عمل مبهر... درس في الإيجاز.
منذ بداية قراءتي للعمل وقد لاحظت شبهًا واضحًا بينه وبين قبل شروق الشمس لميخائيل زوشينكو. كلا الكتابين قائم على أحداث من سيرة ذاتية... البساطي عن سنوات التكوين في القرية، وزوشينكو عن سنوات التكوين أيضًا بحثًا عن سبب اكتئابه المريع.
كلا الكتابين قائم على مشاهد صغيرة متتالية، وإن كانت مشاهد زوشينكو أصغر.
من التشابهات أيضًا الحديث عن فترة مبكرة جدًا كفترة الطفولة المبكرة والرضاعة... وهنا نجد كتابة مبهرة، خاصة أن الراوي في كلا العملين يحكي بمضير المتكلم.
المشاهد تحكي حدثًا قويًا جدًا دون تعليق. هل يمكن أن يكون الفن في الحذف؟ هل يمكن أن يكون الفن في عدم التعليق على شيء قوي جدًا، وعدم الغوص في عالم الشخصيات الداخلي؟ كيف يتم تعويض المونولوج الداخلي إذن؟ يتم تعويضه بتكثيف الكلمات إلى أقصى حد؛ بوضع شحنة شعورية عالية في جمل بسيطة. تنتهي المشاهد المأسوية مثلا بجمل في غاية البساطة، فالمأساة لا تحتاج إلى تعليق أو تهويل... هي مأساة.
كلا الكاتبين يتبنى رؤية مادية للعالم، حيث الأحداث المادية تحكم الشخصيات تمامًا، وسواء اتفق القارئ مع هذه الرؤية أم اختلف معها لكن لا يسعه إلا الإعجاب بجمال الكتابة وعمق الرؤية.
ويأتي القطار رواية مبهرة عن سنوات التكوين وعن القرية المصرية، وعما يفعله العمر بنا، وكيف نصير بشرًا لحظة تلو الأخرى أمام أحداث مبهجة ومفزعة، تافهة ومهمة، وأمام كل ذلك يأتي القطار ويمر دون توقف.