صياغة جميلة ورفيعة، أدبية وفنية في صورة مسرحية درامية غنائية، لملحمة جلمامش السومرية الشهيرة. ولم ينس د. عبد الغفار مكاوي أن يكتب مقدمة ممتازة للمسرحية عن تاريخ جلجامش وتاريخ الملحمة والمراحل التي مرت بها
جلجامش - ملك مدينة أوروك، الوركاء حاليا في جنوب العراق - كان أحد الملوك السومريين وأثبت المؤرخون أنه عاش بين حوالي 2750-2600 قبل الميلاد، واشتهر ببناء سور لمدينة أوروك. وتحكي الملحمة أنه ثلثي إله وثلث بشر، وتم تأليهه بعد ذلك واعتبر قاضيا للأموات في العالم السفلي. ونص الملحمة الأخير الذي وصل إلينا وُجد في مكتبة "آشوربانيبال" وهو أحد الملوك الآشوريين الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد.
يتتبع المؤلف نص الملحمة الشهيرة خصوصا عن طريق شخصية الراوي وعن طريق جوقة شيوخ وحكماء مدينة أوروك. ويضيف المؤلف الكثير إلى النص الأصلي للملحمة، خاصة إضافته لنهاية بديلة في نهاية هذا العمل الدرامي، وهو شيء يأتي مبررا وطبيعيا تماما خصوصا أن الملحمة الأصلية مبتورة النهاية
وليس ذلك فقط: يضيف الأديب والفنان والمفكر والمترجم د. عبد الغفار مكاوي الكثير إلى المعاني المعتادة والمعروفة للملحمة.
فبالإضافة إلى نمو شخصية البطل من شخص أناني مستبد قاسي يحكم شعبه بالقهر والخوف إلى شخص يبحث عن معنى الحياة والموت ويسعى إلى الخلود أولا لنفسه ثم لشعبه أيضا، وأيضا فكرة أن الخلود الحقيقي الباقي للبشر هو في بناء الحضارة في هذا العالم وليس البحث عن خلود بعيد في العالم الآخر، وهي فكرة اساسية في الملحمة الأصلية وتعتبر فكرة جريئة، بل يصفها البعض بأنها تعبر عن روح "علمانية" ووجودية حسب تعبيراتنا الحالية، لأنها تركز على أهمية الاختيار والفعل والنشاط البشري وليس على الأتكال على القوى الغيبية.
بالإضافة إلى هذه الأفكار الموجودة في الملحمة الأصلية، يضيف د. عبد الغفار مكاوي إليها معاني جديدة، فينتقد فكرة الحاكم الأوحد المستبد الذي لا يبحث إلا عن الشهرة في أعمال بطولية لن تفيد بلده أو شعبه، بل ينتقد مغامراته التي يفتخر بها بينما هي في النهاية لا تعتبر انتصارات ولا إنجازات حقيقية، وينتقد بحث البطل عن الخلود الوهمي في أبدية ميتة خالية من الحياة والأحياء والتي يمثلها أوتنابشتيم أو نوح البابلي الذي خلدته الآلهة لأنه أنقذ البشرية من الفناء التام خلال الطوفان. وفي نهاية المسرحية يشير جلجامش لشعبه أن الأمر يرجع إليهم هم في تقرير ما إذا كانوا سيصبحون عبيدا لحاكمهم، أو شركاء في بناء دولة الحرية والعدل. ولكن في تقديري أن هذه الفكرة الأخيرة مقدمة بصورة نظرية تشبه فكرة "المستبد العادل"، حيث أننا لا نرى أي دور فعلي لعامة الشعب في المسرحية، لا ثورة مثلا على الظلم ولا محاولة لإيقاف الحاكم المستبد عن ظلمه، كما أنهم حتى النهاية ينظرون إلى جلجامش نظرتهم للمنقذ الفرد الذي سيقودهم إلى النهاية السعيدة