قديما قال أرسطو إن الإنسان لا يستطيع التعبير عن فكره إلا من خلال اللغة, أي أن اللغة هي الشكل الذي يظهر عليه الفكر , و هو ما يعني أن الفكر شئ و اللغة شئ و هما منفصلان عن بعضهما البعض من حيث الأصل و التكوين, و إن كان يتبدى أحدهما في الآخر.
ثم جاء وورف بفرضية جديدة تفرض أن اللغة و الفكر هما شئ واحد كوجهان لعملة. و لم يفرق بين أي من جوانبهما. و بالتالي فإن أي مجتمع له لغة ما تكون تصرفاته و سلوكياته هي نتاج مباشر لهذه اللغة , بشكل حتمي. و لهذا تجد اختلافات سلوكية بين مجتمعات لها لغات مختلفة. ( هذا عكس اتجاه تشومسكي الذي يبحث في الكليات اللفوية المشتركة)و
ثم جاءت العديد من التعديلات على فرضية وورف تنتهي باللغة كعامل من عوامل تشكيل الفكر و ليست العامل الوحيد.
الكتاب سهل و بسيط و به العديد من الأمثلة باللغة العربية و بلغات أخرى مما يسهل هضمه.
هذا الكتاب من أميز الكتب التي قرأتها في بابه، فالمؤلف أجاد في توضيح الفرضيات وتبسيط عقد المسائل وأوجه الاختلاف . كما وجدت الكتاب مليئًا بلا حشو ولا إكثار من الأمثلة والاقتصار على ما يوصل الهدف ويحقق الفهم . موضوع "النسبية اللغوية" واسع جدًا والاختلاف فيه ما زال محتدم بين مؤيد ومعارض .. ومعناها -بتبسيط مخل- : أن اللغة هي من تؤثر على الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم، ويتصرف من خلالها في اتصاله بهذا العالم . وعليه فإن اختلاف اللغات بين الشعوب يترتب عليه اختلاف في الفهم والإدراك للحياة والكون وهو ما تلخصه عبارة : "كل لغة تجسد رؤية كونية متميزة ." ثمة تبعات لهذه الفرضية النسبية، أترك للقارئ متعة اكتشافها .. وبالمناسبة ..، لن يفيد الكتاب عقل خامل غير متقد بالأسئلة ! وسأثير لكم بعضها، مثل : - هل الفكر أولًا أم اللغة ؟ - هل نحن من يحدد نمط لغتنا، أم اللغة تحدد تفكيرنا ؟ - لماذا يكون لنا نفس اللفظ واختلاف في الدلالة، أو العكس ؟ - هل اللغة مؤثرة في ثقافة المجتمع أم أن الثقافة والمجتمع يشكلان اللغة التي تعبر عنها ؟ - ماذا عن الترجمة !، هل حقًا ترجمة "google" -مثلًا- سيئة بذاتها أم هناك أمر خارج عنها ؟! - كيف تتطور اللغة، وهل حقًا هناك مصطلحات تستجد .. إذن كيف ؟ - وأخيرًا، - هل يمكن أن يُجمع العالم على لغة واحدة ؟!
وعلى كلٍ فإننا نقف عند مجموعة العناصر النظرية التي قامت عليها نظرية وورف ١-إن طبيعة اللغة هي العامل الحاسم الذي يحدد بطريقة مستبدة قنوات التطور وذلك لأن اللغة نظام وليست مجموعة من القواعد ولتوضيح ذلك نسوق عبارة وورف التي يقول فيها: إن خلفية النظام اللغوي لأي لغة من اللغات ليست مجرد أداة إنتاجية لإظهار الأفكار بل لإنها هي ذاتها المشكلة لهذه الأفكار
٢-إن اللغة قبل كل شيء هي تصنيف وترتيب لتيار التجربة العملية التي ينتجها نظام مجتمع معين ٣-إن الناس يؤدون المواقف بطريقة تشبه الطريفة التي يتكلمون بها عن هذه المواقف ٤- إن مفاهيم معينة مثل الزمن والمادة لا يمكن أن تعطيها التجربة بشكل مماثل لكل البشر بل إنها تعتمد على طبيعة اللغة التي تتطور هذه المفاهيم من خلالها
وثمة مقولتان أساسيتان قامت عليهما فرضية وورف ١- أن الاختلافات اللغوية تكشف عن اختلافات ثقافية في رؤية الحياة والكون ٢-أن اللغة تلعب الدور الحاسم في تشكيل الفكر بل إنها الفكر ذاته
كاين واحد الارتباط وثيق بين اللغة والبنية دالعقل السّائدة فأي مجتمع، ومن هاد المُنطلق يمكن لينا نقولو أن تحليل الفكر كايدوز من طريق أو على طريق تحليل اللغة. بمعنى آخر ماكايناش شي وسيلة لتحليل الفكر من غير تحليل اللغة. زِد على كل هذا أن أي مجتمع مايمكنش يفصح على نفسو إلا بالكلمات. ويلا بغينا نختاصرو لكلام شويا غادي نقولو أن اللغة مايمكنش تبني لراسها عرش بعيد وتستوي عليه وتكون مفهومة، بل خاصها تهبط من عرشها أو من عليائها وتقلب على السلوك والثقافة ديال الناطق بها باش يمكن تكون لغة وباش يمكن تفهم. وفرواية أخرى يمكن نقولو أننا مايمكنش لينا نفصلو بين اللغة والبنية العقلية السائدة (الفكر) لي منها كانصنعو رموز لي بدورهم كانتجو أو كانحولوهوم إلى لغة. بحيث مايمكنش يختالفو جوج على أن البشر كايعيشو تحت رحمة اللغة إلى حد كبير للدرجة لي كاتأثر ليهوم على الطريقة باش كايفهمو العالم وباش كايوصفوه هو والأشياء المُحيطة بيه. أي أنها (اللغة) هي لي كاتشكل التصورات أو يلا بغينا نقولو بشكل أدق كاتشكل النسق الذهني. الشيء لي كايقودنا لحقيقة اختلاف التصورات أو الأنساق الذهنية بالشكل لي كاتختالف بيه اللغات الموجودة فالكون، وحقيقة أخرى كاتتجلى في أن اللغة لاعب عظيم فتشكيل الفكر، هادشي إذا ماقلناش أن اللغة هي الفكر نفسو.