علم الرغم من مر العصور والأزمنة، تبقى دمشق هي سيدة العواصم القديمة، ورغم ذلك لم يكشف بعد عن جمالها كله، وما زال المحبون متعلقين بها، يبحثون عن أسرارها، ومخابئ فتنتها ومكامن سحرها ودمشق هذه العريقة تشبه كثيراً امرأة في غاية الجمال، لكن هذا الجمال مخفي وراء برقع، كلما كشفت جزاءاً منه، لاح لك منها جانب أكثر جمالاً.
ويبرر "نصر الدين الهجرة" أسباب عشقه لدمشق فيقول في مقدمة كتابه هذا قد يكون في هذا العشق لدمشق شيء من التعويض عن حرصان عشته في مرحلة المراهقة، يوم كان بيتنا الأول وبيتنا الثاني في دمشق القديمة. وعندما اضطرت إلى مغادرتها لأمور لا يدلي فيها، صار شأني شأن العشاق الذين لا يمتلكون الاقتراب من جيباتهم، ولا يمتلكون أن يشاهدوهن، وصارت المسألة تقتصر على رسائل يمكن أن تصل... وربما لا تصل.
ولكن عن ماذا سيتحدث المؤلف في كتابه هذا؟ سيتحدث عن حجارة دمشق وسواقيها عن أشجارها وبساتينها وحدائقها وبيوتها وحاراتها وحماماتها ومساجدها وكنائسها وأسواقها، وأوقتها، وأحيائها، سيتحدث عن سكانها وعاداتهم، وعن الحكواتي ودوره في الاحتفالات، وعن ألعاب الشباب، وألعاب السيف والترس، ولليالي الدمشقية وقفة خاصة من المؤلف، إذا تجول في ليالي دمشق مقتطفاً من احتفالات رمضان باقة عطرة، ليقدمها للقارئ كمرآة تعكس له ما كان يحدث في دمشق في الأربعينات من هذا القرن.
والده هو المربي والفيلسوف والأديب السوري سعيد البحرة. كان عمر نصر الدين قرابة السبعة أعوام عندما توفي والده.
عندما أنهى نصر الدين دراسته الثانوية بدأ بدراسة الفلسفة ليتخرج في جامعة دمشق حاملاً إجازة في الفلسفة والدراسات الاجتماعية.
اشتغل في التعليم الابتدائي والثانوي مدرساً للفلسفة واللغة العربية في دمشق وبيروت. إلى جانب رسالته التدريسية عمل بالصحافة في أواسط الخمسينيات فكان محرراً وأمين تحرير لعدد من الصحف الصادرة في دمشق: صوت العرب والوعي والصرخة والطليعة والرأي العام.
نال في 1955 الجائزةَ الأدبية الثانية في مهرجان وارسو الدولي للشباب والطلاب عن قصّته "أبو دياب يكره الحرب". وكان رئيس لجنة المحكمين الأدبيين في مهرجان الشاعر المشهور ناظم حكمت.
كتب القصة القصيرة والشعر العمودي وقصيدة النثر والدراسات الأدبية السينمائية والتاريخية وله مقالات كثيرة منشورة في الصحف السورية والعربية.
منذ عام 1952 يقدم برامج إذاعية ومايزال يقدم برنامجاً ثقافياً في إذاعة دمشق يذاع صباح كل يوم أحد في الساعة العاشرة والنصف بتوقيت دمشق. كما قدم وشارك في تقديم كثير من برامج التلفزيون العربي السوري.
أعارتْه وزارة التربية عام 1966 فعمل في جريدة الثورة الدمشقية معلقاً سياسياً ومحرراً رئيسياً، ثم أمين قسم الدراسات. ورأس بعد ذلك قسم الأرشيف، وتولى أمانة تحرير الجريدة حتى عام 1969، حتى أُنهيت إعارتُه وعاد إلى وزارة التربية السورية للتدريس.
انتُخب في الدور التشريعي الرابع عضواً في مجلس الشعب السوري "1986-1990" عن مدينة دمشق. عضو المكتب التنفييذي لاتحاد الكتاب العرب. رئيس إدارة فروع اتحاد الكتاب العرب في سورية. رئيس تحرير مجلة التراث العربي التي يصدرها اتحاد الكتاب العرب بدمشق منذ عام 1997. عضو جمعية القصة والرواية. عضو عامل في اتحاد الصحفيين السوريين. يعد من المؤسسين في المسرح القومي السوري مُمَثِّلاً. كما أخرج بعض الأعمال المسرحية على مسرح معرض دمشق الدولي وأَعدَّها عام 1960 وكان ذلك مع النادي الفني بدمشق.
عنوان هذا الكتاب غريب بعض الشيء، فنحو نصفه أو أقل هو عن "الأربعينات" في دمشق (والتي تظهر بخطّ كبير مُلوَّّن على العنوان)، وأما معظمه فهو في الواقع عن متفرقات من تاريخ دمشق تأتي كل حين من قرن وحبة لا صلة لها بالأخرى، وتأتي بموضوعات متواترة غير مرتّبة، فتارة يتحدث عن الحياة اليومية وتارة عن العلاقات الاجتماعية والعاطفية وتارة عن معالم المدينة، ويقفز بين هذه الموضوعات جيئة وذهاباً دون انتظام. والكتاب هو في الواقع جمعٌ لمتناثرات من أدباء عديدين يُلخِّص المؤلف كتاباتهم أو يقتبس منها ما يلفت نظره، مثل رحالة فرنسيين وأدباء قدماء معروفين وغير معروفين، منهم "أحمد حلمي العلاف" (مؤلف "دمشق في مطلع القرن العشري") و"أحمد البديري" (مؤلف "حوادث دمشق اليومية") و"نجاة قصاب حسن" وغيرهم. ولعل محتواه الجديد الوحيد هو ذكريات المؤلف الشخصية وتجربته بالحياة في عدة بيوت بأحياء "المهاجرين" و"القيمرية" و"مئذنة الشحم" في دمشق، وهو ما وجدته الجزء الأمتع والأفضل من الكتاب. بالعموم، استفدتُ جداً من قراءته لأن معلوماتي بهذا المجال قليلة أصلاً، خصوصاً وأنه يُركِّز على تاريخ الحياة الاجتماعية (وليس السياسية أو العسكرية أبداً)، لكن الكتاب بطبيعته غير مُنظَّم وليس له هدف واضح في الحقبة الزمنية أو الموضوع مما يُقلّل من فائدته.