بين جميع الثقافات والشعوب والحضارات، سمةٌ واحدةٌ مشتركة بينها جميعا: كلها تمتلك تراثا. وفي مقولة شهيرة: لا ثقافة من غير تراث. وبغض النظر عن تفصيل صحة هذه المقولة من عدمه، إلا أننا، سنسلم بصحتها في هذا الموضع، لنقول: نعم، لا ثقافة من غير تراث. ورغم ذلك، إلا أن الأمم تختلف وتتفاوت في مدى قوة أو ضعف ارتباطها بالتراث الذي تحمله -أو تتبناه-. فبينما ترتبط أمة من الأمم بتراثها بشدة، وتتمسك به كل التمسك، توجد أمة أخرى قد يكون اتصالها بتراثها -أو ماضيها- ضعيفا، لا يصل إلى مستوى تلك الأمة المتمسكة بتراثها وماضيها بشدة أبدا.
والآن، إذا ساءلنا أنفسنا: إلى أي نوع تنتمي أمتنا العربية، في مدى قوة اتصالها بتراثها وماضيها من ضعفه؟ عن نفسي، أجيب: تنتمي أمتنا إلى النوع الأول. نعم، فأمتنا ليست شديدة التمسك بماضيها وتراثها وحسب، بل لا يزال هذا الأخير يهيمن عليها وعلى وعيها وتفكيرها، بل وأيضا على أدق تفاصيل لغتها.
في كتابه "دليل التدين العاقل"، أطلق المفكر التونسي سعيد ناشيد لقب "أطباء الحضارة"، على الفنانين والشعراء والكتّاب، قائلا -ما مضمونه- أن هؤلاء، هم الذين يشخصون أمراض الحضارة، ويدفعونها إلى مساءلة ذاتها وإعادة النظر في مسلماتها. وهذا بالضبط ما فعله الدكتور نادر كاظم، في كتابه هذا.
أفلا دققنا في عباراتنا التي قد نستعملها يوميا حين نغضب على أحد ما؟ "سود الله وجهك، يا أسود الوجه"! أو أفلا دققنا في إعلامنا الخليجي والمحلي مثلا، بل حتى في ردات فعلنا نحن أنفسنا حين نرى السود، فيصفهم بعضنا "بالعبيد" أو "الخوال"؟ ألا توجد صورة نمطية عن السود، بيننا جميعا ربما، وفي المسرح الهابط بالذات، أنهم "عبيد شهوانيون يميلون إلى الطرب والشهوات الجامحة"؟ من أين جاءت هذه العنصرية كلها؟ ومن أين جاء هذا التنميط كله؟ وما حيثياته وسياقاته التاريخية؟ هذا ما يبحث فيه الدكتور كاظم، في كتابه هذا.
أثناء قراءتي، كنت بين الحين والآخر أسأل نفسي: هذه التصورات وهذه العنصرية ضد السود قديما، ألا تزال شائعة في ثقافتنا حتى اليوم؟ إن كان أجدادنا العرب الأوائل عنصريين ضد السود، أفلا نزال نحن متطبعين بنفس عنصريتهم -وإن اختلفت تجليات هذه العنصرية- الآن في القرن الواحد والعشرين؟ كان شيئا مرعبا جدا! وبالله قسم، شعرت بنوع من الاكتئاب أثناء قراءة الكتاب، لقبح العنصرية التي كشف عنها الدكتور نادر، ببراعة، في تراثنا وثقافتنا القديمة، التي لا تزال مهيمنة علينا حتى الساعة!
بقدر ما كان الكتاب مؤلما جدا ومحزنا جدا، لما احتواه من فضح وكشف لإرثنا العنصري جدا ضد السود، فإنه قد كان قويا ومذهلا أيضا. فنادر كاظم، لم يكتفِ بالبحث في التاريخ وحسب في سبيل دراسته حول صورة السود في المُتخيّل العربي، بل تجاوز ذلك حتى إلى الدين، والنصوص الدينية المقدسة، وإلى الشعر والتراث الشعبي، واخترق جميع تلك النصوص إلى ما كان مختبئا خلفها، وميّز فيها بين الطيب والخبيث، ببراعة مدهشة. قلتها في تويتر، مخاطبًا أبا أيمن، وأقولها الآن: أنشكرك أم نغضب عليك يا أبا أيمن، لكل ما كشفتَه وبينتَه في كتابك هذا من قبح وفظاعة في ثقافتنا وتاريخنا، وفي تراثنا الذي لا يزال يتحكم فينا حتى الساعة، بل ويهيمن حتى على أدق تفاصيل لغتنا ويشكّل مجازاتها وظاهرها؟ كتابٌ مؤلم جدا، بقدر ما هو مدهش!