دراسة بسيطة وخمسون قصيدة مترجمة للشاعر الهندي ك. ستشدانندن"الشعر قوة ثقافية عظيمة ونبيلة يستحيل قتلها بالمشانق ولا يمكن ترويضها بالجوائز" كلمات تختصر ما يريد أن يقوله الشاعر الهندي الكبير "ك ستشدانندن" والذي وضع في خانة شاعر الحرية والعدالة. شاعر اتسع قلبه ليستوعب في طياته الكون كله، بما فيه من حزن وسعادة، وتفاؤل وتشاؤم، وفكر وخيال، وماضٍ ومستقبل. إنه شخصية قل مثيلها في الحياة الهندية المعاصرة، فكان ناقداً لاذعاً للخطاب السياسي والثقافي لبلاده، اتصف في أشعاره بالتزامه بقيم العدالة والمساواة من ناحية، وبأرقى حس جمالي واصطفائية من ناحية أخرى. وهذه المجموعة هي ترجمات لخمسين قصيدة اختارها الأستاذ "شهاب غانم" من مجموعتين باللغة الانكليزية للشاعر وهي (ولادات كثيرة) و(التأتأة) فضلاً عن قصائد أخرى مساهمة بمشروع حضاري اطلقته مؤسسة "كلمة" في الإمارات العربية المتحدة، لإن بالشعر نقتصر الطريق للتعرف على أية أمة وثقافتها ورسالتها. ومن رياحين هذه الشعرية الرائعة نختار قصيدة بعنوان [الخلود] "ألوف الشعراء كتبوا شعراً، وآلوا إلى النسيان/ واحد فقط بقي في الذاكرة/ إنني أفضل أن أنسى/ مع ألوف من الرفاق/ على أن أبقى الخالد الوحيد".
سأخبركم عن هذه القصائد.. حين تتحول القصائد الى حكايات ، حين تتحول القصيدة إلى لغة قصصية في كلمات بسيطة مشرعة الأبواب للخيال والرؤى البعيدة والأهازيج القادمة من المغامرة الأخيرة للحكي..
بعض الحكايات لا ينبغي أن تسمعها ولا أن تكتبها بل يكفي أن تشعر بها، حين تدعها تغازل خيالك فهذا يكفي..
قصائد تلامس النفس بلغة عذبة هادئة وعميقة.. أحببتها جداً
قصائد رائعة للشاعر الهندي ك. ستشدانندن جمعها وترجمها لنا الشاعر شهاب غانم، الترجمة في غاية الجمال والعذوبة، الشاعر يحمل ثقافة عالية وكتب في مواضيع متنوعة وغير تقليدية، ثراء الهند الثقافي يحمل جزء من هذا الجمال، ولكن الشاعر يتجاوزها ليكتب عن العالم كبلدة صغيرة، كتب عن تولستوي وسور الصين والقنيطرة ومحمود درويش ومايكوفسكي، وبالطبع غاندي على رأس القائمة، مقدمة وافية كتبها المترجم وأخرى للأديب شاه جهان مادمبات عن الشاعر وكذلك عن الشعر الهندي المعاصر في ولاية كيرالا مسقط رأس الشاعر. يقول الشاعر ك. ستشدانندن في أحدى قصائده ؛ أن الشاعر الجيد يجب أن يمتلك محل حنجرته قبّرة ومحل قلبه ليمونة حلوة، ويختم القصيدة بقوله: أنا لست شاعراً جيداً.
اقتباسات :
الحب في المدينة هو كالسماء في المدينة نعلم أنها هناك ؛ ولكن حيثما ننظر لا نرى إلا جدران
...
العجائز لا يطرن على عصا سحرية ولا يصنعن نبوءات غامضة من غابات مخيفة فقط يقعدن على المقاعد الخالية في الحدائق في الأماسي الهادئة وينادين الحمائم باسمائها ويسعدنها بحبات الذرة
إننا نغني من بين الخرائب أنشودة الحياة إننا نغني من الصحراء أنشودة المطر لقد بسطنا أيدينا من أجل الخبز فأعطونا الرصاص ورفعنا رؤوسنا للأزهار فأعطونا سكاكين وبسطنا أيدينا لأجل الأرض فقذفوا بنا بين الدماء
...
شفتاك الألف والياء، بينهما الألفباء ؛ كل الكلمات. ألتقط بعضها بشفتي وأضعها معا. أسمي ذلك شعرا. وأنت تسمينه الحب.
...
كل مرة نتأتئ فيها نقدم قرباناً لإله المعنى عندما يتأتئ أبناء شعب بكامله تصبح التأتأة اللغة الأم لهم كما هي الآن بالنسبة لنا.
...
الجسم مدفون في الرمل ؛ فقط الرأس بارز يحاول أن يجد طريقة لإنقاذ الأرض
...
ومن قصيدة جسدي مدينة :
التجويفات الأربعة في قلبي : الأول سجن، أسود من عزلة الموتى والثاني كنيسة، أبيض من تعقيم الصلوات والثالث مستشفى، أحمر من أنّات المرضى وروائح الأدوية، والرابع قاعة محكمة، أزرق من المحاكمات المطولة والأحكام النزيهة.
...
كتب عن ابنته المريضة بتصلّب الأنسجة المتعددة :
إنني أرى ابنتي التي بلغت الثلاثين من العمر وقد عادت طفلة في الشهر السادس أغسلها، وأُزيل عنها غبار وأوحال ثلاثين سنة.
...
ترجم أشعار نيرودا وبرتولد بريخت وغيرهم، كتب عن تجربته في قصيدة ترجمة الشعر:
ترجمة الشعر هي التبديل المحرج لرأس حكايات فيكراماديتيا فالمترجم يضع رأس شاعر آخر فوق رقبته كل سطر هو طريق أنهكته الحروب والشقاء والسأم ذات مره حلمت أنني أترجم شعري إلى لغتي ! كلنا نترجم كل قصيدة إلى لغتنا الخاصة ثم نتعارك حول المعاني يبدو لي أن بابل لن تكتمل.
...
وختاماً من قصيدة كيف انتحر مايكوفسكي :
دم الشاعر الذي لا يُروّض جرى بين المخطوطات غير المكتملة : إنذار لأولئك الذين نسوا رحمة الغاية في قسوة الوسيلة، وأصبعاً اتهامية تكبر.. وتكبر وتشير باستمرار إلى فحش السلطة ونذير شؤم لأولئك الرجال الذين يحاولون أن يكونوا آلهة على الأرض.
📝مراجعتي لأنتولوجيا من قصائد شاعري الهندي المفضل. أذيّلها بقراءة معمقة لقصيدته اللافتة 'من التأتأة' حيث يعتق الشاعر عارض التأتأة من إطار النطق، دافعاً به الى مستوى التجريد لتبيان أبعاده السوسيولوجية و الفلسفية، لتكتسب بذلك التأتأة رمزيتها بالنسبة للشاعر كاحدى تجلّيات محدودية و لااكتمال الطبيعة الانسانية ذاتها. سأستعرض فيها الخطوط العريضة التي أعانتني في تأويل و توضيح بعض دلالات هذه القصيدة الرائعة الجامعة بين الحياة، اللغة و الأدب و كيف تحكم العيوب ذاتها عوالمها بالتوازي.
ان أجمل ما تلتمسه في شعر (استشدانندن) هو روحيته الأممية، أعني بذلك أممية المواقف الانسانية العابرة للجغرافيا و للون الجلد، و الدين، و الثقافات، و لغاتها. تتجلّى هذه مثلاً في قصيدة 'عن سور الصين العظيم'
لا أؤمن بالجدران. أؤمن بالماء. بالماء، بالجذور، بالحب، لأن هؤلاء يعملون ضد الجدران. كل الجدران مؤسسة على الدماء، دماء الرجال، و الحيوانات، و النباتات. و أنا لا أحرس الحدود. أولئك الذين يحرسونها بحماسة هم أنفسهم الأشخاص الذين صنعوها. ******
لا أعني بها هنا الأممية المؤدلجة التي تقوم على الأفكار النظرية، بل أممية تخصّ الشاعر المنعتق من الحواجز القومية و الدينية و الواعي بجوهر القضايا الانساني، جامعة في منطلقاتها بين وجدانية الشاعر العميقة التي تطمح بتجاوز العزلة التي كرّستها الاختلافات و التصنيفات و التي أرستها المنظومات البشرية عبر الحركة التاريخية، سالخة بذلك الفرد عن قضاياها المشتركة، و بين البعد السياسي الكامن رمزياً في شعار (غيفارا) "أينما وجد الظلم فذاك هو وطني".. نلتمسها في قصيدة عن أحداث "تيانن من" في بيكين و أخرى مهداة لشهداء "القنيطرة" تحت ضربات الاجتياح الاسرائيلي و قصائد هي تحيّته (لا يسلك فيها منهج المديح المبتذل) لغاندي و عرفات و اللاما و ماياكوفسكي.. هي اذاً أممية انسانية في دوافعها، متحررة من الوطنية الضيقة، لا تفقد نغمتها الهادئة حتى في انفعالاتها، متّزنة في موسيقيتها صعوداً و هبوطاً مثل كونشرتو الفصول الأربعة لڤيڤالدي..
كثيرة هي قصائده الملتزمة علانيةً بقضايا ينحاز اليها، تتقلب مزاجياً بين التضامن و الإدانة، ينجح في نقلها من مستوى التجريد الى مستوى التأثير، و من العام الى الخاص، محاكياً اياها عبر إسقاط تأثيراتها على ذاته ليصبح الُمتخَيّل الشعري بمثابة ستار شفاف يغطي صوت خطابي ملتزم. يبرز اذاً في متن هذه القصائد و بين مفاصلها مضمون ذات خلفية سياسية و إجتماعية تصاحبه شحنات قلق و كبت و خيبات ظن محتشدة في نفس (استشدانندن)، لتطغى فيها انطباعات مريرة حول الحرب و الظلم، يستقطعها بغتةً بومضات مهادنة و بفواصل تأملية و سارحة.
من قصيدته 'جسدي مدينة'
في هذه المدينة صرخات الولادة و أنات الموت، و إغواءات القوادين و بشارات القديسين، و مساومات التجار و انعزالات الرهبان غابات في أقفاص و ينابيع في قيود.. ******
لأن أراد (استشدانندن) أن يكون شعره غير منفصل عن وجدان المجتمعات و حركتها في التاريخ، فهو يحضّ على أن تنعتق لغة قصائده، بما هي أساساً أداة تواصل و تفاهم بين الانسان و الانسان، من نسق الغنائية التعبيرية الدائرة حول نقطة ارتكاز أناويّة و الغارقة في ذاتية مفرطة.. فهو يذوّب في وعيه الفردي الذاكرة الجماعية و التجربة الانسانية، معانقاً عبر القصيدة الانسان أينما وجد في كليته و شموليته. روحيّة هذه الصور و الانطباعات الشعرية التي تخالجه، تعبّر عنها أفضل تعبير خواطر تأمّلية للكاتب اليوناني (كازنتزاكيس) في نصه "تصوّف"، جمعها تحت فصل بعنوان "سلّم الانسانية" :
"..أنت لا تتكلم وحدك، و لا تتكلم سلالتك وحدها من خلالك، ففي داخلك تصطخب و تتصابح أجناس لا تحصى من البشر -بيض و صفر و سود. تحرر من السلالة أيضاً. جاهد لكي تحس بالانسان المكافح في كل مكان." "..مرّن عينيك على مشاهدة شعوب بأكملها تتحرك على حقب زمنية كبيرة. استغرق في هذه الرؤيا بصبر و بحب و دون أدنى غرض حتى يتنفس العالم بداخلك شيئاً فشيئاً، و حتى يتوّهج المتصارعون و يلتحموا في قلبك، حتى يتعارف الأخوة." "..الصرخة ذاتها تنتقل من جسد الى جسد، و من جيل الى جيل".. ******
عالم (استشدانندن) الشعري يزخر بصور تشبه ساحة لعب الأطفال في صخبها.. و استعاراته المجازية و تشبيهاته غير متكلفة، ملونة كثياب ناسك في معابد نيودلهي و ڤاراناسي. الشاعر في قصائده هذه لا يلهيك بتنميق مصطلحات مصطفّة أو بترصيعات لغوية، و الانطباعات و المدركات الحسية التي يستدعيها في صوره الشاعرية هي بسلاسة و خفّة نكهة حبات الأرز و الهال و السكر كالتي ناولني اياها چورو هندوسيّ عقب صلاواته الغنائية التأملية في معبد "غالتا جي" فوق تلال المدينة الزهرية "جايپور".
من قصيدة ' ابنة'، [مهداة الى سابيتا التي تعاني من تصلب الأنسجة المتعددة]
إنني أرى ابنتي التي بلغت الثلاثين من العمر و قد عادت طفلة في الشهر السادس. أغسلها، و أزيل عنها غبار و أوحال ثلاثين سنة. (...) يرفع بيتهوڤن يديه الأكبر من انسانيتين و يحيل قضبان النافذة الى مفاتيح بيانو. تبرز ابنتي من خلال سمفونية لتحضنني بيديها اللتين في نعومة الورد. *******
هذا ليس أول كتاب شعر هندي أقرأه، لكن (استشدانندن) كان من أوائل من قرأت لهم. ففي حين كنت في نيودلهي عرّجت قبل موعد قطاري الى "جايپور" على ساحة "كوونوت" الشهيرة باحثاً عن مكتبة صغيرة أوصى بها بعض الزائرين في مقالات و خواطر لهم حول يومياتهم في الهند، تعرف باسم مكتبة "الرفيق ري��اڤ كومار الشيوعي" و هو مالكها، و هي تختص بكتب الماركسية و نشر كراريس الحزب الشيوعي الهندي، فيها پورتريه ل(لينين) معلّق منذ الستينيات. https://www.flickr.com/photos/mayanka... ناولني (كومار)، الذي لا يخفي فخره بمكتبته رغم قلة الزائرين، رزمة من كتب قصائد مختارة من الشعر الهندي، و كتب شعر بلغة الأوردو. عند تصفّحي اليوم التالي المجموعة المختارة باللغة الانجليزية، وقعت على قصيدة "العجائز" الرائعة ل(استشدانندن). هذه أسطر منها:
"العجائز لا يطرن على عصا سحرية و لا يصنعن نبؤات غامضة من غابات مخيفة. فقط يقعدن على المقاعد الخالية في الحدائق في الأماسي الهادئة و ينادين الحمائم باسمائها و يسعدنها بحبات الذرة. أو يقفن في طوابير لا تنتهي في مستشفيات حكومية و هن يرتعشن كالأمواج أو ينتظرن كالسحب العقيمة في مكاتب البريد لرسائل من أبناء في بلدان أخرى ماتوا منذ عهد بعيد. و يهمسن كزخات المطر الخفيف و هن يتجولن في الشوارع بنظرات شاردة كما لو أنهن قذفن شيئا في الهواء و لم يعد الى الأرض. (..) العجائز كن ذات يوم قارّات.. ******
قصيدة 'من التأتأة' ، فذّة و طريفة و لامعة في الماحها و اشارتها:
التأتأة ليست إعاقة: إنها أسلوب تحدّ. التأتأة هي الصمت الذي يقع بين الكلمة و معناها، تماماً كالعرج الذي هو الصمت الواقع بين الكلمة و الفعل. هل سبقت التأتأة اللغة أم تلتها؟ هل هي مجرد لهجة أم هي اللغة ذاتها؟ هذه الأسئلة تجعل اللغويين يتأتئون. كل مرة نتأتئ فيها نقدم قرباناً لإله المعنى. عندما يتأتئ أبناء شعب بكامله تصبح التأتأة اللغة الأم لهم كما هي الآن بالنسبة لنا. *****
التأتأة في تعريفها العام على ويكيبيديا هي "اضطراب كلامي حيث يتعطل تدفق الكلام بواسطة التكرارات اللاإرادية أو إطالة في الأصوات أو في المقاطع الصوتية أو في الكلمات أو في العبارات ، وأيضاً التوقفات الصامتة غير الإرادية أو عدم قدرة الشخص المصاب بالتأتأة على إنتاج الصوت."
الشاعر في قصيدته يخرج التأتأة/التلعثم من إطار هذا التعريف الضيق كتمظهر لعيب فيزيولوجي و يعتبرها عارض يتجاوز الاضطراب في النطق و التواصل الشفهي، بحيث أن التأتأة/التلعثم ترتبط بعائق شخصي يواجهه المتأتئ عند التعبير و في القدرة على موائمة الخطاب الشفهي مع الأفكار الباطنية. لكنها في الصميم تضيء على خاصية مشتركة انسانياً ألا و هي قدرات الفرد الجسدية و الفكرية الناقصة في الأصل، و التي ما التأتأة سوى احدى تمظهراتها. التأتأة في مفهوم (ستشدانندن) ليست مجرد إعاقة بدنية (أو ذهنية، بطبيعة الحال) انما هي طريقة خاصة في الخطاب تضيء على النواقص و العيوب التي تشكل جزء أساسي من ماهيّة كل الظواهر الانسانية. يقيم الشاعر مقاربة بين التأتأة في الفعل و التأتأة الشفهية، فيشبّه التأتأة في النطق، أي تلعثم الخطاب الشفهي، بالعرج في المشي، أي تعثّر انتظام الحركة في فعل جسدي، حيث ان كلاهما يتضمنان سكون/فجوة بين كلمتين/حركتين. بناء عليه، التأتأة كتلعثم خطابي تصبح فجوة فاصلة بين الكلمة و ظروف استخداماتها و بين المعنى الذي تتضمنه، فيما التردد الحركي يشكل فجوة بين الكلمة و الفعل المقصود، أي انه عندما لا تتوافق الكلمة، بمعنى الوعد الشفهي، مع الفعل الموعود أو المقصود حينها يقع ما يشبه التأتأة في الفعل. التلعثم الدالّ على التردّد ميزة انسانية لا تنحصر بالتأتأة، اذ نحن نتردد في الكلام عندما لا نكون أكيدين من صحة أقوالنا فيما يصيبنا تردد شبيه له في الفعل عندما لا نكون أكيدين من فعل الصواب. يسقط الشاعر مقاربته هذه على العلاقة العامودية بين الخالق و المخلوقات. ما يشير اليه تحديداً هو جدليّة و تضارب صفات الخالق، الكامل، في مقابل المخلوقات البشرية التي هي ناقصة، فكرياً و عقلياً و جسدياً. يتساءل الشاعر من خلال تصوراته الشعرية كيف تكون المخلوقات على صورة الله اذا كانت لا ترتقي اليه؟ و هل خلق الانسان في لحظة تلعثم، أو تأتأة، في معناها المقصود في القصيدة، ساورت الله فولد ناقصاً؟ اليس لهذا يصبح التلعثم/التأتأة فعلاً منطقياً نعيبه بالخطأ فيما هو انساني و طبيعي؟ في صورة مجازية شعرية، يعلّل الشاعر هذا التناقض بين الخالق و المخلوق، بلحظة تردد/ تأتأة ساورت الرب حين خلق الانسان، ورثها هذا بدوره لتتجسّد تردداً في الفعل و القول. و بما أن هذا التردد/ التأتأة ظاهرة متشاركة لا عارض استثنائي يصاب به من نوصِمهم بالناقصين. ألا تكون حينئذ التأتأة الشفهية فعلاً تافهاً كي نصنفها بإعاقة ؟
ان التأتأة-اللاكماليّة تسللت اذاً الى عملية الخلق الالهي للكائن البشري. لهذه الفرضية تداعيات مشابهة على مستوى الفن، الانسان بدوره خالق لللغة فيما الشاعر خالق للنصوص و الصور. التأتأة، بمعنى اللااكتمال، حاضرة اذاً في الحياة و اللغة و الشعر. لو كان الانسان كاملا لافتقدت الحياة جوهرها، و بالقياس لو كانت اللغة كاملة لكان للكلمات معان دقيقة تستنسخها خطابات متشابهة تمحو اختلافاتنا، و كما لكان للنصوص الشعرية ذات التأثير و التأويل و الدلالة. ان العيوب و الفروقات و الاختلافات التي يولدها لااكتمال اللغة و الشعر هي بمثابة خصائ تكسبها اثراء دلالياً و جمالية خاصة تضفي الى الوجود غموضه الميتافيزيقي و الروحاني ..
التأتأة هي الشك، الغموض، تتولّد من تعددية الاحتمالات و الالتباسات. هذه العوارض تحكم الطبيعة الانسانية، و ما تلعثمنا، بمعنى عدم التوافق بين الكلام و النوايا، أو الكلمة و الفعل، سوى اشارة الى عيوب ترافق قناعاتنا و إدراكاتنا و قيمنا. حينها، تصبح التأتأة الشفهية هامشية أو ثانوية بالمقارنة مع باقي العيوب البشرية المنطلقة من تكوينها ذاته. هذه القصيدة، حيث تأخذ انفعالات الشاعر طابع السخرية و التهكّم، تفصح عن أسفه عما أضحت عليه اللغة و تعبّر عن امتعاضه من تعرقل التاريخ في سيرورته عوضاً عن الارتقاء (يبتعد بذلك عن القراءة الهيجيليّة). فالتلعثم البشري أودى الى تفكك المجتمعات و الى إيغال الفرد في الفردية-الأنانية. بالإضافة الى ذلك، تقلَّص هامش اللغة في أداء وظيفتها المفترضة، أي ارساء قواعد خطاب مصالحة و تعايش و تضامن، و خفتَ تأثيرها أمام تداعيات العنف و التنابذ و التعصب و الاقصاء.
تنويه: ترجمة الشاعر الاماراتي (شهاب غانم) للقصائد من الانجليزية الى العربية ممتازة. الترجمة تمت عن لغة وسيطة اذاً انما قام الشاعر الهندي بترجمتها اليها بنفسه من المالايام، لغته الأم.
" كل يوم ينكسر فيه قلب يخرج منه الشعر متدفقا ويتجمد " تذكرني القصائد كثيراً بأسلوب الشاعر وديع سعادة ولا أعجب من هذا التشابه - على الرغم من أن هذه القصائد مترجمة وليست بلغتها الأم - لأن الروح عندما تكتب لا تقيد نفسها بلغة معينة فالمشاعر بحد ذاتها لغة
من التأتأة التأتأة ليست إعاقة: أنها أسلوب تحدٌ. التأتأة هي الصمت الذي يقع بين الكلمة و معناها، تماماً كالعرج الذي هو الصمت الواقع بين الكلمة و الفعل. هل سبقت التأتأة اللغة أم تلتها؟ هل هي مجرد لهجة أم هي اللغة ذاتها؟ هذه الأسئلة تجعل اللغويين يتأتئون. كل مرة نتأتئ فيها نقدم قرباناً لإله المعنى. عندما يتأتئ أبناء شعب بكامله تصبح التأتأة اللغة الأم لهم كما هي الآن بالنسبة لنا.
"نحن هنا فقط الضيوف نصف المحترقين في بيت تشتعل فيه النار." | "أعرف أنّ لي غرفة في مكان ما و صديقًا حقيقيًّا لم أشاهده أبدًا و قصيدة حقيقية لم أكتبها أبدًا في انتظاري هناك." | "الأرض لن تجرؤ على الحلم بالحياة من جديد." | عاتب آل إسرائيل قائلًا : "يا شعب اللاجئين الذي تغذى بالأسيد و الزرنيخ ألم تعلمكم غرف الغاز شيئًا؟." | "الموت يكون في أعقاب الهاربين منه." | و أخيرًا قصيدة "الرجل الذي تذكر كل شيء" هي أروع قصائده و أعمقها.
أتمنى، أن اقرأ الشاعر ك. ستشدانندن من جديد في مثل هذه الوقت من السنه القادمه، والتي تليها، وما بعدها، أتمنى، إن جُعل ليّ قلباً نابضاً، في الحول القادم. - لقد تذوقت الشعر من ضفاف الأدب الهندي- كيرالا، من خلال لسان الشاعر ك. ستشدانندن، وتعلمت كتابة اسمه، ونجحت من المحاوله الثالثه، ولفظه من المحاوله الرابعه، ولفظه بصوتٌ عال! لا لم اتعلم لفظ اسمه بصوتاً عال، فأني لا أتحدث مثله، ليس إلا أحياناً، ليس مثله، إنما مثلي انا، فكلنا لدينا اسلوب نتحدث به، مثلنا. "تشارلز بوكوفسي" في كون موازي، بالنسبه لي، لما اتحدث عنه اكثر! انه اقصوصه تلقي اقاصيص، ليس شعراً إنما حديث، كل قصيده هي قصه بأسلوب ك. ستشدانندن، وأخيراً أصبح اسمه من المقترحات في Keyboard الهاتف. - مقدمة الكتاب عباره عن ثلاث مقدمات بأقلام ثلاث شعراء ومترجمين، ليزهو بها شخصية الشاعر الهندي الذي استصعبت لفظ اسمه، الشخصيه المعاصره المرموقه، يكتب شعراً يثب عن ثقافته ووطنه ليمثل الكينونه القصوى. القصائد التي إغرمتُ بها كلها، وعلى رأسها (كيف انتحر مايكوفسكي، غاندي والقصيده، غاندي والشجره، استخدامات الكتب، تولستوي ليس هنا، الخلود، الرجل الذي تذكر كل شيء، العلامه، الصبار، الحلزون، إلى محمود درويش، القريه الفلسطينيه، الخط، العجائز، رجل معه باب، الشاعر مخاطباً الشعر، الأشياء).
ذهلت من هذا الكتاب ومن قوة الشعر داخله ، الشاعر النبيل الذي عبر دهاليز الحياة كلها ولم يجد غرفته ابدا !!
"أعرف ان لي غرفة في مكان ما وصديقا حقيقيا لم أشاهده ابدا وقصيدة حقيقية لم اكتبها ابدا في انتظاري هناك أسأل المارّين : الى اين يؤدي هذا الدهليز؟ انهم لا يعرفون هم أيضاً يبحثون عن غرفهم ولكنهم لا يمتلكون المفاتيح لفتح غرفهم حتى لو وجدوها"
عندما ولدت وضعني والداي في صندوق مغلق والقو بي في البحر واخذتني الامواج الي هذه الجزيره لقد كبر الصندوق معى وانا احمله كرجل يمشي في تابوته هذا الجزء من العالم ليس فيه اشجار ولا انهار لقد تكرم والدى بصنع ثقب في غطاء الصندوق كى اتنفس ومن خلاله احياناً المح السماء واحياناً اسمع شخصاً يغنى واحياناً يتسرب عطر ورود تتفتح في مكان ما . عندئذ أحلم انه ذات يوم سوف تحبو نجمه من خلال الثقب وتحررنى من الصندوق وتحملنى بعيداً عن هذه الجزيره الي العالم المشمس في الخارج وانني عندئذ سأمدد اوصالى وامشي كالرجال واتكلم كالرجال .
وهكذا أصبح هواتسي الذي كان يوماً شخصاً ما … لا احد .
كل يوم ينكسر فيه قلب يخرج منه الشعر متدفقاً ويتجمد .
عندما اطلب منك التحدث تغني وعندما اطلب منك ان تغني تصمت وعندما اطلب منك ان تخرس تصرخ لقد مللت منك ما جدوى تابع لا يتبع ؟
هل انت حقاً شعر؟ هل يوجد كل هؤلاء في داخلي ؟ من انا ، المتحدث ام المتحدث عنه ؟
من النادر ان يُجيد الشاعر كتابة قصائد بالجمع بين الموضوعية و المنطق و الخيال، هذه المرة الأولى التي اقرأ فيها للشاعر الهندي ك. ستشدانندن، احسدهُ حقاً على ثقافته الواسعة و معرفته الشاملة لبقية الحضارات و الأمم و ثقافة الشعوب بشتى أنواعها .. أسلوبه ممتع حقاً، يشعركَ و كأنهُ يكتب لنفسه، يدون افكاره بالقصائد، ينسى حضوركَ و ينغمس في البساطة تارة و في المعنى العميق تارة أخرى، يتعامل مع الأشياء و كأنها شخوص، يمنح الجمادات روح خفية و يحدثها كالمجانين.. ثم يعود ليكون فيلسوفًا وجودي، ثم حكيمًا .. ثم شاعر، مختارات شعرية ممتازة و قريبة من القلب
قصائد جميلة وأخرى ساحرة. ... أعرف أن لي غرفة في مكان ما وصديقًا حقيقيًا لم أشاهده أبدًا وقصيدة حقيقية لم أكتبها أبدًا في انتظاري هناك. أسأل المارّين: "إلى أين يؤدي هذا الدهليز؟" إنهم لا يعرفون هم أيضًا يبحثون عن غرفهم، ولكنهم لا يمتلكون المفاتيح لفتح غرفهم حتى لو وجدوها. ... الكلمات انتهت، ولذلك نشرب الصمت. ... لأنني حاولت أن أقول كل شيء في كل قصيدة فشلت في قول أي شيء في أي منها. ... أحببت أيضا: تمثال الشاعر- الصندوق - كل يوم - من التأتأة -من قال؟