من خلال الغوص في التراث واستنطاق نصوصه وتحليلها يبحث المؤلف صورة الآخر في الثقافة العربية، إذ لا تخلو ثقافة ما من تمثيل للذات أو للآخر، لأن التمثيل هو الذي يمنح الجماعة صورة ما عن نفسها وعن الآخر كما يرى المؤلف الذي ذهب إلى أن الثقافة الإسلامية تعاملت بعداء مع الآخر الأسود المسلم وغير المسلم، ونحتت له تمثيلات انتقاصية، وصور مشوهة ترسبت في المتخيل العربي. وقد اختار أن تتركز دراسته على آلية الجذب والدمج والاحتضان وآلية الطرد، التي تعبر عن رغبة هذه الثقافة في تحصين هويتها ضد الآخرين عبر قراءة منهجية ونقدية سليمة للنصوص العربية والخطاب العربي وهو في كل هذا يتجاوز الاهتمام المكثف بالنص الأدبي بمعناه الجمالي الضيق الصالح الاهتمام بالنص الثقافي.
والكتاب يقوم على مفاهيم أساسية ثلاث هي التمثيل، والمتخيل، ومسالة الآخر. يتألف الكتاب من بابين وأربعة فصول الباب الأول مخصص لدراسة التمثيل الثقافي عن الأسود والمتخيل الذي شكله هذا التمثيل، حيث يتناول الفصل الأول أهم المرجعيات والمحركات الخفية التي كانت تحرك هذا المتخيل وتحكم طبيعة اختزاله للآخر الأسود وتدعم تمثيلاته عنه.
بينما يبحث الفصل الثاني في مستويات المغايرة وقوة التمثيل، وهو معالجة لمحتويات المتخيل الثقافي غير التخيلى واختزنه عن الأسود من صور نمطية انتقاصية. ويتناول الفصل الثالث "الأسود والتمثل السردي" المرويات الكبرى في الثقافة العربية خلال القرون الوسطى، أما الفصل الرابع والأخير "الأسود والتمثل الشعري" فيتناول التمثيلات التي أنتجها الشعر العربي عن الأسود.
لقد أراد الكاتب أن يستنطق المتخيل الثقافي والأدبي الذي كان يختزن صوراً نمطية عن الآخرين، والسودان على وجه التحديد، ويدفع من يتمثله دفعاً إلى النظر إلى الآخر نظرة انتقاصية، وهو مع كل هذا يدرك أنه هذا المتخيل الجماعي محكوم بظروف وسياقات خارجية داخلية واقعية ومتخيلة وهي سياقات لم تعد قائمة الآن.
نادر كاظم (1973م) كاتب وناقد ثقافي وأكاديمي بحريني ، ولد في قرية الدير بمدينة المحرق
مجالات الاشتغال ؛ النقد الثقافي وترابط العلوم الإنسانية والنظرية النقدية
درس المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس البحرين درجة الدكتوراه في الأدب العربي من معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة في العام 2003 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. درجة الماجستير في النقد الحديث من جامعة البحرين في العام 2000/ 2001 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة البحرين في العام1994/ 1995 بتقدير امتياز.
بين جميع الثقافات والشعوب والحضارات، سمةٌ واحدةٌ مشتركة بينها جميعا: كلها تمتلك تراثا. وفي مقولة شهيرة: لا ثقافة من غير تراث. وبغض النظر عن تفصيل صحة هذه المقولة من عدمه، إلا أننا، سنسلم بصحتها في هذا الموضع، لنقول: نعم، لا ثقافة من غير تراث. ورغم ذلك، إلا أن الأمم تختلف وتتفاوت في مدى قوة أو ضعف ارتباطها بالتراث الذي تحمله -أو تتبناه-. فبينما ترتبط أمة من الأمم بتراثها بشدة، وتتمسك به كل التمسك، توجد أمة أخرى قد يكون اتصالها بتراثها -أو ماضيها- ضعيفا، لا يصل إلى مستوى تلك الأمة المتمسكة بتراثها وماضيها بشدة أبدا.
والآن، إذا ساءلنا أنفسنا: إلى أي نوع تنتمي أمتنا العربية، في مدى قوة اتصالها بتراثها وماضيها من ضعفه؟ عن نفسي، أجيب: تنتمي أمتنا إلى النوع الأول. نعم، فأمتنا ليست شديدة التمسك بماضيها وتراثها وحسب، بل لا يزال هذا الأخير يهيمن عليها وعلى وعيها وتفكيرها، بل وأيضا على أدق تفاصيل لغتها.
في كتابه "دليل التدين العاقل"، أطلق المفكر التونسي سعيد ناشيد لقب "أطباء الحضارة"، على الفنانين والشعراء والكتّاب، قائلا -ما مضمونه- أن هؤلاء، هم الذين يشخصون أمراض الحضارة، ويدفعونها إلى مساءلة ذاتها وإعادة النظر في مسلماتها. وهذا بالضبط ما فعله الدكتور نادر كاظم، في كتابه هذا.
أفلا دققنا في عباراتنا التي قد نستعملها يوميا حين نغضب على أحد ما؟ "سود الله وجهك، يا أسود الوجه"! أو أفلا دققنا في إعلامنا الخليجي والمحلي مثلا، بل حتى في ردات فعلنا نحن أنفسنا حين نرى السود، فيصفهم بعضنا "بالعبيد" أو "الخوال"؟ ألا توجد صورة نمطية عن السود، بيننا جميعا ربما، وفي المسرح الهابط بالذات، أنهم "عبيد شهوانيون يميلون إلى الطرب والشهوات الجامحة"؟ من أين جاءت هذه العنصرية كلها؟ ومن أين جاء هذا التنميط كله؟ وما حيثياته وسياقاته التاريخية؟ هذا ما يبحث فيه الدكتور كاظم، في كتابه هذا.
أثناء قراءتي، كنت بين الحين والآخر أسأل نفسي: هذه التصورات وهذه العنصرية ضد السود قديما، ألا تزال شائعة في ثقافتنا حتى اليوم؟ إن كان أجدادنا العرب الأوائل عنصريين ضد السود، أفلا نزال نحن متطبعين بنفس عنصريتهم -وإن اختلفت تجليات هذه العنصرية- الآن في القرن الواحد والعشرين؟ كان شيئا مرعبا جدا! وبالله قسم، شعرت بنوع من الاكتئاب أثناء قراءة الكتاب، لقبح العنصرية التي كشف عنها الدكتور نادر، ببراعة، في تراثنا وثقافتنا القديمة، التي لا تزال مهيمنة علينا حتى الساعة!
بقدر ما كان الكتاب مؤلما جدا ومحزنا جدا، لما احتواه من فضح وكشف لإرثنا العنصري جدا ضد السود، فإنه قد كان قويا ومذهلا أيضا. فنادر كاظم، لم يكتفِ بالبحث في التاريخ وحسب في سبيل دراسته حول صورة السود في المُتخيّل العربي، بل تجاوز ذلك حتى إلى الدين، والنصوص الدينية المقدسة، وإلى الشعر والتراث الشعبي، واخترق جميع تلك النصوص إلى ما كان مختبئا خلفها، وميّز فيها بين الطيب والخبيث، ببراعة مدهشة. قلتها في تويتر، مخاطبًا أبا أيمن، وأقولها الآن: أنشكرك أم نغضب عليك يا أبا أيمن، لكل ما كشفتَه وبينتَه في كتابك هذا من قبح وفظاعة في ثقافتنا وتاريخنا، وفي تراثنا الذي لا يزال يتحكم فينا حتى الساعة، بل ويهيمن حتى على أدق تفاصيل لغتنا ويشكّل مجازاتها وظاهرها؟ كتابٌ مؤلم جدا، بقدر ما هو مدهش!
أزعم أن كتاب الدكتور نادر كاظم “تمثيلات السود: صورة السود في التراث العربي” من أهم الكتب وأثراها في موضوع صورة الآخر في الأدب العربي القديم خاصة. حيث بذل فيه المؤلف جهدا كبيرا واضحا متخذا منهجية النقد الثقافي لتحليل النصوص العربية التي رسمت (الأسود) في التراث العربي. * ينقسم الكتاب إلى مقدمة وخاتمة وبينهما فصول عن صورة السود في المرويات السردية التالية: سيرة بني هلال، سيرة الأميرة ذات الهمة، سيرة عنترة بن شداد، سيرة الملك سيف بن ذي يزن، ألف ليلة و ليلة * وأما النصوص الشعرية فشملت الشعراء السود وغير السود وهم: شعر ابن الرومي، المتنبي، عنترة بن شداد، أبودلامة، نصيب بن رباح، سحيم عبد بني الحسحاس، الحيقطان، سنيح بن رباح، عكيم الحبشي * والكتاب ضخم جدا وثري جدا وجرئ أيضا كما أوضح ذلك الدكتور الغذامي في مقدمه لهذا الكتاب. ولذا فإن كثيرا من الموضوعات المطروحة حرية بالمناقشة والتحليل والإفادة، ومن ضمنها ما سأتعرض له في هذا المقال حول موضوع السود من خلال العلاقة بين الدين كنسق ثقافي أتى ليزاحم نسقا ثاويا في الذهنية العربية * حيث زعم الدكتور بأن الدين الإسلامي عندما جاء ليصحح التصورات الثاوية في النسق الثقافي العربي، وافق هذا النسق في معظم تصوراته وذكر منها مسألة الأبعاد الدلالية والثقافية للون الأسود، * واستدل على ذلك من القرآن الكريم، باسوداد الوجوه * ومن السنة النبوية، الكلب الأسود، اسوداد نار جهنم * وأزعم أنا أن الإسلام جاء لمحاربة كل الأنساق التي يكون لها تأثير مباشر على الفكر والسلوك (الذات والآخر * إن كان الإسلام ذكر اسوداد الوجوه فإن الله تعالى أقسم بالليل وهو أسود * وفي السنة النبوية غضب النبي صلى الله عليه وسلم على من قال: أعيرته بأمه، وفي هذا لطيفة: إن التعيير لم يكن للأم؟ بل كان للون؟ فاستخدم عليه الصلاة والسلام هنا طريقتان: أحدهما تأديبية: وهو السؤال التوبيخي المبدوء بالهمزة (أ) ، والطريقة الثانية تلطيفية للمظلوم: حيث لم يقل أعيرته بأمه السوداء او عيرته بسواده، فعليه الصلاة والسلام لم يعد كلمة أسود لما ستحدثه من أثر في النفس لدى الطرف الآخر. * لا أزعم أنني استعرضت كل الكتاب ولكني قرأت فصولا منه، والمؤلف هو من هو في هذا التخصص وتناول الموضوع بشكل دقيق، واحسب ان قراءتي الناقصة لن تؤثر على الملحوظة التي أردت الإضاءة والاشارة اليها هنا. : ومع هذه الملحوظات والإشارات، فإني أعود لأوكد على أهمية هذا العمل والجهد الواضح المبذول فيه، وأزعم إلى حد كبير أن النتائج التي خرج بها هذا البحث نتائج قيمة وحرية بالتأمل والتصحيح الفكري والثقافي في مسيرتنا الحضارية مع أنفسنا (الذات)ومع الناس (الآخر). والله أعلم
قرأت الباب الأول -وهو تقريبًا نصف الكتاب- بتمعن بسبب حداثة الموضوع بالنسبة إلي. يذكر السيد نادر في هذا الباب التصور العربي الأسلامي عن الرجل الأسود. تلك الحضارة التي كانت -رغم وجود الأسلام - تنظر للسود كـ بهائم. بل يذكر أنه جرت حالة تبريرية من خلال خلق أحاديث نبوية لتلك النظرة الطبقية. أتقن السيد نادر ذكر النظريات و تطبيقاتها على ذلك المجتمع. كما أنه غالبًا أستشهد بمصادر أولية كـ كتب الرحالة،المؤرخون، القران، الاحاديث، الفلسفة، الخ.
أما الباب الثاني فكانت قراءتي له سريعة بسبب عدم إطلاعي على القصص/الروايات العربية القديمة كـ سيرة بني هلال، عنترة بن شداد، ألف ليلة و ليلة...إلخ . كان هذا الباب تحليلًا لتلك القصص. مشيرًا لكيفية تصور الرجل الأسود فيها. ثم ذهب في الفصل الأخير للشعراء و كيفية تمثيل السود في أشعارهم بالبهائم الشهوانيةو غيرها من أمور غريبة و دنيئة.
.على رغم من كثرةالتكرار في بعض المقاطع، لكن الكتاب ربما يكون أفضل كتاب قرأته في هذه السنة.
هذا كتاب صادم و قد يكون عسير الهضم على من يضفي نوعا من القداسة على التاريخ و التراث. يتناول المؤلف الصور النمطية و التخيلية التي سجلها التراث العربي بكل افرعه عن الأفارقة. و التراث هنا يشمل الإنتاج العلمي و الثقافي من دين و طب و علوم اجتماع كما يشمل الإنتاج الأدبي من شعر و قصص. و في جميع هذه المصادر يسجل المؤلف نصوص تنتقص من آدمية الأفارقة و تضعهم في مراتب اقل من مرتبة البشر.
أعترف اني قرأت الكتاب قراءة سريعة، رغم ذلك ذهلت من فكرته فلا اعتقد - وقد تبين صحة اعتقادي- أن أحدًا تطرق لمثل هذا الموضوع الحساس في تاريخ ادبنا على الاقل بمثل هذه المنهجية والبحث الدؤوب .
قدم الكتاب المفكر السعودي الكبير عبد الله الغذامي ، واصفًا الدكتور كاظم " ان الدكتور نادر كاظم يمثل جيلا من النقاد والناقدات الشباب في البحرين ومثلهم مجموعات في المغرب وفي فلسطين تبنوا مشروع النقد الثقافي وهم بذلك يتصدون لتغيير الخطاب الثقافي واعادة كتابة هذا الخطاب حسب وعي جديد ومصطلح مختلف وتصور يفتح المغلق ويضئ المعتم ويشاغب الساكن"
هل في الكتاب انتصار للسود في أذهاننا نحن العرب؟ لهويتهم ؟ هل تغيرت صورتهم النمطيه عبر الأزمان؟ في الثقافات المختلفة؟
دراسة نقدية واسعة ، دلفت على الثقافة العربية، الاسلامية لتبين استحكام الصورة النمطية للاخر المتجلية عبر أنساق ثقافية وسياقات تاريخية عديدة .
كتاب دسم وضخم ، اعتبر فيه المؤلف ان المتخيل هو ركيزة هامة من مكونات الثقافة العربية حول نظرتها لذاتها وللاخرين ، مستدعيًا لذلك كتابات مفكرين عرب كالجابري وأفاية ، الغذامي وكيايطو
كتاب هام ، سأعود إليه ورقيا لامنحه التركيز الكافي لعمق محتواه.
خص الدكتور كاظم ملتقانا بخبر ترجمة الكتاب عبر McGill-Queen’s University press في كندا الى الانجليزية وسيصدر قريبا
قراءة ثانية في رحاب الدكتور نادر : كتاب اتفق مع اعتبار الدكتور نفسه له بالاهم فيما كتب، وما نجمتي الناقصة الا ميلي لبعض الاختصار في كثير مما استرسل بشرحه، فقط كي يكون الكتاب أكثر يسرا ووصولا لقراء وقارئات أكثر