه الرغبة في السيطرة، والخوف من الانكشاف، والبحث عن الأمان بأي ثمن. تتقاطع حكاية ليلى مع شخصيات أخرى لكل منها جراحها الخفية وتوتراتها الخاصة، فتتشكل شبكة علاقات معقّدة تتداخل فيها العاطفة مع السلطة، والحب مع الامتلاك، والطموح مع الكبت. ومع تصاعد الأحداث، تنكشف طبقات النفس البشرية واحدة تلو الأخرى، لتتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى مقدمات لانفجارات أخلاقية ونفسية، تعيد مساءلة مفاهيم الخير والشر، والذنب والبراءة، داخل الإنسان نفسه. تُشيّد الرواية عالمها على قاعدة دقيقة قوامها الإقناع عبر التفاصيل، وبناء المصداقية من خلال اليومي والهامشي. تتحول المشاهد العادية إلى مفاتيح نفسية، وتتحول الجملة العابرة إلى مؤشر بنيوي على اختلال أعمق، وهذا الاختيار يمنح النص قوة هادئة، ويجعل القراءة تجربة شعورية متراكمة، قائمة على بناء تدريجي يتسلل بهدوء عميق إلى وعي القارئ، ويستقر فيه ببطء محسوب.
البنية الاجتماعية المتحركة تقوم "حمّى داخلية" على شبكة من الحكايات المتداخلة المستمدة من واقع شائك وبنية اجتماعية واحدة تتشعب مساراتها وتتشابك نتائجها. تتعامل الكاتبة مع الحدث باعتباره نتيجة طبيعية لمسارات نفسية واجتماعية طويلة، ومع الشخصيات باعتبارها نقاط التقاء حساسة بين الرغبة، والسلطة، والرقابة، والطموح، والخوف. بهذا يتحول السرد إلى مساحة تشريح اجتماعي هادئ، ينشغل بكشف آليات تشكّل الوقائع أكثر من انشغاله بسردها بوصفها وقائع مكتملة. كل ما يقع في الرواية يبدو منطقيا ضمن السياق الذي صاغته الكاتبة بعناية. العلاقات تتشكّل وفق إيقاع اجتماعي مألوف، والانكسارات تأتي بوصفها حصيلة تراكم طويل من الصمت والتغاضي وتأجيل المواجهة. هذا الاشتغال يمنح الرواية طابع دراسة اجتماعية مكتوبة بلغة أدبية مشبعة بالحرارة الإنسانية، ويجعلها قريبة من القارئ على مستوى الشعور والفهم معا. الزمن: إحساس بالاستمرار والتدفّق الدائري تعتمد الرواية على زمن شعوري ممتد، زمن يتقدّم في الظاهر، ويعيد إنتاج ذاته في العمق النفسي. الأيام تمر، والسنوات تُذكر، والتحولات الكبرى تقع، بينما يتجسّد الإحساس العام في حركة دائرية تعيد إنتاج التوتر داخل المساحة نفسها. الشخصيات تنتقل من حالة إلى أخرى، وتحمل معها قلقها القديم، وتسقطه على واقع جديد بصيغة مختلفة. هذا الوعي الزمني يمنح الرواية عمقا إضافيا، ويجعل "الحمّى" حالة مستمرة تتبدّل مظاهرها وتحتفظ بجوهرها. الزمن يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل القلق وصياغة الاحتراق الداخلي، ويصبح جزءا من البنية النفسية للرواية، لا مجرد إطار للأحداث. السرد وذكاء التنظيم الصامت يتجلّى نضج الرواية في أسلوب السرد الذي يمنح القارئ مساحة واسعة للملاحظة والاستنتاج. الكاتبة تدير المشهد بدقة، وتفسح المجال للوقائع كي تتكشف عبر تتابعها الطبيعي. يتحول المجتمع ذاته إلى راو ضمني ينبض بصوت الجمع، وتبدو الأحداث وكأنها تُروى بالطريقة التي تُتداول بها داخل البيوت، والمجالس، والذاكرة الجمعية. هذا الأسلوب يمنح الرواية طابعا توثيقيا شعوريا، ويجعلها أقرب إلى سجل اجتماعي حي، تتحرك فيه الوقائع بحرية سردية تتيح للمعنى أن يتشكل ذاتيا عبر الزمن، دون تدخل مباشر في توجيه القارئ أو فرض قراءة جاهزة. الشخصيات: نماذج حيّة من الداخل تظهر براعة الكاتبة بوضوح في رسم الشخصيات، حيث تبدو كل شخصية مكتملة من الداخل، محكومة بتاريخها النفسي والاجتماعي، وقادرة على إقناع القارئ بمنطق أفعالها. الشخصيات تتحرك داخل هامش مرسوم بعناية من التوقعات والرقابة والقيود غير المرئية. ليلى تتجسد كنتاج لطموح تشكّل داخل منظومة تكافئ الإنجاز الظاهري والسيطرة. ناصر يظهر كرجل يحمل سلطة اجتماعية واضحة وارتباكا داخليا مكتوما. سهير تتبلور كصوت مكبوت انفجر في لحظة اختلال نفسي واجتماعي. ريم تمثل صورة أنثوية لامعة يثقلها عبء التوقعات والصورة المثالية. هذه الشخصيات تفرض الفهم العميق قبل أي استجابة عاطفية، وتدفع القارئ إلى إدراك تعقيد الإنسان حين يتحرك داخل شبكة من القيود الصامتة.
فضاء نفسي قبل أن يكون جغرافيا يُبنى المكان في "حمّى داخلية" باعتباره حالة نفسية عامة. البيوت، أماكن العمل، الشوارع، جميعها تخضع لإحساس موحّد يقوم على المراقبة والحساب والقلق من النظرة الاجتماعية. الانتقالات الجغرافية تتحول إلى امتداد للحالة النفسية ذاتها داخل النسيج السردي، ويستمر الشعور بالاختناق رغم تغيّر المواقع. تفاصيل المكان تُقدَّم بدقة لافتة عبر الحركة، والنبرة، والطقوس اليومية، ما يمنح القارئ حضورا حسيا قويا داخل العالم الروائي، ويجعله جزءا من التجربة لا مجرد متلقٍ لها. ويتجاوز المكان في رواية "حمّى داخلية" كونه خلفية للأحداث، ليغدو عنصرا حيا يشارك في تشكيل الوعي النفسي للشخصيات. البيئة الخليجية تشكّل القلب النابض للرواية، ببيوتها المغلقة، ومجالسها المفتوحة على الرقابة، وشوارعها التي تحمل ذاكرة النظرة والحساب الاجتماعي. هذا الفضاء المحلي يمنح النص جذوره الواقعية، ويؤسس لحالة القلق المستمرة التي تحيط بالشخصيات أينما تحرّكت. في المقابل، تأتي كولومبيا كفضاء ذاكرة وحنين، ومكان مشبع بالتناقض. وصول ريم إلى كولومبيا، واستماعها إلى موسيقى "لامبادا" في سيارة الأجرة، يفتح طبقة شعورية جديدة في الرواية، حيث يتحول المكان إلى حاضن للطفولة، والهوية الأولى، والحنين الذي يتجاور مع الصدمة المرتبطة بتاريخ الأب. كولومبيا تظهر كفضاء حر بصريا، غني بالحركة، لكنه محمّل بذاكرة أخلاقية معقّدة، تجعل العودة إليه فعل مواجهة لا استرخاء. أما كندا، فتظهر في الرواية كمساحة حلم مؤجل، وفضاء احتمال بعيد، حيث تُستدعى باعتبارها فكرة للحياة المنظمة أكثر من كونها تجربة معيشة مكتملة. حضورها السردي يعكس تطلع الشخصيات إلى نظام مختلف، وإلى حياة أكثر انتظاما، لكنه يظل مرتبطا بالتصور الذهني أكثر من التحقّق الفعلي، ما يجعلها رمزا للحلم الخارجي المعلّق في الأفق. الانتقالات بين هذه الأمكنة لا تُحدث قطيعة شعورية، بل تعمّق الإحساس بأن القلق ينتقل مع الشخصيات، ويتخذ أشكالا جديدة بحسب السياق. البيت الخليجي، شوارع كولومبيا، والمدن الغربية، جميعها تتحول إلى مسارح مختلفة لحالة داخلية واحدة، حيث تتغير الواجهات وتبقى التوترات كامنة. بهذا التوظيف الذكي للمكان، تنجح الكاتبة في بناء جغرافيا نفسية موازية للجغرافيا الواقعية، وتؤكد أن الإنسان يحمل فضاءه الداخلي أينما ذهب. المكان في "حمّى داخلية" يتكلم بقدر ما تصمت الشخصيات، ويكشف عبر تفاصيله الدقيقة ما تعجز عنه الاعترافات المباشرة.
اقتصاد لغوي وذكاء دلالي تعتمد الكاتبة لغة محكية واعية، تشتغل على الإيقاع والدلالة، وتمنح الحوار دورا محوريا في كشف الشخصيات. السرد يلتقط التفاصيل الصغيرة باعتبارها حوامل للمعنى، ويمنح كل جملة وظيفة دقيقة وانضباطا جماليا واضحا اللغة تؤدي دور أداة كشف، تلتقط المعلن والمضمر، وتسمح للفراغات بأن تقوم بدورها الدلالي، ما يعكس وعيا عميقا بقوة الصمت في إنتاج المعنى.
وثيقة قلق اجتماعي تتحول "حمّى داخلية" إلى وثيقة شعورية عن القلق الجمعي، وعن تراكم الأخطاء الصغيرة، وعن نتائج التغاضي المستمر. النص يفكك صورة الأسرة المتماسكة، ويكشف هشاشتها الداخلية بأسلوب سردي هادئ يعتمد على الكشف الفني، ويضع القارئ أمام واقع اجتماعي يتشكل من الداخل بهدوء حاد. بهذا المعنى، تمثل الرواية شهادة فنية على مرحلة اجتماعية كاملة، وتتحول القراءة إلى مواجهة صريحة مع الذات والواقع.
حين تتكثّف الرؤية في جملة تتميّز رواية "حمّى داخلية" بقدرتها على تكثيف رؤيتها النفسية والاجتماعية داخل جُمل تأملية عميقة، تتسلل بهدوء داخل النسيج السردي، لكنها تحمل كثافة فلسفية عالية عند التوقف أمامها. من ذلك قول الساردة في مفتتح الرواية: "غالبا ما يغمرنا الغرق في بحر الأحلام براحة لا نجدها في الواقع، فلا يوجد أي مكان للمحدودية، والمنطق فيه، فهما منفيان خارج نطاق الأحلام لما يجلبانه من قلق وإحباط في ذهن الحالم." وهذه الجملة تؤسس منذ البداية لرؤية فكرية واضحة تحكم مسار الرواية، حيث يتحول الحلم إلى مساحة وجودية بديلة، لا بوصفه هروبا، بل باعتباره ملاذا نفسيا مؤقتا من قسوة الواقع. القراءة النقدية لهذه العبارة تكشف وعيا فلسفيا دقيقا لدى الكاتبة، إذ تضع الصراع المركزي بين الحلم والمنطق في قلب التجربة الإنسانية، وتلمح مبكرا إلى الثمن الذي سيدفعه من يسمح للحلم أن يقوده بلا مساءلة. في موضع آخر، تتكثف الرؤية الأخلاقية للنص في العبارة التالية: "قد يأذن للدمار، والشعور بالغدر، أن يهطل على أناس آخرين، لم يكن سبب انطفاء شمعتهم سوى اشتعال شمعة شخص آخر." تحمل هذه الجملة ثقلا إنسانيا وأخلاقيا بالغ العمق، وتكشف رؤية الرواية لمسألة النجاح والعدالة بوصفهما معادلة مختلة في عالم تحكمه المصالح والتفاوتات. هنا لا تقدّم الكاتبة حدثا، بل تضع القارئ أمام حقيقة مؤلمة: أن تحقق الأحلام في عالم غير عادل قد يولد الخراب بقدر ما يولد الفرح. أما ذروة الرؤية النفسية في الرواية، فتتجلى في السؤال الوجودي الذي يشكل جوهر العنوان نفسه: "ماذا لو أيقظ هذا الظلم حمى داخلية لا تنطفئ، رافعة راية الانتقام، معلنة نفي مشاعر الرحمة." هذه العبارة تمثل مفتاحا فلسفيا لفهم البناء النفسي للشخصيات، حيث تتحول المشاعر المكبوتة إلى طاقة داخلية حارقة، وتغدو الحمى حالة وجودية أكثر منها انفعالا عابرا. القراءة التحليلية لهذه الجملة تكشف إدراك الكاتبة العميق لكيفية تشكل العنف الداخلي، وكيف يتحول الظلم غير المعالج إلى قناعة، ثم إلى سلوك، ثم إلى مصير. بهذا الاشتغال على الجملة التأملية، تنجح "حمّى داخلية" في تقديم نص لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يزرع داخلها أسئلة فلسفية وأخلاقية تظل فاعلة في ذهن القارئ بعد انتهاء القراءة، مؤكدة قدرة الكاتبة على تحويل اللغة إلى أداة تفكير، لا مجرد وسيلة حكي.
بهذا الاشتغال على الجملة اليومية، تنجح "حمّى داخلية" في تحويل الحوار المحكي إلى وثيقة نفسية دقيقة، وتمنح القارئ مفاتيح الفهم دون خطاب تفسيري مباشر، وهو ما يعكس نضجا فنيا واضحا في التعامل مع اللغة باعتبارها حاملة للوعي لا أداة شرح. تترك رواية "حمّى داخلية" أثرها لأنها تنهي القراءة وتُبقي الأسئلة حيّة. تستقر الرواية في الذاكرة بعمق، وتكشف عن قدرة كاتبتها على إدارة السرد، والشخصيات، والزمن، والمكان بوعي ناضج وحساسية إنسانية عالية. عمل أدبي متكامل، يُقرأ باعتباره أدبا رفيعا، ووثيقة اجتماعية، ومرآة إنسانية صادقة في آن واحد.
مجلة نورسين تلتقي الروائية الإماراتية "سارة سالم".. مؤلفة رواية "حمّى داخلية" سارة سالم: لابد من اقتحام مناطق الصمت داخل السرد العربي
مشروع نورسين الثقافي
مقدمة: حين نلتقي بروائية مثل سارة سالم، فإننا نلتقي بتجربة إنسانية كاملة، بوعي تشكّل على مهل، وبصوت أدبي يعرف كيف ينصت للوجع اليومي، ويعيد صياغته في سردٍ لا يدّعي البطولة ولا يهرب من الحقيقة. في رواياتها، لا تبحث سارة عن الإدهاش السريع، بل عن الصدق، عن الإنسان وهو في أكثر لحظاته هشاشة، وعن العلاقات حين تتعرّى من أقنعتها الاجتماعية. الكتابة لديها ليست ترفًا ولا هروبًا، بل مواجهة هادئة مع الأسئلة الصعبة: العائلة، السلطة، الحب، الذنب، والرغبة في النجاة. في هذا اللقاء، نحاول الاقتراب من عالمها، لا بوصفها كاتبة فقط، بل بوصفها شاهدة على زمن، وصانعة حكايات تعرف أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الكبير.
حين تصبح الكتابة شرطًا للتوازن الداخلي..
1. متى شعرتِ للمرة الأولى أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل مسار حياة لا يمكن التراجع عنه، وما اللحظة التي حسمت هذا القرار داخلك؟
أنا بطبعي إنسانة كثيرة التفكير، أحبّ التخيل إلى حدّ أنني أبدأ يومي وأنهيه دائمًا بسؤال ماذا لو، ومن هذا السؤال تولد الأحداث في ذهني، وأنسج منها عوالم كاملة لا تمتّ لواقعي بصلة.
هذه الصفة رافقتني منذ الصغر، إلى أن أدركت أن كل هذا الخيال لا بد أن يجد طريقه إلى الورق، حينها أيقنت أن عليّ أن أكتب، أن أصنع روايات وقصصًا تحمل تلك العوالم التي تعيش داخلي.
وهكذا بدأت حكايتي مع الكتابة، بدأت فعليًا منذ تسع سنوات، وكانت حصيلة هذه السنوات كلّها رواية حمّى داخلية.
اللغة شريكة لا أداة
2. كيف تصفين علاقتك باللغة العربية بوصفها أداة تعبير، وهل تشعرين أحيانًا بأنها تقودك أكثر مما تقودينها أثناء الكتابة؟
اللغة العربية هي اللغة الأم، وبالطبع أجد الراحة في التعبير بها رغم إجادتي اللغة الإنجليزية، العلاقة باللغة العربية علاقة حميمة ومليئة بالتحدي، ثراؤها يفتح مساحات واسعة، ويضع الكاتب أمام اختبار دائم.
في لحظات كثيرة تفرض اللغة إيقاعها الخاص، وتقود إلى مناطق لم تكن ضمن النية الأولى، حين تتقدّم الكتابة بصدق تتحول اللغة إلى شريكة كاملة، تمارس دورها بحزم ودقة، وتعلّم الكاتب التجريد والانتباه للتفاصيل
العائلة: أول حب، وأول سلطة، وأول خيبة..!
3. في رواياتك حضور قوي للعائلة بوصفها مساحة حب وصراع في آن واحد، هل هذا الهاجس نابع من تجربة شخصية أم من مراقبة اجتماعية طويلة؟
هو نابع بالأساس من مراقبة اجتماعية طويلة، ولا أنكر أن بعض التجارب الشخصية قد تؤثر بطريقة ما في إدخال الحضور العائلي ودمج الحب والصراع معًا،
هذا يحدث في كل منزل، ولكن بصور متفاوتة، منها الطبيعي ومنها غير المقبول
المسكوت عنه لا يتم اختياره… بل يفرض نفسه
4. رواية "حمى داخلية" تبدو مشغولة بالمسكوت عنه داخل البيوت والعلاقات، كيف تختارين هذه المناطق الحساسة دون الوقوع في المباشرة أو الوعظ؟
رواية "حمى داخلية" لا تنشغل بطرح القضايا الحساسة من باب الصدمة أو الإثارة، بل من باب فهم الإنسان في لحظات ضعفه وتعقيده، أنا لا أبحث عن المحرّم بحد ذاته، بل عن المسكوت عنه نفسيًا وعاطفيًا، تلك المناطق التي يعيشها البشر بصمت داخل البيوت وخلف الأبواب المغلقة.
اختياري لهذه المساحات يأتي من إيماني أن الأدب ليس منصة وعظ، ولا محكمة أحكام، بل مرآة تعكس التناقضات الإنسانية كما هي، الخير والشر، القوة والانكسار، الإيمان والشك، دون أن تفرض على القارئ موقفًا جاهزًا.
أحاول دائمًا الاقتراب من هذه المناطق بحس إنساني هادئ، يركّز على الدوافع الداخلية والأسئلة الوجودية أكثر من تركيزه على الأفعال الظاهرة، ما يهمني ليس الحدث بقدر ما يهمني ما يحدث داخل الروح أثناءه.
الشخصيات كائنات متناقضة لا تنتظر التبرئة
5. شخصياتك لا تُقدَّم كشخصيات خيّرة أو شريرة، بل كائنات متناقضة، هل تؤمنين أن الأدب يجب أن يدافع عن الشخصيات أم يتركها تواجه القارئ بلا حماية؟
لا أرى أن وظيفة الأدب هي الدفاع عن الشخصيات أو تبرئتها، فالحكم في النهاية متروك للقارئ، ولكل قارئ زاويته في الفهم، دوري ككاتبة ليس إصدار الأحكام، بل تقديم الإنسان في تعقيده كما هو.
في حمى داخلية الشخصيات الرئيسية ليست خيرًا خالصًا ولا شرًا مطلقًا، بل يمتزج الخير والشر داخل كل شخصية، ولهذا أترك للقارئ حرية أن يقرر مع من يقف، وغالبًا ما يقف القارئ مع الشخصية التي يشعر بقربها منه، فيراها خيّرة في نظره حتى لو غلبها شرّها في بعض المواقف.
الشخصية الروائية تولد من الإلهام.. ومن صوت داخلي لا يهدأ
6. كيف تولد الشخصية لديك، من فكرة، من صورة، من صوت داخلي، أم من حدث صادم؟
تولد الشخصية الروائية من عنصر بالغ الأهمية هو الإلهام، قد تأتي الشرارة من أغنية، من موقف عابر في الشارع، من صوت داخلي لا يهدأ، أو من حدث صادم يترك أثره في الذاكرة، كل هذه التفاصيل تتحول داخل الكاتب إلى بذرة شخصية تنمو مع الوقت، إجابتي ببساطة جميع ما سبق.
الرواية صراع داخلي وإنساني.. حجر صغير يُلقى يحدث دوائر تمتد إلى بقية السرد
7. في رواية "حمى داخلية" هناك تصاعد درامي بطيء لكنه كثيف، كيف توازنين بين الإيقاع السردي والحفاظ على التوتر دون استعجال؟
هذه الرواية استغرقت مني تسع سنوات من الكتابة والمراجعة، كنت أضيف حدثًا ثم أتراجع، أراجع المشهد مرارًا، وأسأل نفسي هل هذا الحدث ضروري فعلًا أم مجرد حشو..!
ولأن الرواية في جوهرها صراع داخلي وإنساني، كنت أتعامل مع كل مشهد كأنه حجر صغير يُلقى في ماء راكد، لا بد أن يحدث دوائر تمتد إلى بقية السرد، إذا لم أشعر بارتفاع التوتر بعد إضافة حدث ما كنت أستبعده دون تردد.
بهذا التوازن بين الصبر في البناء والصرامة في الاختيار، حافظت على إيقاع هادئ ظاهريًا، لكنه مشحون من الداخل
الكتابة نوع من التطهير الداخلي، ومواجهة ما هو غامض
8. هل تكتبين بدافع الفهم، أم بدافع التطهير، أم أن الكتابة لديك مساحة ثالثة لا تنتمي لأي منهما؟
لا أستطيع أن أحصر الكتابة في دافع واحد، فهي تبدأ بدافع الفهم، لكنها لا تنتهي عنده، أكتب لأفهم الإنسان وتناقضاته وأسئلته الصامتة.
وفي الطريق تتحول الكتابة أحيانًا إلى نوع من التطهير الداخلي، بمعنى مواجهة ما هو ثقيل أو غامض ومنحه شكلًا يمكن احتماله على الورق.
رواية حمّى داخلية سهلة في مفرداتها، سلسة في أحداثها، يمكن تخيّل مشاهدها
9. كيف تتعاملين مع ردود فعل القرّاء، خصوصًا حين يختلف تأويلهم للعمل عن نيتك الأصلية؟
روايتي ما زالت حديثة نسبيًا، لذلك لم أتلقَّ الكثير من الآراء بعد، لكن الحمدلله كانت معظمها إيجابية، كثيرون وصفوا الرواية بأنها سهلة في مفرداتها، سلسة في أحداثها، وتجعل القارئ يتخيّل المشاهد وكأنها تحدث أمامه.
وشعرت أن الفكرة العامة التي أردت إيصالها قد وصلت دون تعقيد أو غموض زائد.
التكرار هو العدو الحقيقي لأي روائي
10. هل تخافين من تكرار نفسك كروائية، وكيف تحاولين في كل عمل جديد كسر ما أنجزته سابقًا؟
أرى أن التكرار هو العدو الحقيقي لأي روائي، حتى وإن لم يعترف بذلك، أحيانًا يكرر الكاتب نفسه خوفًا من المغامرة أو من آراء الآخرين، أما أنا فأتعامل مع الكتابة كمساحة حرة تمامًا، على الورق لا توجد حدود ولا خوف، في كل عمل جديد أسعى إلى مغادرة المنطقة التي اعتدت عليها، وأن أجرّب ما هو مختلف وأعمق وأكثر صدقًا، وإذا شعرت يومًا أنني أكرر نفسي، فسأعرف أنني لم أكن شجاعة بما يكفي.
الأفضل أن يترك الروائي مسافة بينه وبين النص..
11. ما أكثر سؤال شخصي تطرحه عليك الكتابة، حتى لو لم يظهر صريحًا على الورق؟
أكثر سؤال تطرحه علي الكتابة هو سؤال الصدق الإنساني، إلى أي مدى يمكن للنص أن يقترب من الداخل دون أن يتحول إلى اعتراف مباشر؟
كثيرون يتساءلون إن كنت أكتب عن نفسي، لكنني أرى أن الشخصيات الروائية تولد من الخيال بقدر ما تولد من الفهم، قد تحمل شيئًا من إحساس مررت به أو فكرة تأملتها، لكنها في النهاية كائنات مستقلة تعيش داخل عالمها الخاص.
أفضل أن أترك مسافة بيني وبين النص، لأن ما يهمني ليس أن أروي نفسي، بل أن أروي الإنسان في تعدده وتعقيده.
لابد من اقتحام مناطق الصمت داخل السرد العربي
12. كيف ترين المشهد الروائي اليوم، وهل ما زالت الرواية قادرة على مساءلة الواقع بعمق في زمن السرعة؟
أرى أن المشهد الروائي اليوم يتحرك داخل زمن سريع تتبدّل فيه القضايا باستمرار، هناك مسائل كانت تُعد صادمة قبل سنوات وأصبحت اليوم مألوفة، لأن الناس اعتادوا سماعها.
لكنني لا أؤمن بأن على الرواية أن تركض خلف الترند، ما يعنيني هو القضايا الإنسانية العميقة، خصوصًا تلك التي بقيت طويلًا في مناطق الصمت داخل السرد العربي، لابد من اقتحامها، ما دامت الرواية قادرة على الغوص في النفس البشرية فستبقى قادرة على مساءلة الواقع بعمق.
روايتي الجديدة درامية باللغة العربية الفصحى
13. هل هناك مشروع روائي قادم تعملين عليه حاليًا، وما الذي يختلف فيه عن أعمالك السابقة؟
نعم أعمل حاليًا على رواية جديدة باللغة العربية الفصحى، الأسلوب سيبقى ضمن الإطار الدرامي، لكن القصة مختلفة تمامًا.
سارة سالم: أريد أن أكون صوتا لمن لا يستطيعون الحديث وأقول مالا يقال
14. بعد كل ما كتبته "سارة سالم" حتى الآن، من هي الكاتبة التي تطمحين أن تكونيها بعد عشر سنوات؟
أطمح بعد عشر سنوات أن أكون نفسي، لكن بشمولية أكبر وقلب أشجع، كاتبة لا تخشى الاقتراب من المساحات التي يفضّل الكثيرون الصمت عنها، ولا تتردد في ملامسة الهشاشة الإنسانية كما هي.
أريد أن أكتب عن الإنسان في ضعفه قبل قوته، وأن أكون صوتًا لما يُحَسّ في الداخل ولا يُقال، عبر قصة حية تعيشها الشخصيات بدل أن تشرحها.
أطمح أن أقول ما لا يُقال، لا بخطاب مباشر، بل بحياة كاملة تعيشها شخصياتي على الورق.
شكرا لك،،
في الختام، ترى هيئة التحرير في مجلة نورسين أن الروائية الإماراتية سارة سالم صاحبة حضور حقيقي بدأ يتشكّل على مهل، تكتب وهي تعرف أن الحكايات الحقيقية تختبىء في مكان عميق في المجتمعات، ولابد من استخراجها ومعالجتها، وفي سردها، لا تبحث عن البطولة، ولا تلهث خلف الأضواء، بل تنحاز إلى الإنسان العادي في أكثر لحظاته التباسًا، حين يختلط الحب بالذنب، والقرب بالأذى، والنية الطيبة بالنتائج القاسية.
ما يميّز الروائية "سارة سالم" أنها لا تكتب لتحصد الاعجاب والشهرة والنجومية، بل لتفهم أكثر، وتتمكن من صياغة شخصياتها الروائية كي تتمكن من تسليط الضوء على مشكلاتهم التي يصعب الحديث عنها، فهي كاتبة تعرف أن الرواية سؤال طويل النفس، وأن الأدب الحقيقي لا يقدّم خلاصًا جاهزًا، بل يفتح نافذة على الداخل، ويترك القارئ وحيدًا مع تأملاته. لذلك تبدو أعمالها وكأنها تُقرأ ببطء، لا لأن لغتها معقّدة، بل لأن أثرها لا يُستهلك سريعًا.
وجدنا أن "سارة سالم" في "حمّى داخلية" تكتب من منطقة شجاعة: منطقة الصدق الهادئ. يراكم حضوره صفحة بعد صفحة، حتى يصبح جزءًا من الذاكرة الشعورية للقارئ. ومع كل نص، تؤكد أن الرواية ما زالت قادرة على أن تكون بيتًا للأسئلة، وملاذًا للهشاشة، ومساحة نادرة للإنصات.
"سارة سالم" هي ليست كاتبة تبحث عن أسطورة، بل كاتبة تصنعها بهدوء… أسطورة الصوت الذي لا يخون أسئلته الأولى، ولا يتنازل عن إنسانيته، مهما اشتدّ العالم من حوله. https://hummadakhilia.blogspot.com/20...
قرأت اليوم الاثنين، مقال رائع للدكتورة موزة غباش حول رواية "حمى داخلية" للكاتبة "سارة سالم" في صحيفة البيان تقول فيه : اللهجة الإماراتية بين الأدب والهوية د. موزة غباش الاثنين، 2/2/2026 12:22 ص وصلتني قبل أيام نسخة مهداة وموقعة من رواية «حمى داخلية» للكاتبة الإماراتية «سارة سالم»، صدرت مؤخراً عن دار ملهمون للنشر والتوزيع، وكانت قراءتي لهذه الرواية الصاخبة اجتماعياً أشبه بعودة إلى أصوات أعرفها جيداً، إنها أصوات البيت الإماراتي، فخلال الصفحات الأولى، بدت اللهجة الإماراتية حاضرة بقوة، كجذر يحمل المعنى ويصنع الإيقاع ويقود السرد. الكتابة باللهجة المحلية في الأدب الإماراتي تفتح باباً واسعاً لفهم أعمق للعلاقة بين اللغة والهوية. فاللهجة تحمل الذاكرة اليومية كما هي، بكل ما فيها من بساطة وحرارة وصدق. كلمات مثل: شخبارك، ريوق، فديتج، سحبي كرسي، يسوون سوالف، تؤدي وظيفة تواصلية وأيضاً تنقل مناخاً اجتماعياً كاملاً، وتستدعي سياقاً إنسانياً لا يمكن استحضاره باللغة المعيارية وحدها.
اللهجة الإماراتية في «حمى داخلية» هي مساحة اعتراف تكشف الداخل الإنساني للشخصيات. فالحوار باللهجة يمنح الشخصيات حرية في التعبير، ويجعل القارئ قريباً منها، كأنه يجلس معها في غرفة واحدة، وهذا القرب النفسي عنصر أساسي في نجاح السرد، لأن اللغة حين تخرج من الفم كما تُقال في الحياة، تصل إلى القلب دون حواجز.
أهمية توظيف اللهجة المحلية في هذه الرواية وفي الأدب عموماً تتجاوز البعد الجمالي إلى بعد ثقافي ومعرفي، فالرواية المكتوبة باللهجة الشعبية هي وثيقة اجتماعية، فهي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية، وأنماط التفكير، وطريقة النظر إلى العلاقات، وإلى الجسد، وإلى العائلة، وإلى التحولات. المفردة الشعبية تحمل تاريخاً شفهياً طويلاً، وتعمل كأرشيف حي لذاكرة المجتمع. أدهشني أن «سارة سالم الطنيجي» في هذه الرواية تتعامل مع اللهجة بوعي عميق، فالنص لا يثقل القارئ بالمفردات الفصيحة «المقعرة»، بل يوازن بين السرد والفكرة، وبين الإحساس والبناء الفني، ولهجة الحوارات الإماراتية تتحرك داخل النص بسلاسة، وتخدم الحالة الوجودية للشخصيات، وخاصة في التعبير عن القلق، والاحتقان الداخلي، والصراع بين ما يُقال وما يُكتم. «حمى داخلية»، ومع التعقيدات الاجتماعية التي عرضتها، من واقع المجتمع الإماراتي والخليجي، تنتمي إلى جيل جديد من الكتابة الإماراتية التي ترى في اللهجة أداة تفكير، فالنص يكشف أن الهوية تتشكل في اللسان، وفي النبرة، وفي الطريقة التي نروي بها قصصنا لأنفسنا قبل أن نرويها للآخرين. تجربة «سارة سالم» في توظيف اللهجة الإماراتية تنتمي إلى مسار إبداعي مهّد له أدباء إماراتيون اشتغلوا مبكراً على استحضار اللسان المحلي بوصفه حاملاً للذاكرة والمكان. وعلى ما تسعفني به ذاكرتي، فقد قدّم «علي أبو الريش»، صاحب لقب «راوي المكان»، في أعماله الروائية، مثل «الغرفة 357» و«زينة الملكة»، كتابة مشبعة بروح البيئة الإماراتية، حيث تتسرّب المفردة المحلية في السرد لتكشف علاقة الإنسان بالمكان والقدر والتحوّل.
وكذلك فتحت «سارة الجروان»، عبر روايتها «شجن بنت القدر الحزين»، أفقاً لربط السرد الروائي بالهوية والتراث، مؤكدة حضور الصوت النسائي في استعادة الذاكرة الاجتماعية. أما «محمد المر»، فقد جعل من قصصه القصيرة، ولا سيما «حكايات دبي»، سجلاً حياً لتفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحرك اللهجة بخفة وصدق داخل المشهد الاجتماعي.
وذهب «ثاني السويدي» في «الديزل» إلى تجربة سردية أكثر جرأة، تداخل فيها الموروث الشعبي مع أسئلة الوجود والهوية، كما استحضرت «هدى سرور» في روايتها «الياه» ذاكرة اجتماعية غنية، جعلت اللهجة جزءاً من النسيج العاطفي للنص، وضمن هذا المسار المتراكم، تأتي تجربة سارة سالم امتداداً ناضجاً لتقليد أدبي إماراتي يرى في اللهجة أداة وعي، ومساحة تعبير، وجسراً يصل الأدب بالبيت والشارع والذاكرة الحية.
هذا التوظيف يضع الرواية الإماراتية ضمن سياق عالمي أوسع، فكثير من التجارب الأدبية الكبرى اختارت اللهجة المحلية لتكون أداة سردية أساسية، «مارك توين» مثلاً كتب بلهجة الجنوب الأمريكي ليكشف التفاوت الاجتماعي، وكذلك «يون فوسه» كتب بلغة «نيونورسك» ليحفظ الذاكرة الريفية النرويجية، وأيضاً «نجيب محفوظ» طوّع الحوار ليحمل روح الحارة المصرية، و«الطيب صالح» جعل اللهجة السودانية بوابة لفهم المكان والإنسان، ولذلك، تأتي «حمى داخلية»، في هذا المسار، وكل الأعمال الأدبية التي تقصد حفظ التراث وحمايته، لتؤكد أن اللهجة الإماراتية قادرة على حمل الأسئلة الكبرى، وأنها قادرة على التعبير عن القلق الوجودي، وعن التحولات النفسية والاجتماعية، بعمق وصدق. وجهة نظري أن توظيف اللهجة الإماراتية في الأدب هو فعل ثقافي واعٍ، يسهم في حماية التراث الشفهي والهوية الإماراتية، ويمنح الأدب المحلي صوته الخاص في المشهد العربي والعالمي، فالرواية باللهجة المحلية الشعبية تفتح باب الحوار مع الآخر من موقع الثقة بالذات، ومن احترام الخصوصية.
قالوا عن رواية "حمى داخلية" : رحلة إلى أعماق النفس البشرية المظلمة في هذه الرواية المشوّقة، تتسلل الأحداث إلى أعماق فتاة تُدعى ليلى، تحمل في داخلها اضطرابًا نفسيًا خفيًا لا يظهر بوضوح منذ البداية. تمضي القصة بخطوات بطيئة لكنها مشحونة بالتوتر، لتكشف تدريجيًا عن مخططاتها الانتقامية تجاه من حولها، في مزيجٍ من الغموض والدهاء والجنون المبطّن بالعقلانية كل فصل يقود القارئ خطوة أقرب إلى حقيقة مذهلة، حيث تتشابك الخيوط وتُعاد قراءة الأحداث بعيون جديدة مع اقتراب النهاية. وهنا تتجلّى الصدمة الكبرى، لتظهر الأبعاد الخفية لشخصية ليلى، وتتكشف المفاجأة المرتبطة بـ ريم، التي تغيّر مسار الرواية بأكملها وتعيد تعريف الخير والشر داخل النفس البشرية رواية نفسية غامضة تمتزج فيها الأحداث الدرامية مع التحليل النفسي العميق، لتقدّم تجربة قرائية لا تُنسى، حيث لا شيء يبدو كما هو، ولا أحد بريء تمامًا