يقرر كتاب "صاحب الأغاني" أن أبا الفرج راوٍ وليس مؤرخا, حين يضع نصب عينيه إيراد كل ما يصله من روايات دون التحقق من صدقها, تاركا مهمة تمحيص الروايات وتحقيقها والحكم عليها للقارىء, متبرئا من العمدة والمسئولية فى وجه الطاعنين والعائبين, وإن كان يسارع فى غير قليل من الحالات إلى إصدار حكمه على ما يورد من روايات فى كلمة سريعة, ودون إبداء الحيثيات أحيانا, وفى شىء من التفصيل والتعليل فى أحيان أخرى
محمد أحمد خلف الله هو مفكر وكاتب مصري في حركة الحداثية الإسلامية.
رفضت جامعة القاهرة في 1947 الأطروحة التي قدمها لقسم اللغة العربية وعنوانها «الفن القصصي في القرآن» فكان يشير فيها إلى أن النصوص القرآنية تمثيلية ولا ينبغي أن تعتبر ثابتة بل توجيهات أخلاقية.
بعد ذلك، بدأ أطروحة عن موضوع غير ديني وحصل على الدكتوراة عام 1952 فعمل في التعليم وأتم عمله في وزارة الثقافة المصرية.
العرض والاستباطات الجديدة في حياة أبي الفرج في الكتاب رائعة وأعجبتني جدًا، ولم يعجبني أسلوب المؤلف في التكرار والتكرار والإعلاء من فضله لأنه أتى بالجديد في حياة أبي الفرج!
هو في هذا الكتاب يطرح آراءً مثل أن أبا الفرج الأصفهاني ليس إلا كاتب متواضع كان متوسط الشهرة في حياته ولذلك لم يهتم كثير من المؤرخين المعاصرين بالإكثار من تفاصيل حياته لعدم شهرته أثناء حياته، ولكن حدث ما حدث وفقدت المصادر الذي استفاد منها أبو الفرج في جمع مواقف وأشعار كتاب الأغاني، فبقى لنا كتاب الأغاني أكبر شاهد عليها وأكبر ناقل منها، لأن أبا الفرج كان ينقل ما يقع تحت يده وينسخ من الوراقين ما صح وما كذب، مادام في ذلك متعة وإيناس للقارئ، أي كان (حاطب ليل) هذا التعبير الذي استخدمه المؤلف كثيرا، وقال أكثر من مرة أنه يجب الحذر عند أخذ التاريخ من كتاب الأغاني لكيلا نقع تحت ميول وأوهام أبي الفرج، فأبو الفرج راوية للأحداث والقصص وليس مؤرخًا في هذا الكتاب، وهو بعد مستهتر يشرب الخمر ويكثر من ذكر أشعارها في كتاب الأغاني.
ولكن على الجانب الآخر، كان أبو الفرج مؤرخًا جيدًا عالمًا بالأسانيد والعلل وأخبار الرجال، وذلك في كتابه الآخر الذي وصل إلينا وهو (مقاتل الطالبيين)
وفي الكتاب أيضًا تفسير رائع جدًا لهذه الحكاية التي انتشرت من أن أبا الفرج أهدى نسخة الأغاني الوحيدة لسيف الدولة الحمداني فأعطاه عليها ألف دينارًا وأعتذر، وعاتبه على ذلك الصاحب بن عباد لأن يستأهل أكثر!، (وهذه القصة لو تذكرنا كانت هي المقررة علينا في كتاب اللغة العربية في الثانوية!!)، المهم أن مؤلف الكتاب تتبع هذه الحادثة حتى أبان حقيقة الأمر ونص على أقرب الأمور إلى الواقع حتى تستقيم لنا الأحداث!، في فصل من أمتع فصول الكتاب.
وفي الكتاب رد نسبة أبي الفرج، وقال أنه من المرجح أنه من مواليد مدينة سامراء (سر من رأى) وأنه لم يزر قط في حياته أصبهان هذه، وإنما نسب إليها لأن بعض من أجداده هاجروا منها قبل مولده بسنين عدة، فهي نسبة وليس صفة تدل على مكان الولادة.
والكاتب يتعمق كثيرًا، في وصف حياة أبي الفرج من جميع نواحيها، واستقصاء حياته المادية والاعتقادية والمذهبية والخُلقية والعقلية والفنية, وذلك مع وصف المجتمع من حوله في ذلك الوقت.
من الكتاب: ------ إن كتاب الأغاني لم ينل حظه الفائق من الشهرة إلا بعد أن فقدت المكتبة العربية كثيرًا من الكتب وكثيرًا من المرويات التي أعتمد عليها أبو الفرج في التأليف، ولولا ذلك لظل الكتاب وسطًا بين الكتب وظل أبو الفرج - كما كان في عصره - من الأدباء الذين يحسنون السمر ويجيدون قص الأخبار ولا شيء وراء هذا، فليس الرجل بالشخصية الجبارة وليس الرجل بالعقلية الفذة حتى يضخم وتتضاءل إلى جانبه جميع الشخصيات، أبو الفرج شخصية عادية , أديب مغمور في عصره ومن كان الاختلاف في تاريخ الوفاة. ------
وفي نهاية الكتاب كلام موجز عن كتاب الأغاني ذاته، وأن طباعته تختلف الشيء الكثير فمنها ما يصل إلى العشرين ومنها ما يزيد آخر ومنها ما وصل إلى الجزء الرابع والعشرين، وأن هناك بعض الفصول من كتاب الأغاني المطبوع بين يدينا ليست في حقيقة الأمر من متن الكتاب الأصلي وإنما من المعتقد أنها من مرويات أخرى لأبي الفرج من إحدى كتبه التي لم تصل إلينا، وقد أدمجت بطريقة ما في كتاب الأغاني، وأن ياقوت صاحب معجم الأدباء قال عن كتاب الأغاني: وما أظن إلا أن الكتاب قد سقط من شيء أو يكون النسيان قد غلب عليه والله أعلم..