النيل والفرات: "أتذكرين صبياً عاد مكتهلا، مسربلاً بعذاب الكون.. مشتملا؟ أشعاره هطلت دمعاً.. وكم رقصت، على العيون، بحيرات الهوى، جذلا، يا أمُّ جرح الهوى يحلو.. إذا ذكرتْ روحي مرارة شعب يرضع الأسلا، يفدي الصغار بنهر الدمِّ.. وقدسنا، مالي أقلّب طرفي.. لا أرى رجلا؟! أرى الجماهير.. لكن لا أرى الدُوَلا، أرى البطولة.. لكن لا أرى البطلا، لا تذكري لي صلاح الدين لو رجعتْ أيامه.. لأرتمي في قبره خجلا، أين الكرامة.. هل ماتت بغصتها؟ أين الأباء.. أملّ الجبن فارتحلا؟ عجبت من أمة القرآن كيف غَدَتْ، ضجيعة الذلّ لا ترضى به بدلا، أسطورة السلم ما زلنا نعاقرها، يا من يصدّق ذئباً صادق الحملا! حمامة السلم.. حلمي أن أقطعها، وأن أعود بصقر يقنص الوجلا، "شارون" نحن صنعناه بخِشْيَتِنا، كم خشية صنعت من فأرة جبلا، تعملق القزم لما قُزّمت قمم، واستنسخت نملة من ذعرنا جملا، هات الفؤاد الذي ثار اليقين به، واقذف بي النصر.. أو فاقذف بي الأجلا". للشهداء مساحة في قلب الشاعر، في فؤاده، في أحاسيسه، انبتت من وحيهم معاني.. عبارات.. وقصائد، تطوف الأركان معلنة موت ذلّ وولادة كرامة، كان ثمنها دماءهم التي بذلوها في سبيل حق سلب، وقضية هي رهن عبث العابثين. ففي زمن الانسحاب من مواقع المسؤولية، وفي زمن نُقِضَت فيه العهود والوعود، يسترسل القصيبي، وبكلمات المحبطين، وبصرخة الموجعين، وبسخرية المستهزئين، يسترسل شعراً، قصائد، هي نفثة ألم، وهي شهادة حق، وهي نذيرٌ لهؤلاء الذين امتهز الصمت والانسحاب في حين كان عليهم الكلام والعمل.
He was a Saudi Arabian politician, diplomat, technocrat, poet, and novelist. He was an intellectual and a member of the Al Gosaibi family that is one of the oldest and richest trading families of Saudi Arabia and Bahrain. Al Gosaibi was considered among Saudi Arabia's topmost technocrats since the mid-1970s. The Majalla called him the "Godfather of Renovation".
القصيدة المُهداة لحفيده، والأخرى لحزنه على صديقه، من أرقّ ما كتب.
"فإن هجمتُ غاضبًا.. تبسّما وإن رآني باسمًا..تجهّما وحين أغدو خلفه.. يفرّ وحين لا أتبعه.. يكرّ وعندما يشتعل التحدي يسحقني بهمسةٍ.."ياجدي!" .. "أتى البحر ..أطلق فيه الشراعا وما قال لي حين غاب "الوداعا"! وفي لُجّة البحر.. بين العواصف بين الجزائر.. بين السفائن..بين المدائن ضلّ السبيل.. وضاعا"
أذكر هذا الديوان وأذكر كيف هزتني قصيدة ( سعاد) والتي لامستني كثيرًا عن سعاد حسني، وقصيدة للشهداء، وأذكر قصيدة وفاة العرب : متى يعلنون وفاة العرب
...
نزار أزف إليك الخبر ..
لقد أعلنوها وفاة العرب
وقد نشروا النعْيَ..فوق السطورِ وبين السطورِ..وتحت السطورِ وعبْرَ الصُوَرْ!! وقد صدَرَ النعيُ.. بعد اجتماعٍ يضمُّ القبائلَ جاءته حمْيَرُ تحدو مُضَرْ وشارون يرقص بين التهاني تَتَابُعِ من مَدَرٍ أو وَبَرْ و"سامُ الصغيرُ"..على ثورِهِ عظيمُ الحُبورِ..شديدُ الطَرَبُ
ديوان للمفكر والدبلوماسي والشاعر الراحل غازي القصيبي، كتبه ما بين سنتي ألفين وواحد وألفين وإثنين بعد إندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الثانية سنة ألفين ردا على إستباحة مجرم الحرب رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك المقبور شارون للحرم القدسي، وأهداه للشهداء (كما يدل على ذلك عنوان الديوان والقصيدة التي تصدرته).
جمع غازي في ديوانه قصائد رثاء لحال الأمه العربية التي يتساقط شهدائها من فلسطين وباقي الأقطار كأوراق الخريف دون أن تترك أثرا يذكر على قارعة طريق المجتمع الدولي، ودون أن توقظ في الأنظمة العربية بقايا الضمير المقوض والذي دفنته عميقا شهوة السلطة والتبعية المذلة للولايات المتحدة الأمريكية.
كما رثى القصيبي في ديوانه شبابه الذي إنسل من بين أصابع كهل في الستين، ومعه رثى الأقربين والأحباب ممن تركوا في قلبه أعظم الأثر، وختم الديوان برده على قصيدة الشاعر العربي السوري نزار قباني "متى يعلنون وفاة العرب" حيث لا يخفى على أحد ميول غازي القومية العروبية التي لم يتنكر لها يوما، رغم كل المراوغات التي فرضتها عليه والسياسة والالتزام بخطاب النظام الرسمي في بلده، كونه كنزار قد تبوأ عدد من المناصب الرسمية كوزير وسفير.
شعر القصبي مزيج من البساطة والإختزال المقفى، على أن له في نفس قارئه أثر لطيف محبب.
أحمد الله له لكونه قد رحل قبل أن يرى المستوى المذل الذي وصلنا إليه اليوم، حيث لا تجرئ الجموع العربية على التظاهر أو التعبير عن غضبها (وهو الذي قال أرى الجماهير ولا أرى الدولا) وحيث غدا التعاطف مع الضحية والشقيق جريمة نكراء، ذلك بأن الشاة قولبت ذئبا والذئب ألبس من قبل إعلام العهر رداءا ملائكيا لشاة وديعة، وضاعت الوديعة، وديعة الأجداد وضاع الحلم بالأمة العربية الأبية.
كتبت هذه المراجعة في يوم الجمعة الموافق للرابع عشر من أغسطس لسنة ألفين وعشرين بعد يوم واحد من إعلان دولة الإمارات التطبيع الثنائي "الغير مبرر" مع الكيان الصهيوني، في ذروة تغول الإرهاب الصهيوني بسياساته الإجرامية التي فاقت كل ما سبق وأن إرتكب في حق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، فالقدس الفلسطينية والجولان السوري وجزء كبير من مستوطنات الضفة غدت باعتراف الولايات المتحدة والمطبعين أراض إسرائيلية!
من قصيدة غازي القصيبي "أزف إليك الخبر" المهداة إلى نزار قباني في الديوان:
"أشكو إليك حسان الأرض قاطبة **** عشقتهن .. فكان العشق ما قتلا" "ويلاه من حرقة الولهان .. يتركه**** مع الصبابة .. سوق ودع الأملا"
بيتان متتالين لغازي القصيبي في قصيدته عن الهفوف بعنوان "أم النخيل"
والبيت الأول فكرته هي نفسها الشائعة المنسوبة للأصمعي "من الحب ما قتل" ، والثاني من بيت المتنبي "وما صبابة مشتاق على أمل **** من اللقاء كمشتاق بلا أمل"
للآن ما وجدت إبداعا أصيلا في شعر غازي رحمه الله فيما قرأت من شعره إلا النزر اليسير، غازي حكى عن نفسه أنه سيتذكره التاريخ كشاعر ليس كرجل دولة، وحكى في مكان آخر أنه شاعر من الدرجة الثانية وروائي من الدرجة الثالثة. ويبدو أن التاريخ يتذكره كرجل دولة أولا وكروائي وشخصية اجتماعية ثقافية أول مكرر، لكن لا أظن أن يبقى في ذاكرة التاريخ طويلا كشاعر، بحسب ما قرأت في شعره حتى الآن.
أرى الجماهيرَ .. لكن لا أرى الدُوَلا أرى البطولة .. لكن لا أرى البطلا لا تَذكري .. لي صلاحَ الدين .. لو رجعتْ أيَّامُه .. لارتمى في قبرهِ خجَلا أين الكرامةُ .. هل ماتتْ بغُصّتِها؟ أين الإباءُ .. أملَّ الجُبْنَ .. فارتحلا؟ عجبتُ من أمّةِ القرآنِ .. كيفَ غَدَتْ ضجيعةَ الذُلِّ .. لا ترضى به بدَلا أسطورةُ السِلْمِ .. ما زلنا نعاقرُها يا مَنْ يصدّق ذئباً صادقَ الحَمَلا! حمامةُ السِلمِ .. حُلمي أن أقطعها وأن أعود بصقرٍ يقنصُ الوَجَلا
قصائد تصيب هدفها، فتلهب القلب وتأسر العقل، بكلمات سهلة مريحة، ومعنى ساحر عميق، جُمِعت في ديوان خفيف صغير الحجم، كبير العمق، لن يأخذ من وقتكم الكثير ولكن سيترك الأثر الكبير
أرى الجماهير لكن لا أرى الدولا أرى البطولة لكن لا أرى البطلا لاتذكرين لي صلاح الدين لو رجعت أيامه لا رتمى في قبره خجلا أين الكرامة هل ماتت بغصتها أين الإباء أمل الجبن فارتحلا عجبت من أمة القران كيف غدت ضجيعة الذل لا ترضى به بدلا أسطورة السلم مازلنا نعاقرها يامن يصدق ذئبا صادق الحملا
صغير الحجم، كبير العمق الذي خلّفة حروفة هذا الصباح أسعدتني وأضفت جوًّا جميلًا.. أريد أن أصنفه من ضمن مفضلتي لأني ما أن انهيته إلّا وعدت له بالمساء؛ لكنّ هنالك شيٌّ ما مازال يجعلني أتراجع عن ذلك ..