يهبط الطفل من رحم أمه إلى الدنيا فيستقبلها بصرخات الحياة لمدة دقائق معدودة، ثم تنهال عليه قُبلات الحب والحنان من أمه وأبيه، فيهدأ، ويتسرب دفء الحنان إلى قلبه بالفطرة. يكبر الطفل تحت ستار من حماية وحب والديه، فلا يرغب في شيء قدر رغبته في الفوز برضا كليهما المتبوع في الغالب بجوائزهم المختلفة التي يحبها، ثم تمر سنوات ليدخل الطفل المدرسة فيبحث عن حب معلمه أو معلمته له، ويبحث عن حب الأصدقاء، وربما داعبه قلبه الرقيق فيقع في حب صديقةٍ له فيتذوق أجمل وأبرأ أنواع الحب الطفوليّ. تمضي به السنوات، والطفل يكبر ليصير مراهقًا، ثم شابًا فتيًّا، يبحث دائمًا عن الحب والرضا في كل مكان يحلّ به، في جامعته، في عمله، وفي زوجة مستقبلية يشاركها حياته ويقضي معها نصف دينه. وتمضي حياتنا جميعًا بدافعٍ من طاقة سحرية تنبع من ذلك الشعور الغامض الذي حير الشعراء والعلماء على مر العصور، إنه الحُب ولا شيء سواه، بكل أنواعه وتصنيفاته يمكنه أن يبدل المرء من حال إلى حال، وبدونه تفقد الحياة بريقها الوهّاج، فمن خلق لنا المشاعر؟، من علم الطفل أن حب أمه هو أغلى ما يملك، وأن حب والده لا مثيل له؟، إنه الله - عز وجل – خالق كل شيء وواهب الإنسان ما لا يُحصى من النِعم، فماذا فعلت يا عبد الله كي تفوز بحب من خلق الحُب وأنبته في روحك وقلبك؟.
فلنعترف أننا نمضي في حياتنا مقصّرين في حق الله سبحانه وتعالى باختلاف درجات التقصير بيننا، من لا يحمد الله ويشكره كما ينبغي، من تتراكم عليه صلواته لأعذار أو بدون أعذار، ومن يتساهل في ارتكاب الذنوب والمعاصي، ثم من حين لآخر تنتابنا لحظاتٍ من الندم على ما فرّطنا في جنب الله، لنعود إليه سبحانه طامعين في عفوه وغفرانه وهو العفوّ الغفور جل جلاله، و" كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" كما أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم. ولكن أليس بالإمكان أفضل من ذلك؟، أليس في استطاعتنا الإحاطة بما يحب الله منا وما يكرهه كي نفعل ما يحبه ونتجنب ما يكرهه قدر استطاعتنا؟، خصوصًا وأن هناك العديد من الأفعال والعبادات البسيطة التي يمكنها أن تُرضي الله عنا بفعلها، والكثير من الخطايا الهيّنة التي نقع فيها دون قصد فتُغضب الله منا، ألا يحق علينا أن نعلم كل ذلك حق العلم؟
نعم هو حقٌ علينا بل وفرض على كل مسلم عاقل ما استطاع إليه سبيلًا، وسُبُل الوصول لهذه المعرفة عديدة بلا شك، فهناك عشرات.. بل مئات من أمهات الكتب والمراجع لأئمة وفقهاء الإسلام على مرّ العصور رضي الله عنهم أجمعين، تحدثوا فيها بإسهاب عن واجبات المسلم نحو ربه، ولأن إيقاع حياتنا اللاهث صار يحول بين معظمنا وبين قراءة ودراسة هذه الكتب، قام كاتبنا الفاضل جزاه الله عنا كل خير ببذل أقصى جهوده، كي يجمع لنا من أمهات الكتب والمراجع خلاصة العلم، ليعرضها لنا في سلاسة ويسر، بعيدًا عن التكلف والتعقيد البلاغي في الكتابة، وبعيدًا عن العنعنة التي تنفر البعض من المراجع الكبيرة والكتب العتيقة، فخرجت مادته غاية في العذوبة والجمال، مدعمة بآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فلا تملك أمام كتاب كهذا سوى أن تتحول إلى طفل صغير يبحث عن الحب من جديد، ولكنه حب من نوع آخر، أجلّ أنواع الحب، حب الله وحده سبحانه.
في خمسة أبواب رئيسية جاء الكتاب، يتناول الكاتب في أولها عرض ما يحب الله وما يكره من العبادات، وستندهش في هذا الباب من عبادات كثيرة غاية في البساطة يمكن أن تكون سببًا في حب الله لك ورضاه عنك، كما ستُصدم من ذنوب تفعلها ولا تعلم، تجلب عليك غضب الله وسخطه، فاللهم غفرانك. ثم يتطرق الكاتب في الباب الثاني، وهو أطول أبواب الكتاب، إلى من يحبهم الله من عباده ومن يكره، وحقًا كان هذا أجمل أبواب الكتاب بالنسبة لي وأكثرهم لمسًا لقلبي، فستجد نفسك بين صفحات هذا الباب تبصر أحد أحبابك وقد انطبقت عليه صفات من يحبهم الله، أو تغبط أمثلة من الصحابة والتابعين فازوا برضا الله وحبه في الدنيا والآخرة، فتمني نفسك وقلبك بحبٍ كذلك الحب، وينشط بداخلك قلب الطفولة المُحب لكل ما يوصل للحب. ثم في الباب الثالث يتحدث عن أمورٍ متفرقة في الدين والحياة، يحبها الله أو يبغضها، وفي الرابع يدور الحديث عن ما يحب الله من البلاد والأشياء، ثم يختم الكتاب بباب موجز وصغير أتى كلمسة حانية معطرة في نهاية رحلة ممتعة تحدّث الكاتب فيها بإيجاز عن الصورة المثالية للعبد المحبوب الذي ينبغي أن نكونه، وكذلك العبد المغضوب عليه الذي ينبغي ألا نكونه بناءً على ما علمناه من الكتاب، فتُغلق الكتاب وقد شُحن قلبك بطاقة حمدٍ وشكرٍ وامتنان على أن وفقك الله لقراءته، وتستغفر الله على ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وتُعاهد نفسك أمام الله أن تنفذ ما تعلمته في هذا الكتاب سعيًا وراء فوزك بحبه ورضاه، وتزيل الرماد عن فطرة الحب المدفونة بداخلك تحت رُكام من مشاغل الحياة اللاهية، فاللهم نسألك العون على حمدك وشكرك وحسن عبادتك.
لولا بعض التكرار، وبعد الإسهاب في مواضع لا تستحق والإيجاز في مواضع أخرى كانت تستحق مزيدًا من الحديث، لازداد الكتاب جمالًا فوق جماله، ولكن تظل هذه النقطة هينة مقارنةً بقراءة أمهات الكتب بالتأكيد، ولأجل المجهود المبذول في جمع مادة الكتاب بهذا الشكل الجميل يمكن التغاضي عنها بالتأكيد.
نسأل الله أن يُجزي كاتبنا خير الجزاء عن هذا الكتاب
وأن يعيننا على السير وفق نهجه الذي يرضيه سبحانه وتعالى عنا
إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
تمت.