النيل والفرات: تمرّ الأمم بفترات تشعر فيها بالأزمة وبحاجتها إلى البحث عن الهوية وإلى مراجعة الذات. وهذه الدراسة هي محاولة للتعرف على ظروف تكوين الأمة العربية، وتحديد هويتها، في التاريخ، ولتبين وعيها لذاتها. وتطور هذا الوعي إلى العصر الحديث، وهي تتوخى بيان عناصر الاستمرار في هذا الوعي وطبيعة التحول فيه. وتفترض هذه الدراسة أن الأمة العربية تكونت في التاريخ بعد تطور اجتماعي وفكري طويل، وأن شعورها بهويتها ووعيها لذاتها ترتبط بصورة وثيقة بهذا التكوين، كما تفترض أن الوعي العربي الحديث في الاتجاه القومي لم يكن تقليداً لقومية أو أخرى، بل إنه تبيّن للهوية العربية، وامتداد للوعي العربي في التاريخ بعد أن تأثر بالآراء الحديثة في العصر الحديث. كما تلاحظ الدراسة أن الوعي العربي الحديث بأشكاله يقترن ببدايات اليقظة العربية، وأنه هدف إلى النهوض بالعرب وإلى تأكيد وحدة الأمة العربية واستعادة دورها التاريخي ورفض التبعية، كما أنه رأى العروبة وثيقة الارتباط بالإسلام، كل ذلك في مواجهة أخطار خارجية وتحديات داخلية. وقسمت الدراسة إلى فترتين، تبدأ الأولى بالأصول العربية، ثم تكوين المجتمعات العربية بعد ظهور الإسلام، وتكوين الأمة العربية في التاريخ، وتتناول الثانية بداية التنبه الغربي وتطوره في النصف الأخير للقرن التاسع عشر والعقدين الأولين للقرن العشرين.
مؤرخ عراقي يعد شيخ المؤرخين وإمام التاريخيين. حصل على بكالوريوس شرف في التاريخ من جامعة لندن عام 1940 وعلى الدكتوراه من جامعة لندن عام 1942 ثم درس التاريخ في دار المعلمين العالية ثم كلية الآداب والعلوم قبل قيام جامعة بغداد.
عمل مؤسساً وعميداً لكلية الآداب والعلوم ثم رئيسا لجامعة بغداد خلال الفترة 1963-1968 لينتقل بعدها للتدريس في الجامعة الأردنية. استطاع الدوري في مؤلفاته التاريخية أن يقدم صورة جديدة للتاريخ العربي الإسلامي عن طريق دمجه لأصالة البحث التاريخي في مؤلفات المؤرخين العرب القدماء مع أدوات التحليل والبحث التي استقاها من الغرب.
استطاع الدوري في مرحلة مبكرة جداً تحديداً عام 1945 أن يقدم لنا كتاب (مقدمة في تاريخ صدر الإسلام) وهي رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي جمع فيها رؤيته للعوامل المختلفة التي أسهمت في تطور التاريخ الإسلامي والذي يحددها بعوامل عقدية إيمانية وعوامل قبلية عصبية وعوامل اقتصادية وبهذا جمع الدوري برؤية المسلم العربي مجمل العوامل الأساسية المؤثرة في التاريخ دون تحيز لنظرية معينة تضع أحد هذه العوامل أولا فلم يعلِ من شأن الإيمان مهملاً الاقتصاد ولم يهمل العصبية ليركز على الاقتصاد.
طبق الدوري كل ذلك على مرويات التاريخ الإسلامي الوفيرة ليضع صورة أكثر وضوحا لأزمات التاريخ الإسلامي مثل فتنة مقتل عثمان ومشاكل العراق الاقتصادية في تلك الفترة ونزاعات الخلافة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. كان كتابه الآخر (مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي) أحد الكتب الأولي وما زالت أحد الكتب النادرة التي تتحدث عن مراحل تطور الاقتصاد في بدايات الدولة الإسلامية.
ممتاز , و غنيّ جدّا بالمعلومات , حول تكوّن الوعي بالعرب كعرب , و سيرورته من وعي بالعنصر إلى وعي بالثقافة , و إلى تغيّر النظرة إلى العروبة , لا أتّفق معه في كلّ ما قاله , و أجد أنّ جانب النسب و ارتباطه بالعروبة و السبب الفاعل في عدم استمراريّة ذلك تحتاج إلى توضيح أكبر . ولكن من حيث بحث المؤسّسات و بحث الواقع الاجتماعي للدولة الإسلاميّة عبر مراحلها و العبّاسيّة المتأخّرة خاصّة , ستكون أمام مؤرّخ حقيقي , و الدوري ليس كالقوميّين الذين يقرؤون التاريخ بنظرة مسبقة و يسبغون عليه أيديولوجياتهم الحادثة , الدوري مؤرّخ حقيقي , و متعمّق في الفترة التاريخيّة و تحليلها و عواملها المركّبة و المتفاعلة .... و لعلّه كان من أوائل المؤرّخين العرب الذين استطاعوا أن يكتبوا عن الاتريخ و يحلّلوه بهذا الأفق و بهذه الأدوات . كذلك الكلام عن تشكّل الوعي القومي في أواخر الدولة العثمانيّة ... مفيد و غنيّ و هذا لا ينفي وجود بعض الكلام المكرّر و الذي يوجد في الكتب الأخرى , ولكن من هو المؤلّف صاحب المشروع الذي لا تجد ذلك عنده ؟!! أخالفه في أشياء , ولكن استفدت منه في اشياء أكثر
الكتاب جيد جدا، يؤرخ لمشاعر العرب ووعيهم لأنفسهم كأمة واحدة لسانها واحد، منذ ماقبل الاسلام حتى الحرب العالمية الاولى.
فقط يعيبه -وهذا ما اسقط نجمة- انه اهتم بفترات نهضة العرب واغفل فترة انحطاطهم؛ اي انه قفز الحقبة الممتدة من تدهور العرب قبل قيام الدولة العثمانية الى منتصف القرن التاسع عشر