«المسألة الشرقية» هو عمل تاريخي بالأساس، إلا أنه لا يخلو من غرض سياسي قَصَدَ به «مصطفى كامل» نُصرَة القضية المصرية، عرَّف فيه المسألة الشرقية بأنها ذلك الصراع القائم بين دول أوروبا ودولة الخلافة العثمانية المترامية الأطراف ووجودها في قلب القارة العجوز، ولعل المتأمل يرى أن الغرض الأبرز من مناقشة مثل هذه القضية الكبيرة هو وضع حركة الاستقلال التي كان يقودها «مصطفى كامل» من أجل تحرير مصر في إطار مُحدد، من خلال التركيز على عداوة «بريطانيا» لمصر وللدولة العثمانية والعالم الإسلامي، فالمسألة المصرية لم تكن إلا حلقة في ما أصبح يُعرَف في السياسة الدولية في القرن التاسع عشر بالمسألة الشرقية.
ولد مصطفى كامل في 1 رجب 1291 هـ الموافق 14 أغسطس 1874م، في قرية كتامة التابعه لمركز بسيون بمحافظة الغربية وكان أبوه "علي محمد" من ضباط الجيش المصري، وقد رُزِقَ بابنه مصطفى وهو في الستين من عمره، وعُرِف عن الابن النابه حبُّه للنضال والحرية منذ صغره؛ وهو الأمر الذي كان مفتاح شخصيته وصاحبه على مدى 34 عامًا، هي عمره القصير.
والمعروف عنه أنه تلقى تعليمه الابتدائي في ثلاث مدارس، أما التعليم الثانوي فقد التحق بالمدرسة الخديوية، أفضل مدارس مصر آنذاك، والوحيدة أيضًا، ولم يترك مدرسة من المدارس إلا بعد صدام لم يمتلك فيه من السلاح إلا ثقته بنفسه وإيمانه بحقه.
وفي المدرسة الخديوية أسس جماعة أدبية وطنية كان يخطب من خلالها في زملائه، وحصل على الثانوية وهو في السادسة عشرة من عمره، ثم التحق بمدرسة الحقوق سنة (1309 هـ = 1891م)، التي كانت تعد مدرسة الكتابة والخطابة في عصره، فأتقن اللغة الفرنسية، والتحق بجمعيتين وطنيتين، وأصبح يتنقل بين عدد من الجمعيات؛ وهو ما أدى إلى صقل وطنيته وقدراته الخطابية.
وقد استطاع أن يتعرف على عدد من الشخصيات الوطنية والأدبية، منهم: إسماعيل صبري الشاعر الكبير ووكيل وزارة العدل، والشاعر الكبير خليل مطران، وبشارة تكلا مؤسس جريدة الأهرام، الذي نشر له بعض مقالاته في جريدته اللواء.
في سنة (1311 هـ = 1893م) ترك مصطفى كامل مصر ليلتحق بمدرسة الحقوق الفرنسية؛ ليكمل بقية سنوات دراسته، ثم التحق بعد عام بكلية حقوق تولوز، واستطاع أن يحصل منها على شهادة الحقوق، والف في تلك الفترة مسرحية "فتح الأندلس" التي تعتبر أول مسرحية مصرية، وبعد عودته إلى مصر سطع نجمه في سماء الصحافة، واستطاع أن يتعرف على بعض رجال الثقافة والفكر في فرنسا، وازدادت شهرته مع هجوم الصحافة البريطانية عليه
يقول مصطفى كامل في ضرورة المحافظة على سلامة الإمبراطورية العثمانية " ولكن الحقيقة هي أن بقاء الدولة العلية ضروري للجنس البشري، وأن في بقاء سلطاتها سلامة أمم الغرب وأمم الشرق، وقد أحس الكثيرون من رجال السياسة و الإعلام أن بقاء الدولة العلية أمر لازم للتوازن العام وأن زوالها لا قدر الله مجلبة للأخطار ومشعلة لنار يمتد لهيبها بالأرض شرقًا وغربًا، وشمالا وجنوبًا، وأن هدم هذه المملكة القائمة بأمر الإسلام يكون داعية لثورة عامة بين المسلمين وحرب دموية لا تعد بعدها الحروب الصليبية إلا معارك صبيانية، وأن الذين يدعون لخير النصرانية في الشرق يعلمون قبل كل إنسان أن تقسيم الدولة العلية أو حلها يكون الضربة القاضية على مسيحي الشرق عمومًا قبل مسلميه، فقد أجمع العقلاء البصيرون بعواقب الأمور على أن دولة آل عثمان لا تزول من الوجود إلا ودماء المسلمين تجري كالأنهار والبحار في كل واد ( المسألة الشرقية ص 13، 14) .
إنني أعجب أشد العجب ممن قرأ هذا الكتاب ثمّ خرج وما زال على إيمانه بأن "الدولة العلية" كانت "خلافة إسلامية"، وكانت دولة قوية، بل وتحسّر على زوالها (االمحتوم لكلّ مستبصر قرأ الكتاب)، ولهؤلاء أنقل تلك الاقتباسات من الكتاب: 1- دور الدولة العلية في نصرة المسلمين ونصرة قضاياهم، ووقوفها في صف الإسلام والمسلمين ضد أوروبا الصليبية: ص16 "وفوق ذلك فإن إنكلترا كسبت كثيرًا من صداقة تركيا لها — بقطع النظر عن المكاسب المادية والتجارية والصناعية —بما كانت تنيلها هذه الصداقة من النفوذ عند المسلمين، ومن السلطة التامة على مسلمي الهند. فلقد كاد أهل الهند يطردون الإنكليز من بلادهم في ثورة سيباي الشهيرة لولا صداقة تركيا لهم، هذه الصداقة التي حملت المرحوم السلطان عبد المجيد على إصدار منشور لمسلمي الهند أمرهم فيه بالركون إلى السكينة والهدوء وعدم القيام بإحداث الاضطرابات ضد حكومة ملكة بريطانيا صديقته. فإذا كان الإنكليز في الهند عاشوا طويلًا آمنين شر المسلمين، فما الفضل في ذلك وصديقتهم القديمة « عدوتهم الحالية » إلَّا للدولة العلية، وها هم اليوم يدعون أن تركيا أوعزت إلى الهنود المسلمين بالثورة، فثاروا ولا يزالون ثائرين، وسواء كانت ثورتهم بإيعاز من تركيا — وهو ما لا أظنه......" جدير بالذكر أن إنكلترا موصوفة في نفس الصفحة بأنها (عدوة الإسلام). 2- قوة الخليفة العثماني: ص19 "إنكلترا عرضت رسميًّا على الدول الأوروبية خلع جلالة السلطان الأعظم فرفضت الروسيا وفرنسا طلب إنكلترا قبل كل الدول" بمعنى أن بقاء السلطان العثماني في منصبه أو خلعه منه لم يكن قرار العثمانين بل قرار الدول الأوروبية. 3- قدرة الدولة على الدفاع عن كيانها وبقاءها: وضّح الكاتب في أكثر من موضع حرص دول أوروبا الكبرى على بقاء الدولة العلية، وهنا أقتبس من ص14: "وقد أحس الكثيرون في أوروبا من رجال السياسة ومن رجال الأقلام أن بقاء الدولة العلية أمر لازم للتوازن العام، وأن زوالها — لا قدر لله — يكون مجلبة للأخطار أكبر الأخطار، ومشعلة لنيران يمتد لهبها بالأرض شرقها وغربها شمالها وجنوبها، وإن هدم هذه المملكة القائمة بأمر الإسلام يكون داعية لثورة عامة من المسلمين، وحرب دموية لا تُعَد بعدها الحروب الصليبية إلَّا معارك صبيانية." هل تختلف هذه السياسة (ونحن قد عاصرنا ثورات الربيع العربي) عن سياسات دول مثل أمريكا في الحرص على إبقاء حلفاء لها على كراسي الحكم في الدول التي تخشى قيامتها ونهضتها؟ خاصةً مع استفادة هذه الدول في السيطرة على المسلمين (كما وضحنا في البند السابق). واقرأ معي الاقتباس الآتي (ص18) "وإنكلترا تعلم علم اليقين أنها لو استطاعت أن تجعل خليفة المسلمين تحت وصايتها، أي آلة لها، يكون لها سلطة هائلة ونفوذ لا حد له في سائر أنحاء المعمورة، فإنها تستطيع عندئذ — لا قدر لله — أن تنفذ رغائبها عند المسلمين التابعين لها وغير التابعين بواسطة هذا الخليفة." وهو ما كانت تفعله بواسطة الخليفة العثماني. وقد تجلّى هذا الحرص على بقاء الدولة في مواضع كثيرة نذكر منها: أ- توسط بروسيا والنمسا، ومساعدة فرنسا بأسطولها في الحرب على روسيا (ص29-30) ب- انحياز أوروبا التام ضد روسيا لصالح الدولة العلية (ص118) جـ- تدخل دول أوروبا ضد روسيا (ص89- ص91)
4- فطنة حكام الدولة ودهائهم: أ- ص117 "وقد ظهر للقارئ مما سبق أن إنكلترا كانت متظاهرة بالمودة للدولة العلية، وكانت تهدد الروسيا بأعلى صوت ولسان، ولم يكن قصدها من ذلك خدمة تركيا أو مساعدتها، بل التغرير بها وخدعها؛ فإنها وعدتها بالمساعدة في مؤتمر برلين ضد الروسيا، وعرضت عليها عقد اتحاد معها تتعهد فيه إنكلترا بالدفاع عن تركيا إذا مستها الروسيا بسوء ولو كانت إنكلترا صادقة في مودتها لكانت تحالفت مع الدولة العلية قبل الحرب، وتأخذ منها مقابل ذلك جزيرة « قبرص » ، فانخدع رجال الدولة العلية لسواس بريطانيا ،وأحسنوا الظن بهم، وعقدوا معهم هذه المعاهدة في ٤ يونيو عام ١٨٧٨ ؛ أي قبل عقد مؤتمر برلين بأيام قلائل، وبذلك فقدت الدولة العلية جزيرة قبرص بدون أن تكسبها المودة الإنكليزية الكاذبة أقل فائدة." ب- خداع النمسا لها (ص30:32) جـ- استعانة الدولة العلية باليونانين مع تكرار خيانتهم لها (ص48) د- حادثة جدة (ص94) "وإنه ليتبادر للذهن أن إنكلترا شكرت الدولة العلية على عمل سلطانها الأعظم أو اعترفت لها بالجميل، نعم إنها اعترفت لها بالجميل، ولكن بمعاداتها والاعتداء على بلادها! فإنها سلطت في عام ١٨٥٨ — أي بعد عامين من ثورة سيباي — إحدى سفنها الحربية الضخمة على ثغر جدة فاستمرت تُدمِّر فيه نحو عشرين ساعة؛ أسُيلت فيها دماء كثيرة وخُرِّبت منازل وبيوت عامرة، وكان ذلك عقب فتنة صغيرة قام فيها بعض المسلمين على بعض المسيحيين، وأصُيب فيها قنصل فرنسا وقُتِلت زوجته، ولم يكن لعمل إنكلترا معنى ولا ضرورة" 5- سيطرة الحكام العثمانيين على ولاتهم: أ- ثورة والي يانينة (ص43) ب- ثورة محمد علي (ص61) جـ- استعانة الدولة بقائد روسي في حربها ضد روسيا (ص106) د- (ص 107) "وإذا أضاف القارئ إلى ما تقدم أن تركيا كانت تضع ثقتها في رجال من الدخلاء يعملون بأوامر الأجنبي ويعرضون بمصالح الدولة للدمار". هـ- حادثة سالونيك المهينة (ص97) "وحصل أن فتاة مسيحية اعتنقت الدين الإسلامي في ضواحي سالونيك، وذهبت لهذه المدينة لإثبات إسلامها بصفة شرعية، فعلم المسيحيون بالأمر، وتجمعوا في طريق الفتاة حتى اختطفوها عند مرورها، وأخفوها في بيت أحد المسيحيين، فهاج المسلمون لذلك وذهبوا إلى الحاكم طالبين تخليص الفتاة، ثم اجتمعوا في مسجد للمداولة في الأمر، وبينما هم مجتمعون؛ إذ دخل عليهم قنصلا ألمانيا وفرنسا، فاعتدى عليهما بعض الحاضرين لاعتبارهم دخول القنصلين في المسجد إهانة لهم، وضربوهما ضربًا قضى عليهما في الحال. فانتشرخبر الحادثة في أوروبا، وما انتشرحتى نادى أعداء الدولة بالويل والثبور، وحملوا على الإسلام ودولته العزيزة حملات شديدة، وهاجوا الرأي العام ضد الحكومة العثمانية حتى اضطرت الدول كلها لإرسال سفن حربية إلى ميناء سالونيك، ولم يستطع الباب العالي أن يفهم أوروبا أن القنصلين أخطآ في الذهاب إلى المسجد، بل طلبت منه الدول معاقبة المعتدين، ولما لم يجد سبيلًا لرفض طلب الدول عاقب من ثبت عليهم الاعتداء على القنصلين بالإعدام". 6- نظرة حكام أوروبا للدولة العلية: من كلّ المؤتمرات الواردة في الكتاب والمخصصة لمناقشة مسائل ومشاكل الدولة نفسها لم تشارك الدولة العلية إلا في عدد محدود جدّاً، وسأكتفي هنا بالإشارة إلى المهزلة التي تتمثل في عقد مؤتمر في الآستانة بدون حضور ممثل من تركيا (ص102) "وقد اجتمع مندوبو الدول بالآستانة في أوائل ديسمبر عام ١٨٧٦ ، وقرروا عدم اشتراك تركيا في مداولاتهم ومناقشاتهم، بل إرسال قرارهم النهائي إليها بعد إتمام المداولات والاتفاق عليه، وهي أول مرة اجتمع مؤتمر دولي في عاصمة بلاد لم تشترك في هذا المؤتمر!". وصاحب عدم الاحترام هذا اتفاق ضمني على تقسيم الدولة العلية (مثال: مشارع التقسيم ص31، خطط الدول لتقسيم الدولة ص49)، ويكفي اطلاعك على أول شروط صلح تقدّم دائماً (أيّاً كان موقف الدولة من قوة أو ضعف) لمعرفة نظرة حكام أوروبا لهذه الدولة.
الحمد لله وحده، وصلاة وسلاما على من لا نبي بعده، وبعد؛ فقد قرأت كتاب مصطفى كامل باشا "المسألة الشرقية" فألفيته كتابا رائعا يكتبه كاتب بحس وطني وديني في آن واحد، والكتاب وإن قيمته بأربع نجمات في مواقع القراءة، لكن لا يخلو كتاب ولا كاتب في هذه المرحلة التي يعتمد فيها الكاتب على ما وقع تحت يديه من أخيار ووثائق. منها أنه رحمه يثني خيرا وبشدة على الدولة التركية، ولا ينظر لها بأي عين إلا بعين الرضا، رغم أنها ببساطة كانت دولة توسعية بدون وجه حضاري ولا مشروع ثقافي، نعم كانت قوة لا يستهان بها وحصن منيع في بعض الأوقات ضد مشروعات الحملات الصليبية الحديثة، لكنها لم تكن أبدا الوجه الحقيقي للإسلام. ومنها أنه شديد حسن الظن بمحمد علي باشا والي مصر، واستشهد بحسن نيته في توسعاته ضد الدولة التركية برسالة أرسلها لملك فرنسا بعد ما وقع ما وقع رغم أن التاريخ يشهد أن الباشا كان له أحلام إمبراطورية تعارض الدولة التركية. يبقى الكتاب مهم جدا لفهم الإرث التاريخي للعداء بين تركيا والغرب، ويبين لك أن السياسة لعبة قذرة لا يموت فيها إلا الشعوب والجنود الذين يعشقون النياشين الزائلة!
كتاب يتأرجح هدفه بين التأريخ والتحليل السياسي بفكر عسكري لأبرز المناهضين للاستعمار الزعيم مصطفى كامل . يقع الكتاب في 120 ص تمتلئ بذكر اهم ما كان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فيما يخص المسألة الشرقية روسيا ، بروسيا ، النمسا ، انجلترا ، فرنسا تتدخل في شئون الدولة العلية (العثمانية) متحججة بالرعايا المسيحين وضرورة ضمان حقوقهم بعهدهم دوما إشعال الثورات وإشاعة الفتن ونشر الدسائس بين ربوع الدولة العثمانية وتتابع الأزمات عليها : استقلال اليونان ، مسألة الشام بين مصر والدولة العلية ، حرب القرم ، مذابح روسيا والبلغار لمسلمي تركيا والبلقان للنساء والأطفال تجاوزت ال 75 الف نفس فهم لا يفرقون بين المسلمين إن كانوا من بلاد العرب أو الترك أو المغرب ،، تبا للقومية
المسألة الشرقية او المعضلة الشرقية التي تتمثل بإخر حقبة طويلة لخلافة إسلامية لها ما لها وعليها ما عليها وفي هذا الكتاب تجد الاحداث و والازمات تتراكم على الدولة العليا حتى انها لم تعقد قادرة لا على الرد عسكريا ولا سياسيا و من يقرأ هذه الكتب يستطيع تفسير ما جرت عليه الاحداث في اخر القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين تفسيراً دقيقا و فهم طرق واساليب الامم الغربية في طي الصفحة الاخيرة لهذه الخلافة.