يحدِّد الدكتور المسيري مفهوم الجماعة الوظيفية بأنها جماعة يستوردها المجتمع من خارجه أو يجنِّدها من داخله، تُعرَّف في ضوء وظيفتها، لا في ضوء إنسانيتها الكاملة، ويَكِل المجتمع إليها وظائفَ لا يضطلع بها عادةً أعضاءُ المجتمع، إما لأنها مُشينة (البغاء ـ الربا)، أو متميِّزة وتتطلب خبرة خاصة (الطب والترجمة)، أو أمنية وعسكرية (الخِصْيان ـ المماليك)، أو لأنها تتطلب الحياد الكامل (التجارة وجمع الضرائب). ويتسم أعضاء الجماعة الوظيفية بالحياد، وبأن علاقتهم بالمجتمع علاقة نفعية تعاقدية، وهم عادةً عناصرُ حركية لا ارتباطَ لها ولا انتماء، تعيش على هامش المجتمع في حالة اغتراب، ويقوم المجتمع بعزلها عنه ليحتفظ بمتانة نسيجه المجتمعي. وأعضاء الجماعة الوظيفية عادةً من حَمَلة الفكر الحلولي والعلماني الشامل. وقد استخدم الدكتور المسيري هذا النموذج في تحليل تاريخ الجماعات اليهودية ووضعها وانتماءاتها الثقافية. كما درس الدولة الصهيونية باعتبارها دولةً وظيفيةً، استيطانيةً إحلالية. ورغم أن هذا الكتاب يتناول الجماعات الوظيفية اليهودية بوجهٍ خاصٍّ من التركيز، إلا أنه ـ مع ذلك ـ يقدم مفهوم «الجماعة الوظيفية» باعتباره أداةً تحليلية أكثرَ تفسيريةً وتركيبيةً من مفهوم «الطبقة» التقليدي.
الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري، مفكر عربي إسلامي وأستاذ غير متفرغ بكلية البنات جامعة عين شمس. وُلد في دمنهور 1938 وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي (مرحلة التكوين أو البذور). التحق عام 1955 بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وعُين معيدًا فيها عند تخرجه، وسافر إلى الولايات المتحدة عام 1963 حيث حصل على درجة الماجستير عام 1964 (من جامعة كولومبيا) ثم على درجة الدكتوراه عام 1969 من جامعة رَتْجَرز Rutgers (مرحلة الجذور).
وعند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود (1983 – 1988)، كما عمل أستاذا زائرًا في أكاديمية ناصر العسكرية، وجامعة ماليزيا الإسلامية، وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970 – 1975)، ومستشارًا ثقافيًا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 – 1979). ثم عضوا بمجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بليسبرج، بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير في عدد من الحوليات التي تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا (مرحلة الثمر).
ومن أهم أعمال الدكتور المسيري موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد (ثمانية مجلدات) وكتاب رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية غير موضوعية- في البذور والجذور والثمار. وللدكتور المسيري مؤلفات أخرى في موضوعات شتى من أهمها: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (جزأين)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (سبعة أجزاء). كما أن له مؤلفات أخرى في الحضارة الغربية والحضارة الأمريكية مثل: الفردوس الأرضي، و الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، و الحداثة وما بعد الحداثة، و دراسات معرفية في الحداثة الغربية. والدكتور المسيري له أيضاً دراسات لغوية وأدبية من أهمها: اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، و دراسات في الشعر، و في الأدب والفكر، كما صدر له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية. وقد نشر الدكتور المسيري عدة قصص وديوان شعر للأطفال
قدم الدكتور المسيري سيرته الفكرية في كتاب بعنوان رحلتي الفكرية – في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية (2001) حيث يعطي القارئ صورة مفصلة عن كيف ولدت أفكاره وتكونت والمنهج التفسيري الذي يستخدمه، خاصة مفهوم النموذج المعرفي التفسيري. وفي نهاية "الرحلة" يعطي عرضًا لأهم أفكاره
هذا الكتاب وبقراءة متأنية متيقظة يفسر الكثير والكثير من مشاهدات اليوم لا أقصد ما يتعلق بالجماعات الوظيفية اليهودية، وإنما الجماعات الوظيفية فيما بيننا نحن.. المفهوم في حد ذاته وكما هو قادر على تفسير كثير من إسهامات الهدم من قبل هذه الجماعة أو ذلك الفصيل فهو قادر على خلق فهم جديد لما يمكن توظيفه من جماعات لما يمكن أن أسميه صيانة المجتمع وتوجيه دفته.. هي فقط مجرد دعوة لمطالعته أوجهها لكم
إن لم تخرج من الكتاب إلا بفهم مصطلح الجماعة الوظيفية فكفى بذلك فائدة فالكتاب و إن كان يسلط الضوء على دور و طبيعة اليهود في الحضارة الغربية إلا أن مفهوم الجماعة الوظيفية يمكن استخدامه لكشف و فهم كثير مما يحدث في أوطاننا اليوم فقد ضج الوطن بالجماعات الوظيفية و إن كانت هذه المرة لم تستدعى من الخارج لتؤدي دورها المرسوم لها من سادتها
في هذا الكتاب يسلط المفكر المسيري الضوء على مفهوم الجماعة الوظيفية مبينًا معناها ومقدمًا لها تحليلًا تاريخيًا وعمليًا عميق. لغة الكتاب سهلة وأسلوب الطرح سلس. استخدم المسيري النماذج كأدوات لتحليل الأحداث الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. فقدم للقارئ “نموذج الجماعة الوظيفية” وهو كما أرى نموذج- مسمى- أبدع المسيري رحمه الله في صياغته.
الكتاب جيد لأي قارئ يرغب أن يقرأ في تاريخ اليهود بأسلوب محايد. بقراءة الكتاب بشكل متأني سيستطيع القارئ أن يفهم الكثير من الأحداث العالمية الحالية، فتقديم المسيري لمفهوم “الجماعة الوظيفية” أسهم في تفسير العديد من الأحداث الغامضة التى تلف تاريخ اليهود و نشأة الدولة اليهودية في فلسطين