هذا الكتاب ليس مجموعة قصص ولكنه مجموعة مواقف تلقى الضوء على بعض المناطق.. المشاعر .. الناس .. قد تكون مواقف عابرة نذهب إلى حال سبيلها ولكنها تترك عازمة في القلب لا في الذاكرة .. قد ينساها العقل ولكنها تعلق بالقلب .. هذا هو الكتاب يلتقي بصديق قديم او تتدفق على صفحاته بعض دمعات حزينة ..قد نجد فيه البسمة الحانية وقد تجد خلفها مسحة حزن متخفية .. إنه عالم الانس يموج بالبشر يمضون في الطريق ويستمر الوقت في المسير بلا توقف وبالرغم من هذا فقد يترك بعض العلامات على طريق الحياة وقد تكون هذه العلامات هى ثمار الوقت والحياة
يكتب الغيطاني مجموعة قصصية جميلة هادئة يجمعهم رابط مشترك وهم أنهم جميعًا ثمارًا للوقت.
ماذا يفعل الزمن بنا؟ وما الذي يتغيّر بمروره؟ حيوات تتبدل وأحداث تصعد وأحداث تهبط وأناس تتشابك مصائرهم وأُناس ينفرط عقدهم. الزمن هو حالة أثيرية من الأرواح الهائمة منذ آلاف السنين، ومنذ بعض اللحظات. الزمن بمقياس الحساب والرياضيات والزمن بمقياس الذكريات التي تحمل عمر بأكمله. زمن لا يمكنك أن تقبض عليه بيدك، ولكنك ولا شك ستلحظ أثره الذي لا ينمحي على وجهك وملامحك. زمن لا حيلة لنا فيه، سيمر ويمضي بحلوهِ ومرهُ إن عشتُ وإن لم تستطع سيمر، ولا نملك شيء أو سبيل لتعديله.
في أغلب قصص الغيطاني تجد أن شخصيات العمل يعملون في المصالح الحكومية، لا أعرف إن كانت الصدفة وحدها هي من جعلتهم هكذا، أم هذا مقصود من الكاتب دلالة واضحة على أن عمر الإنسان يتآكل في العمل وخاصة المصالح الحكومية بسبب امتداد مدة الخدمة وطول بقاء العاملين هناك.
أبدعَ الغيطاني في وصف آثار قطار الوقت على البشر، بمختلف أماكنهم وأنواعهم وثقافاتهم وما يملكون .. وضعني في كلّ قصّة أمام نفسي لأتساءل، ماذا فعل الوقت معي، ماذا أخذ وكيف فعل؟!
وأحببت مقدّمات القصص في بعض غموضها كما أحببتُ نهاياتها الصّادمة، المُفجعة أحياناً، وإن كانت متوقّعة في البعض..
أول كتاب أقراه لجمال الغيطاني أسلوبه مختلف وجديد عليا بس عجبني برغم إن القصص اللي فيه كانت نهايتها غريبة وأغلبها كانت نهايات مفتوحة بدون أي قفلة مريحة، وكانت ممكن تبقى بداية لروايات طويلة حلوة جداً مش عارف الحقيقة اتبسطت بيها وفي نفس الوقت مشبعتش منهم
مجموعة قصصية . اعتقد انها الثالثة للغيطاني . تحمل اللون الاجتماعي والنفسي للشخصيات . المجموعة هذه خلت من استحضار احداث او شخصيات من التراث كما في المجموعات الأولى له .
رغم قرائتي للعديد من روايات جمال الغيطاني وأكتشافي له في سن حديث نسبيا و تأكدي من مدي تمكن الغيطاني من أدواته ..لكن هناك نقطاتان لم تبرحا تفكيري حول الكاتب..أولهما هي إغراقه في الخيال و ابتعاده عن الكتابة عن الواقع بشخصياته المألوفة..ذلك جعلني آخذ صورة عن الغيطاني أنه يعيش بين بطون الكتب أكثر من تألمه لواقعنا المعاصر..الروايات التاريخية أقصد.. و النقطة الأخري هي موقفه المستفز من الثورة لكني لم أشك أبدا في قدرته و إبداعه..هو من أهم الروائيين العرب .. لكن هذه المجموعة أعادت لي رسم الغيطاني بشكل آخر..فهو يسهب في الحديث عن الشخصيات الواقعية التي نلقاها كل يوم..بل الشخصيات الهامشية المظلومة التي لا تلقي اهتماما ..يرصد بكل دقة مدي ما تلقاه من عنت و مأساة من وقوعها تحت مظلة الحكومة و فسادها.. ليس فقط الأسلوب المتقن ما يملك الغيطاني..و الذي يجعله يوغل في غابات النفس بكل بساطة و يرتاد قمم المشاعر و يبحر وسط العواصف باقتدار و لكن في خلقه لدراما الموقف بشكل احترافي مقتدر..و اختياره لنهاياته بشكل ملفت للنظر..كل ما أظن به نهاية يخالف توقعاتي بنهاية أفضل..سرعتي في القراءة بالتأكيد أعلي من تأنيه في التفكير و التمعن في مدخلات و مخرجات القصة.. ما أثارني هو إنهائه لهذه المجموعة القصصية في أقل من سنة..هذا أحسبه إنجاز ..الغيطان من أغزر الكتاب انتاجا..لكن هذه المجموعة مفعمة بالمشاعر و الأحداث و القصص ..
المجموعة تشتمل على العديد من القصص القصيرة . لن أتحدث عنها جميعا بالتفصيل و لكن ما يميزهاهى كونها قصص "طبيعية" إن جاز التعبير.. لا تنتهج نهج القصة القصيرة التي تسير في اتجاه و تفاجئك بنهاية غير متوقعة.. لا تنتهج نهج القصة القصيرة التي تركز الضوء على موقف أو حدث معين بشكل قصير و مكثف.. لكنها تنقل مشاهد قد تجدها تحدث يوميا .. مشاهد قد تحدث لأي شخص عادي .. و لذلك تشعر بها كأنها حية تماما تتجسد أمامك..
يبدو لي أن جمال الغيطاني يريد أن يقول أن الحياة لا جديد فيها.. أن الحياة أصبحت معتادة للدرجة التي تجعل القتل لا يحرك ساكنا في نفس المشاهدين..
لكن أكثر ما يعجبني في كتابات الغيطاني هو استخدام لتعبيرات بالفعل مدهشة في كتاباته! .. لا ليست عبارات و لا مفردات قديمة مثل كتابات الجاحظ مثلا.. و لكنها لغة معاصرة و لكنه يختار أكثر المشتقات ندرة و أقلها استعمالا ليكتب بها.. و مع ذلك لا تشعر بأنها مفتعلة أو مقحمة بل تشعر بها فعلا في الموضع المناسب لها تماما..
في المجمل المجموعة ممتعة لم أشعر بمرور الوقت أثناء قراءتها