نبذة النيل والفرات: "يا للغروب وما به من عبرة للمستهام! وعبرة للرائي!!، أوليس نزعاً للنهار وصرعة للشمس بين مآتم الأضواء؟، أوليس طمساً لليقين ومبعثاً للشك بين غلائل الظلماء؟ أوليس محواً للوجود إلى مدىً وإبادةً لمعالم الأشياء؟ حتى يكون النور تجديداً لها ويكون شبه البعث عَوْدُ وذكاء، ولقد ذكرتك والنهار مودعٌ والقلب بين مهابة ورجاء، وخواطري تبدو تُجاه نواظري كلمى كدامية السحاب إزائي، والدمع من جفني يسير مشعشعاً بسنى الشعاع الغارب المترائي، والشمس في شفقٍ يسيل نضاره فوق العقيق على ذرىً سوداء، مرّت خلال غمامتين تحدُّراً وتقطرت كالدمعة الحمراء، فكأن آخر جمعة للكون قد مُزجت بآخر أدمعي لرثائي، وكأني آنست يومي زائلاً فرأيت في المرآة كيف مسائي".
في شعر خليل مطران انسيابات عذبة وشفافية مغرقة تجعلك تقف بين سطوره ومعانيه ومعانيه وقوافيه وكأنك في محراب أوضع شعره كل شعوره، فكان شعره شعر الحقيقة والخيال، مقيداً فيه زفراته وأحلامه، ومسجلاً بقوافيه أحداث زمانه وبيئته في دقة واستيفاء.
متابعاً السابقين في الاحتفاظ بأصول اللغة، مع عدم التفريط فيها، مستوحياً في ذلك الفطرة الصحيحة، ومتوسعاً في مذاهب البيان مجاراة لما اقتضاه عصره، كما فعل الشعراء العرب من قبله: وهو يقول في ذلك بأن الأمنية الكبرى التي كانت تجيش في صدره، هي إدخال كل جديد في الشعر العربي بحيث لا ينكره، وأن يكون باستطاعته إقناع الجامدين بأن اللغة العربية هي أم اللغات إذا ما حفظت وخدمت حق خدمتها. ففيها ضروب الكفاية لتجاري كل لغة قديمة وحديثة في التعبير عن الدقائق والجلائل من أغراض.
شاعر لبناني قضى شطر حياته في مصر ومات بها، تأثر بالآداب الفرنسية وتشرّب الأدب العربي في عصوره المختلفة، وهو صاحب دعوة التجديد في الشعر، وأمتازت أشعاره بطابع الحداثة والخروج عن التقاليد الشعرية في المعاني مع المحافظة على الصياغة العربية الكلاسيكية واللفظ العربي الصحيح
عمل وكتب في جريدة الأهرام ومجلة الهلال، وقام بترجمة عدد من مسرحيات شكسبير إلى اللغة العربية في أسلوب متفرد
يقول مطران في أخريات حياته: «هذا شعري وفيه كل شعوري، هو شعر الحياة والحقيقة والخيال، نظمته في مختلف الآونة التي تخليت فيها عن العمل لرزقي، نظمته مصبحاً ممسياً منفرداً ومتحدثاً مع عشرائي، وقيّدت فيه زفراتي وأحلامي، وسجلت بقوافيه أحداث زماني وبيئتي في دقة واستيفاء عرّف خليل مطران إذاً، ذات يوم، علاقته بالشعر هو الذي كان بالتأكيد واحداً من البنائين المؤسسين للنهضة الشعرية العربية: فخليل مطران، الذي كان يلقب بـ «شاعر القطرين» من جراء انتمائه العربي المزدوج الى لبنان الذي ولد فيه وظل يحن اليه، كما الى مصر التي عاش فيها معظم سنوات حياته، وكتب لها وعنها أروع قصائده واحتضنته بوصفه واحداً من أبنائها المبدعين الكبار، كان في المقام الأول شاعراً، وهو بهذه الصفة تولى رئاسة جمعية «أبولو» التي تأسست في مصر وامتد تأثيرها الى شتى أنحاء العالم العربي وكان واحداً من كبار شعرائها، ولكن أيضاً واحداً من كبار مثقفيها، حيث اشتهر مطران بثقافته الرفيعة واطلاعه الواسع على أحدث الآداب والأشعار الأوروبية، بقدر ما كان مرجعاً لرفاقه في الكلاسيكيات العربية والعالمية. وهذه المزاوجة بين الشعر والثقافة هي في الحقيقة من أبرز ما يطالع المتبحّر في «ديوان الخليل». في شكل عام، وكما يمكننا أن نكتشف بسهولة في «ديوان الخليل»، كان مطران واحداً من ثلاثة شعراء أمنوا شعر المرحلة الانتقالية بين آخر الكلاسيكيين العرب، محمود سامي البارودي، وبدايات الشعر الحديث كما تجلت لدى جماعة ابولو وجماعة الديوان، ثم لدى تحديثيّي النصف الأخير من القرن العشرين. فإلى جانب أحمد شوقي وحافظ ابراهيم، عرف خليل مطران كيف يخرج القصيدة العربية من سكونيتها واعتمادها وحدة البيت، ليجعل منها قصيدة حية نابضة، تتجلى وحدتها من خلال موضوعها وتعبق بلغة طرية معاصرة يمكن فهمها من دون عناء. والواقع أن ما ساعد خليل مطران على سلوكه درب التجديد كان كما ألمحنا أعلاه، توغله في الأصالة الشعرية العربية. لكن أيضاً وبخاصة انفتاحه على الثقافة الفرنسية، شعراً ومسرحاً، وهي ثقافة نهل منها وترجم الى لغة الضاد بعض أجمل روائعها، كما ترجم العديد من مسرحيات شكسبير يوم بدأ يهتم بالمسرح في شكل جدي وصولاً الى تسلمه مسؤوليات مسرحية كبيرة في مصر خلال حقبتها الليبرالية العظيمة.
ثلاثة أجزاء وآلاف الأبيات وعشرات العشرات من الشخصيات العامة والأحداث البارزة والمناسبات التي لا تحصي
هذا ليس بديوانٍ يمرّ!، وإنما هي حياة مطران بأكملها بكل تفاصيلها رواها لنا شعرًا، كل صفحة من صفحات الديوان تشهد على قلب صاحبها الكبير وتواضعه البالغ ووفائه المعجز وقدرته الفائقة على التعبير عن وجدانه ومشاعره، وعن مجاملة واسعة للغاية للجميع لا ترد طلبًا لأحد مهما كانت ظروفه الشخصية أو الصحية، خليل مطران رجل لا تملك إلا أن تحبه وتعشق قلمه
هذا رجل لم يتكلف الشعر قط، فالشعر على فمه كالماء الجاري