آمنة الرميلي الوسلاتي روائية وباحثة تونسية، تشغل منصب أستاذة للأدب والنقد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة. وأعمال الرميلي تتنوع ما بين مجموعات قصصية وروايات أدبية.
حصلت على شهادة الكفاءة في البحث عام 1990، وعلى شهادة الدراسات المعمقة عام 2005، وعلى شهادة التبريز عام 2006، كما حصلت على درجة الدكتواره عام 2010. تدرّس الأدب والنقد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة سوسة. تتحرّك ما بين نوعين من الكتابة: السرد والبحث الأكاديمي، إلى جانب نوافل في القول مثل المقال الفكري والسياسي. تنتمي إلى وحدة البحث الإنشائي بكلية الآداب بسوسة وعضو بهيئة تحرير مجلة (الفكرية) التي تصدر عن دار صامد.
شط الأرواح هي آخر إصدار للكاتبة التونسية آمنة الرميلي و أول رواية أقرؤها لها.. صحفية استقصائية تتعرف على حافر قبور من نوع خاص.. قبور للذين لفظهم البحر بعد أن ركبوا قوارب الموت..تزوره في شط الأرواح كي ترى بأم عينيها هذه المقبرة العجيبة. أعرف ما يدور بخلدك يا صديقي، الموضوع جميل و مثير، رغم أنه طرح سابقا في العديد من الأعمال الفنية ، لكن الكاتبة اختارت طرحه بطريقة أخرى مختلفة. إلا أنني احترت في أمري من هذه الرواية. بصراحة، توقعت للكاتبة أن تتعامل مع القصة بطريقة أخرى و مغايرة، توقعت أن تتعمق أكثر في حكايات المهاجرين و مآساهيم، كنت أتوقع أن تسهب أكثر في الحديث عنهم، و كأنني بهم يودون الحديث أكثر، يودون مساحة أكبر من مساحة الصحفية التي ما انفكت تصف طباعها الصعبة و لسانها السليط في كل فصل، و ما انفكت تعيد و تكرر نفس الأفكار بلغة أخرى. وددت لو قلت لهذه الصحفية لست أنت البطلة بل سكان شط الأرواح، أريد أن أسمعهم أكثر، لست مهتمة جدا بتفاصيل حياتك و طريقة معاملتك للمتدربين و لا بالمدير وووو... لكنني أعترف أنني كنت أبتلع الصفاحات بلهفة رغبة مني بمعرفة نهاي هذه الحكاية الغريبة ، ماذا بعد، ما نتيجة هذا الاستقصاء و هذا البحث و هذه العلاقة مع خير الدين المنسي.. و أتت النهاية التي كانت فعلا بحجم انتظاري.. النهاية كانت رائعة .لست أصفها بحزينة أو سعيدة ، مفتوحة أو لا، بل أصف الطريقة التي اختارت الكاتبة أن تقفل بها روايتها.. الطريقة كانت جميلة، مخادعة بعض الشيء لكنها جميلة فعلا. أكاد أجزم أن الآراء ستتباين حول هذه الرواية لكن أعتقد شديد الاعتقاد أن غالبية القراء سيتفقون حول جمال النهاية.
"شط الأرواح" هو عمل عملاق بامتياز، روايةٌ/بحرٌ يجذبك نحو أعماقه ويلفظُكَ روحًا أخرى تشبّعت بطحالبه السّوداء وملحه الحارق. هي قصّة اليأس والهروب والتّشبّث بخيوط الأمل العنكبوتيّة، قصّة تبدأ افتراضا وتنتهي مزيجا من الحقيقة الكاذبة والوهم بحضوره القاتل. قصّة صحفيّة استقصائيّة اختارت أن تبلغ آخر نقطة في بحر أحد الملفّات الخطيرة، ملف الهجرة السرية بضحاياه وكواليسه والممسكين بخيوطه، دخلت هذا العالم دون أن تدرك أنّها ستقع فريسة حكاياه وأنّ مغامرتها تلك لن تكون مجرّد استقصاء أو سطورا تُحبّرها في ما بعد على صفحات جريدة لا يتابعها القرّاء إلاّ من باب التطفّل على مآسٍ لا يفقهون من خلفيّاتها شيئا يُذكر. "شط الأرواح" عمل جبّار، 14 فصلاً من المتعة والعذاب، كتابٌ لا تكاد تصل إلى نهايته حتّى تبحث عن المزيد، أنصح به وبشدّة.
ملخص وصور اللقاء الأخير مع الروائية امنة الرميلي بمناسبة مناقشة روايتها " شط الأرواح " والتي تنظمه جمعية عشاق الكتب بسوسة في إطار إستضافتها وتقديمها للروائيين/يات التونسيين/يات
- حلمي الشيخاوي : من سيرة العطش إلى سيرة الغرق : محطتان أخيرتان رسَمت بورتريهات للروائية امنة الرميلي ، كيف تصفين هذا الإنتقال ، هل كان بطريقة غير واعية ، أم أنك صاحبة مشروع يتعلق بمأزق الماء الذي يصبح جمرا ، كما كتبت عنوان روايتك السابقة جمر وماء؟ - امنة الرميلي : دائما أدور أدور وأعود إلى الماء ، يقول إدغار موران في كتابه الإنسان والموت " إن الإنسان متكون من الماء إلى درجة أنه حتى إذا ما فكر في الإنتحار ، فإنه بنسبة 70% يلقي بنفسه في الماء " وانا لدي هذا الهاجس بالماء سواء في غيابه أو حضوره. منذ اسبوعين تحدثنا في الملتقى الثقافي العربي ( الذي انتمي إليه وانشط فيه ) حول التقنيات السردية ، وركزت أنا حول التقنيات التي تأتي قبيل السرد ، التي نسميها القوادح أو الشرارة الأولى ، في توجان الشرارة بدأت في أوت 2012 ، عندما كنت أتابع شريط الأخبار ، بث في نهايته وثائقي كتب عنه " توجان ولاية قابس " كنت لأول مرة أسمع عن هذا المكان بتونس، في هذا الوثائقي شاهدت إمرأة ومعها انية ماء وهي تشكي من العطش، قائلة جملتين " توجان عطشانة والناس تتقاتل عن الماء " وهذه الجملتين هي التي بدأت بهما روايتي بعدما اخترقت قلبي وجسدي، فبكيت كثيرا ووضعت على رأس الصفحة العنوان " توجان " . لأول مرة اكتب عنوان الرواية قبل كل شيء، وبقيت اكتب إلى حدود الرابعة صباحا ، وأستمرت معي 4 سنوات حتى إنتهيت منها ، لكن ما هو جميل في توجان أني كتبتها كما لو أنني اكتب الشعر أو أمارس الرقص ، الكتابة كانت تأتي بسهولة عكس شط الأرواح التي سأعود إليها ، قبل أن أقول أن توجان هي رواية قائمة على ثنائية الماء والتقاتل ، ومن مساوء الصدف أن هذه السنة هناك عرشان يتقاتلان على الماء ، وهذا وقع على مقربة من توجان. القادح الثاني الأن ، كالعادة وأنا أمر على أخبار الفايسبوك ، عثرت على قصة الشاب التونسي الذي يدفن جثث الموتى اللتي كان يلفظها البحر بمقبرة في جرجيس ، هذا الشاب هو متطوع من الهلال الأحمر التونسي ، هذه القصة هزتني ، فأنطلقت مباشرة في كتابة الرواية ، كتبت حينها قرابة السبعين صفحة ، ثم في وقت لاحق شاهدت قناة france 24 عندما إستضاف الإعلامي التونسي توفيق مجيد هذا المواطن التونسي ، فأكتشفت أنه لم يكن شابا ، وإنما شخص متقدم في العمر ، فغيرت شخصيتي من شاب إلى رجل . وواصلت كتابة الرواية ، التي اعتبرها معذبتي مقارنة بتوجان التي رغم أن نهايتها كانت أليمة ، بعد أن فعلت بشخصية صحراء ما فعلت ، ورحت أبكي بشدة ، فعلا مضحك الكاتب أحيانا ، لأنه يخلق كذبة ويصدقها ، أما في شط الأرواح فهناك أشياء كتبتها بنوع من العذاب ، أتذكر أن لي صديقة تقرأ لي دائما ، ارسلت لها المخطوط، فتوقفت عند حادثة جثة يقوم الطبيب بتشريحها وكتبت أنا وقتها " خرج منها دم متخثر " فإستوقفتني صديقتي منبهة وهل يوجد دم في الجثث ! فعدت لكي أبحث في مواقع الإنترنيت حول كيف تكون الجثة بعد أيام من العثور علييها ملقات في البحر ، تعذبت وانا أشاهد صور الجثث ، لكن كان علي أن استمر في البحث ، حتى أشكل صورة صحيحة للجثث في روايتي. - حلمي الشيخاوي : اعتدنا من رواية الأكادميين ، أن يكتبوا روايتهم مملوئين بهاجس البحث والتدقيق ، لكن أنت حالة مختلفة عن الروائيين الذين ينتمون إلى الحقل الأكاديمي ، حيث أن توجان وشط الأرواح هي أماكن مادية موجودة في كل من ولاية قابس وجرجيس ، الذي لا يعرف امنة الرميلي قد يعتقد أنها تكتب عن أماكن تعرفها وتختبرها ، لكن في الحقيقة لا ، أنت لم تزوري توجان قبل كتابة الرواية ولا شط الأرواح كذلك ، ، لماذا تفضلين الانكفاف عن زيارة تلك الأماكن قبل الكتابة أو التعاطي مع شخصياتها ، ما الذي تخشينه ! وفي مستوى ثاني من السؤال ما اللذي تكتسبينه وما الذي تفتقدينه بخيارك هذا ؟ - امنة الرميلي : دعني أعرج قليلا حول مسئلة الأكاديمي الذي يكتب الرواية ، وحول تأثير الإختصاص ، هي لعبة صعبة قليلا لأن في نهاية الأمر اللغة هي اللغة ، والباحث عليه أن يتنزع عنه صفة الأكاديمي وهو يكتب الأدب ، والعكس صحيح ، فأنا أتهم مثلا بأن لغتي البحثية هي لغة شعرية وليس هذا من تقاليد خطاب الجامعة ، أما فيما يخص الأدب ، فإني أحاول إن أغلق أبواب البحث الأكاديمي وانا اكتب الرواية أو القصة أو الشعر. لكن هناك شيء أخر ، لا تنسى حلمي أنني بدأت مبدعة قبل أن أصبحت باحثة أكاديمية ، كان ذلك من خلال مجموعتي القصصية الأولى " يوميات تلميذ حزين " ولكن هذا لا يجعلنا ننفي وجود أكادميين لديهم روايات جيدة مثل رواية نازلة دار الأكابر لأميرة غنيم - حلمي الشيخاوي ؛ بالحديث عن الروائية أميرة غنيم ، نحن نعرف أنها كانت مهووسة بهاجس البحث والتمحيص عن الوثائق عندما كتبت روايتها ، عكسك أنت! - امنة الرميلي : سأجيبك فعلا عن سؤالك ، أنا عندما بدأت في كتابة توجان ، نشرت مقاطع منها على الفايسبوك ، فإستقبلت إستقبالا جيدا ، الشيء الذي جعل من الدكتورة زهرة الجلاصي المختصة في السرد النسائي ، أن تطلب مني بالتوقف عن كل شيء والذهاب لزيارة توجان ، لأوثق ما يحصل هناك مثلما يفعل جميع الكتاب الكبار ، أجبتها حينها أن لدي توجان في ذهني سأكتبها كما هي ، فإذا ما بدت تشبهها ، سأسعد لذلك وإذا لم تكن تشبهها لن أقلق ، لأنني كتبت توجان الرواية وليس المكان. بعد نشر الرواية والدعوة التي وجهت إلي لزيارة توجان ، كانت الصدمة ، فالكثير مما كتبته يشبه ما هو موجود في توجان. وهذا ما لم أجد له تفسيرا في الحقيقة. - هيلان الماجري : شط الأرواح ، مرثيّة طويلة مكتوبة بالحبر الأحمر. لقد جعلت باهية العمراني بطلة رواية الشط الارواح من قلمها مشرطا لتشريح الواقع المتعفن وعملها الصحفي مكشافا للانتهاكات التي تطال المرأة والمستضعفين المقهورين عامة فتسلط الضوء على شط كان مجهولا مغمورا، كان مقبرة للأرواح وللحقيقة وتخرجه من دائرة النسيان والعتمة الى دائرة النور... السؤال هل يَعكِسُ الأدبُ المعاناة كما يراها المجتمع، فيكون مرآته كما هو الحال لدى مناهج النقد الاجتماعيّة، أم يستند إلى معالجاتٍ مستقلةٍ فرديّةٍ حداثيّةٍ تتجاوزُ مفومَ المعاناةِ في سياقِ كونها نتاج الظرفِ السِياسي، إلى المعاناة في سياقِ ارتباطها بالوجودِ الإنساني ومشكلة الإنسان وأسئلته وقضاياها وقلقه؟ - امنة الرميلي ؛ سؤال مهم ، هل دور الكاتب كما قلت أن يضع مرأة ويعكس الواقع ، لا ، أنا لا أؤمن بنظرية الإنعكاس ولا تعجبني ، ببساطة لأن الكتابة كما قلت أنت هي مغامرة فردية باللغة وفي اللغة ، تبقى الرواية تعبيرا لغويا خاصا عن أي ظاهرة كانت ، لذلك يكون هناك فارق بين رواية ورواية أخرى يشتغلان مثلا على نفس موضوع الحرقة. سأضيف أيضا أن الرواية هي في الأخير لعبة وقدرة الذات المبدعة على اللعب ، فاللغة حبال وفخاخ ومناورات ... إذا فالرواية تجربة مستقلة رغم أنها تنهل من الواقع. - عبد الفتاح العجيمي : ككل منشغل بقضايا وطنه ، يعيش الروائي تشظي بين ما يحلم به ويأمله ، وبين ما هو موجود من واقع متأزم ، ما تأثير هذا التشظي على ما يمكن أن نقدم من أدب، هل هي ميزة إضافية إلى جانب كونها جرحًا نازفًا؟ ألا تخشي من أن يبقى ما تقدمينه من أدب أسيرًا لما حملناه من ثقوب في أرواحنا.. وأن يبقى أدبًا لا يخرج عن هذا الإطار ؟ - امنة الرميلي : هذا الواقع المتشظي ينعكس في روايتي المتشظية من خلال لعبة الزمن مثلا ، لن تجد فيها سرد خطي ، هذا التشظي إعتبره ميزة لإعادة بناء الأشياء ، سؤالك مهم عندما تقول ألا نخشى أن نبقى مرهونين لهذا الواقع ، أقول لك نحن نكتب لكي نتجاوز ، أنا شخصيا لو كنت ابحث على الإرتهان لبقيت صامتة ، لكن أن اكتب فأنا اتجاوز ، وكل كتاب أنا أكتبه ، يمثل لي خطوة إلى الأمام ، وكل قراءة هي كذلك أيضا، أقصد أن تكون بعد قراءة الكتاب لست كما كنت قبل قرائته. صحيح أن طاقة الإرتهان إلى الواقع تجذب كثيرا ، أنظر مثلا كم من رواية كتبت عن الثورة ، لكنني لم اكتب عنها ، لأنني أخشى ذلك الإرتهان ، ولا أحبذ الوصفية ، وإنما أحب التفاوض مع الوجود وان أحكي الواقع بطريقتي الخاصة. هل وفقت في ذلك أم لا ، في نهاية الأمر الحكم للقاريء - زهره القاضي : لماذا اخترت الرواية الاستقصائية في رواية شط الأرواح ! لماذا ليست الرواية البوليسية مثلا ؟ - امنة الرميلي ؛ سؤال ممتاز يعيدني إلى نفسي وإلى ذاتي ، اخترت الروائية الاستقصائية وشخصية الصحفية ، لأنني كنت أود أن أصبح صحفية ، ووضعتها ضمن إختياري الثاني بعد نجاحي في الباكولريا ، ويبدوا أن هذا الحلم القديم مارسته في هذه الرواية. - حلمي الشيخاوي : تمكنت امنة الرميلي من خلق لغة خاصة بالشخصية ، وأعطتها ملامح خاصة بها ، تذكرت هنا الكاتب التشيلي سكارميتا عندما سئل ما هي النّصائح التي باستطاعته أن يقدمها لبناءِ شخصيّة روائيّة جيّدة، فأجاب دعهُ يعش، احترم عفويّته، عدم إثقاله بالرّمزيّة والأفكار، دعهُ يتنفّس ويتحدّث بشكلٍ طبيعي، حمايةُ خصوصيّته من همومِ الرّاوي الذي يعتقدُ أنّه يعرفُ كلّ شيءٍ عن الشّخصيّة التي ابتَكرها. سأطرح عليك نفس السؤال ما هي النصائح التي يمكن أن تقدمينها لبناء شخصية روائية جيدة ؟ - امنة الرميلي ؛ سأقول نفس الكلام تقريبا، صحيح أننا نصنع الشخصية ، ولكن لا نعرف فيما بعد ماذا سيجرى لها وماذا ستقول ، لأنها تصبح تتحرك في اللغة وتأخذني إلى أماكن لا أعرفها ، تتمرد علي بشكل ما ، وترفض الإنصياع لي . وأفقد التحكم فيها واجاري نزواتها ، أعتقد أن ذلك هو شرط بناء الشخصية ، إنها تبنى بتلقائية وحرية ، فتصبح كائن حي بالنسبة لي ، تنام معي ، ترافقني على طاولة الطعام، تهمس لي بالجمل التي سأقولها على لسانها ... - حلمي الشيخاوي : لم تعد الهجرة السرّية هاجسا ذكوريا ومشروعا يخصّ الرجال القادرين على خوض معترك البحار. لقد أضحت الهجرة قضيّة تشغل بال النساء بالمشاركة أو المعالجة ، من ذلك أن فضاء شخصيات روايتك كلها نسائية : "فاطوماتا" الماليّة،، "نجود السورية"، "حياة" التونسية، "بيانكا" النيجيرية، "رهف" الطفلة السورية. السؤال لماذا كل شخصياتك هي شخصيات نسائية ، ولماذا تبدو العلاقة النساء بالرجال هي الأخرى علاقة متصدعة ، هل هو إنخراط نسوي يتعلق بأمنة الرميلي النسوية ! وهل تعدين نفسك بهذا الحال كاتبة نسوية - امنة الرميلي : يمكن أن يكون ذلك ، ولكن أنا لم اكتب هذ الرواية حتى أقول أن الهجرة الغير نظامية ليست حكرا على الرجال ، بل ما أردت أقوله أن المرأة هي أيضا محترقة ومعنية بهته الكوارث الإجتماعية ، بل لعلها هي وقود هاته الكوارث ولكن يتم السكوت وعدم التطرق إلى هذا الجانب. أنظر إلى حكاية نجود السورية وما حصل لها في ادلب ، ومحاولة لجوئها إلى اليونان قبل أن يرميها البحر على شواطيء جرجيس ، أنظر إلى حكايات كل نساء روايتي ، رهف الطفلة السورية ، فاطوماتا الماليّة، بيانكا النيجيرية، حياة التونسية وزهره شوشان الجرجيسية ... - حلمي الشيخاوي ؛ البارحة استمعت إلى أغنية " ناري على جرجيس وبناويتها " فإستحضرت مباشرة شخصية زهره - امنة الرميلي : لم تترك شيئا إلا ولاحظته ، أنت على حق ، وأنا اكتب شخصية زهره ، كانت هذه الأغنية في ذهني ، لذلك اتت هذه الشخصية مثقلة بالوجع. - حلمي الشيخاوي : في نفس السياق هل من إختلاف بين كتابة الهجرة الغير نظامية من منظور ذكوري ، ومن منظور نسائي ! - امنة الرميلي : هناك فيلسوفة ولسانية معروفة اسمها Luce Irigaray لديها جملة جميلة تختزل بها سؤالك ، أولا عندما تكتب المرأة فهي تكتب بلغة جاهزة ، لغة تشترك فيها مع الرجل تعلمتها مناصفة معه وتخضع مثلها مثله لنفس القوانين في اللغة ، ولكن من وضع تلك القوانين ؟ وضعها الرجال وليس النساء. قالت جملة رائعة أخرى ، أعمل بها واتبناها بما أنني ادرس ماجيستار النوع الإجتماعي في كلية الحقوق بسوسة ، تقول أن هذه اللغة قابلة لأن تصرف بطريقتين ، رجل وإمرأة ، إذا جوابي سيكون ، نعم يمكن أن يوجد الفرق ، لكن علينا بمزيد من البحث والتفكيك وأدوات تحليل الخطاب ، لنستشف أن ما تكتبه المرأة عن الحرقة يختلف عن ما يكتبه الرجل ، على سبيل المثال أنا كتبت عن الحرقة بثقلي الأمومي وانا اكتب عن الجثث أو عن الأطفال الذين يتركون أمهاهتم ، لا أدري هل بستطيع الكاتب أن يضع فيه ثقله الأبوي أم لا ، ولكن الأمومة تختلف عن الأبوة. المسألة ليست مسئلة عاطفة ، بل هي نوع من التفاوض مع اللغة ومع الوجود بشكل يبدو أنه مختلف ، ولكن هذا لا نقوله نحن ، لأن الكاتب لا وعي له بما يكتب في المجمل ، بل يقوله المختصون في تحليل الخطاب. وانا لا اذهب حقيقة في ما جاء به الأستاذ الكبير محمد طرشونة مثلا عندما قال أن لغة المرأة هي لغة عاطفية ، بصراحة هذا كلام لا معنى له ، هل يوجد عاطفية أكثر من أشعار نزار قباني عندما يكتب " حتى فساتيني التي اهملتها فرحة به ، رقصت على قدميه ... ". - حلمي الشيخاوي ؛ موضوع الهجرة الغير نظامية موضوع كلاسيكي، يتم الكتابة عنه دائما ، نحن نعرف أن ليس الموضوع أو الأفكار هي المهمة بدرجة أولى ، فالأفكار ملقاة على قارعة الطريق كما ينسب لقول الجاحظ ، أو يمكنك أن تجدها في المحاكم وفي مراكز الشرطة كما كان يردد سيلين ، أو على مواقع التواصل الإجتماعي كما حدث معك الأن. ولكن ما هو مهم أو متفرد ، هو الأسلوب، لكن لا نخفي أيضا أن القراء لا يتحمسون كثيرا للمواضيع التي المطورق إليها ، كالحرقة أو الإرهاب وغيرها ... ألم تخشي أنت ردة فعل القاريء السلبية هذه ! وهل تفكرين في القاريء عموما وانت تكتبين رواياتك ؟ يقال مثلا أن الجمهور الكبير عبء على الكاتب؟ - امنة الرميلي : دائما أخاف من القاريء ، كم أمحو وكم أعيد وكم أغير ، رواية توجان كتبتها 6 مرات مثلا ، يبدو لي القاريء بألف عين وعشرة أدمغة ، لا يفوته شيء ، الحقيقة لا أريد أن أقول أنني أخاف من القاريء ولكن هذا صحيح. - حلمي الشيخاوي : ما من روائي قرَّر أن يكتب رواية إلا وفكّر كثيراً في صياغة العبارة الأولى لروايته وكيف يكون استهلاله لها. وغالباً ما يقوده هذا التفكير إلى عديد من الخيارات والطرق في كتابة تلك الجملة الأولى التي يعتقد أنها افتتاحية مُثلى، قادرة على جعل القارئ يتعاطى مع النص الروائي بوضوح وتناغم. إن الجملة الأولى في الروايات تُكتب بأشكال وصيغ عديدة، فقد تكتب أحياناً بشاعرية وأحياناً بصوت تغلب عليه الحكمة، بينما تأتي في أحيان أخرى بنبرة تقريرية. كيف قررت امنة الرميلي كتابة جملتها الأولى ، هل هي مفكرة فيها سلفا ، أم أنها اتت مع الكتابة في لحظتها - امنة الرميلي : الجملة الأولى صعبة جدا في الكتابة، أعيدها عشرات المرات ، الجملة الأولى هي الرحم ، لا أحبذ البدايات التقريرية ، أريد أن أبدأ دائما بجملة شعرية ، حتى تمكنني من اللعب فيما بعد. - حلمي الشيخاوي : وماذا عن النهاية ! نهاياتك كلها مدمرة ومؤلمة، حتى أنني أستطيع ؛ تمييزها لو تم حذف اسمك من الرواية! - امنة الرميلي : ولكن شط الأرواح ليست معذبة! - حلمي الشيخاوي : في النهاية الشخصية أصيبت بالدوار وأغمي عليها ، كيف تقولين أنها ليست مدمرة ! - امنة الرميلي : في الحقيقة ذلك الدوار أردت أن أنقله إل القاريء ، عندما كتبت " دوار، دوار ، دوار " ... - زهره القاضي : نحن نعرف أن الثقافة العربية هي ثقافة شعرية بالأساس وذلك لأولية الشعر في الأدب العربي ، لكن الشعرية أيضا مبثوثة في السرد ، ماذا عن شعريتك أنت ! أهي متأتية من الطبع أم من الصنعة ! - حلمي الشيخاوي : إضافة إلى سؤالك زهره ، نحن نعرف أن على عكس هجرة الشعراء إلى السرد ، ذهبت امنة الرميلي من السرد إلى الشعر - امنة الرميلي : سؤال مهم أيضا لأنه يدخل في كواليس الكتابة ،أنا أول ما بدأت الكتابة ، كتبت لغة مطبوعة بالشعر ، لأنني قرأت الشعر كثيرا ، إضافة إلى أنني كنت ادرس الشعر في الثانوي ، ثم أول ما جائني الشعر إلى الباب كان في روايتي الثانية " الباقي " وقتها تعيش الشخصية لحظة درامية قصوى ، فتفجرت وتكلمت شعرا بالدارجة " تقول نحبك ، شمعناه تقول نحبك " هكذا كان أسم القصيدة التي أداها الفنان صلاح مصباح فيما بعد ، فالشعر موجود داخل نصي الروائي ، أكثر من ذلك أنا لغتي شعرية حتى في البحث الأكاديمي ، فما بالك في الرواية ، ببساطة أنا تاركة نفسي للشعر ، لقد كتبت الشعر الغنائي أيضا ، نشرت ديوان " نحبك يا إنت " الصادر عن دار زينب للنشر، غنت لي السوبرانو يسرى بن زكري قصائد عديدة مكتوبة بالدارجة وبالفصحى ، كما كتبت أوبرا شهرزاد ، التي قامت بغنائها جاهدة وهبي ، ثم عوضتها شهرزاد هلال. إن العربية لغة شعرية ، فحتى القرأن أول ما نافس ، نافس الشعر ، فالشعر هو أساس هذه اللغة ، حتى اللهجة التونسية هي لهجة شعرية ، أنا أكتب القصائد بالدارجة ، ولكن لا أنوي كتابة الرواية باللغة الدارجة ، رغم الظواهر والنجاحات الغريبة لروايات منشورة باللهجة الدارجة. - حلمي الشيخاوي : هل يمكن أن أسئلك عن ظاهرة الأدب المكتوب بالدارجة ؟ - امنة الرميلي ؛ تفضل - حلمي : ما موقفك من الكتابة بالدارجة ؟ - امنة الرميلي : سؤال كبير هذا ، الحقيقة أنني قرأت بعض الروايات المكتوبة بالدارجة ولم تعجبني، قرأت لتوفيق بن بريك مثلا ولم أستطع إكمال روايته رغم أنها منشورة عن دار الجنوب وشكرها عراب الأدب التونسي الأستاذ توفيق بكار. لنتحدث أيضا عن ظاهرة فاتن الفازع ، التي باعت من روايتها الأخيرة 65 ألف نسخة في ظرف شهر واحد ، كنت قد قرأت لها روايتها الأولى " أسرار عائلية " وهي رواية تقرأ بسهولة لخفتها ، اشتريت كذلك من المعرض الأخير روايتها " هستيريا " محاولة أن أكتشف هذه الظاهرة التي تهمني كناقدة خاصة. - محمد الهلالي : ما هي الحقائق القاسية التي تغاضت عن نقلها الروائية امنة الرميلي أو تجاهلتها مخافة من شيئا ما مثلا ؟ - امنة الرميلي : هناك الكثير من الأماكن في الرواية كنت أستطيع أن اتقدم فيها اشواطا كثيرة، كان يمكن مثلا أن أمعن النقل وأنا أصف الجثث المتحللة ، لكن كان سيصبح الأمر مقصود للإيلام ،فانشائية الألم يجب أن تكون أيضا إنشائية أنيقة ، من خلال جرعات دقيقة ، كان يمكن كذلك أن أتكلم أكثر عن تورط الأمن أو الديوانة التونسية أو حرس الحدود في هذه الهجرات ، فعلا توجد ملفات اقتربت منها ، لكن لم افتحها ، لأنها تحتاج للكثير من التثبت ، لا أستطيع أن أقول شيئا ضد أمن بلادي وصورتها هكذا. - حلمي الشيخاوي : يبدوا أننا استخرجنا ما يكفي من الروائية امنة الرميلي ، لنترك لها كلمة الختام - امنة الرميلي : أنا سعيدة جدا بهذا اللقاء ، شكرا لك حلمي ، كل ما تتكلم وتطرح أسئلك ، أقول أن الدنيا لازلت بخير.