مسألة العقل والوجود هي لاشك من أهم المباحث الفلسفية ومن أكثرها جدلاً بين الفلاسفة منذ العهد القديم للفلسفة وحتى زمن الفلسفة الحديثة بكل موضوعاتها ومذاهبها بدأ من الفلاسفة العقليين مروراً بالتصوريين وأخيراً فلاسفة التصور المادي الأجرد للوجود بما فيه العقل او الحسيين كما يقال.. لماذا العقل ملازم لمسألة الوجود، لأن العقل ببساطة يعتبر النافذة الوحيدة التي من خلالها يُعرف الوجود سواء تلك الصورة التي يصورها لنا العقل أو الصيغة الاصلية للوجود التي لا يمكن للعقل أن يدركه ويسير في مسالكه.. الوجود كما نعرفه هو كان ومازال حالة من اللايقين، عند أفلاطون الوجود الذي نعرفه يمثل فقط الظل أو الحالة الدنيا من الوجود الحقيقي الكائن في عالم المثل والغيب، تدرج هذا المفهوم عند أرسطو بما هو مفهوم لنا نحن بالميتافيزيقا المتعارفة لدينا والذي يجعل من العقل كياناً لا مادياً يحيط بعوالم الوجود الحقيقة الغير مدركة من قبل الحواس كمفهوم العلية والجوهر والذات وغير ذلك، وسار على ذلك النحو الفلاسفة الاسلاميون بوجود شئ أسمه العقل يُعرف من خلاله الوجود وهو الواسطة الوحيدة للأتصال بالوجود.. ظل هذا المفهوم قائماً حتى جاء الأسميون الذين أنكروا وجود مفاهيم كلية في العقل وتبعهم في ذلك مجموعة كبيرة من الفلاسفة وأبرزهم وأكثرهم تأثيراً هيوم الفيلسوف الشكاك الذي وضع تقريباً الاسس الاولى للمذهب الحسي الذي لا يؤمن سوى ما يدركه الحس ويرى في العقل كيان غير حقيقي لا وجود له بل هي مجرد تصورات حملها الدماغ وحالة مادية تصور الوجود بصورته التي نعرفها..
الكتاب هو مناقشة وإثبات أولوية العقل في تصور الوجود والرد على فلسفة الحسيين في مسائل عديدة ومبادئ ناقشها الكتاب بأسلوب فلسفي ومنطقي عميق وشيق ورد عليهم بردود قوية تعزز وجود كيان ماورائي نرى فيه الوجود على ماهو عليه والتشكيك في المذاهب الحسية واقامة الحجة على بطلانها وضيق نظرتها لهذا الوجود ..
طبعاً في النهاية هو المنهج الفلسفي القوي لإثبات وجود الخالق لا إله إلا هو وإنكار تغاضي الفلسفات المادية عن الكثير من المبادئ الاساسية والححج الدامغة في سبيل إنكار كل ما يتعلق بالمفاهيم الماورائية، ولكن تبقى الحقيقة غالية، وتأبى أن تزول ..
ولفيلسوفنا الكبير يوسف كرم، سقى الله روحه الطاهرة برحمته الواسعة على هذا العمل الفلسفي العظيم ..