قبل البدء في نقد كتاب المسيري الهزيل
أحب أولاً أن أسأل : من هي المرأة؟ أقصد كيف يكون النظرة إليها؟
هل هي النوع البيولوجي المغاير المساوي للرجل تمامًا في مشاعره وعواطفه وضعفه واختلاجاته النفسيه والشعورية؟ بغض النظر عن الاختلافات الفسيولوجية بينهما
أم هي الجنس المكمل للرجل سيد الكون والقائمة على خدمته والاعتناء بشؤونه في مقابل الحماية والإنفاق؟
إن كان النظرة إليها حسب التعريف الأول فنحن هنا نقف على أرض صلبة.. وإن كان ثمة مهاترات كثيرة ستجري فإننا قد نصل إلى نقطة اتفاق حتى وإن اختلفنا في باقي النقاط..
أما إن كنت تنظر إليها بالنظرة الثانية.. فانتظرني قليلًا حتى نفرغ من مناقشة أصدقائي أنصار الجزء الأول..
فتعالوا هنا نتحدث عن شيئين.. هل المسألة في وضع نظرية أو إنشاء قاعدة لفهم الأمر؟ أم تكييف ظروف المرأة مع ظروف مجتمعها؟
إن كان المسألة كلها نظرية حول قضية المرأة في ذاتها وكان هناك ثمة اعتراف أنه لا تفاضل بين الرجل والمرأة في أي شيء من ناحية الاستقلال الذاتي والنفسي والشعوري..فأعتقد أنه من حق المرأة وقتها/الجنس الآخر أن تقرر قرارها بنفسها عما تريد أن تكون..
هذا بافتراض الاتفاق على بديهية شعور الإنسان بالحرية وحقيقة أو توهمه أنه يقرر أموره بنفسه لا يحتاج إلى تدخل خارجي من أي نوع..
اقصد إن الاعتراف بالمرأة كإنسان كامل النمو العقلي والنفسي والشعوري (بالنسبة لوضع الإنسانية في العصور الحديثة بالطبع لا في المطلق لأنه مطلقًا ليس هناك مقياس محدد للنضج)
يحتم علينا الاعتراف بحق المرأة في اختيار مسلكها الذي تسلكه والطريق الذي ستمشي فيه.
حسنًا..
هنا يقول د.المسيري إنهم يتكلمون عن المرأة بشكل مستقل متناسيين حق الأسرة..
وهذا الكلام سمعناه من مفكرين كُـثـُر عظام ينتمون للمعسكر الإسلامي أبرزهم على الإطلاق د.مصطفى محمود
وأريد أن أقول.. إن تكوين الأسرة لابد أن يأتي من خلال زوجين من البشر مختلفين من حيث النوع البيولوجي ذكر وأنثى..
و وضع اللبنة الأولى في الأسرة لابد أن يأتي من خلال نظرة شريكي هذه الأسرة لها..
وهذه النظرة لن تأتي إلا من خلال رؤية واضحة المعالم دون ضغط أو تدخل من أحد بإرادة حرة تمامًا لا تشوب نزاهتها شائبة..
فكيف إذًا ستأتي الإرادة الحرة؟ النظرة الناضجة؟ وهناك فتيات لا يعملن وينتظرن ابن الحلال لكي يضع أساسيات لهذه الأسرة بنظرته الأحادية بصفته الشخص الناضج الوحيد في الأسرة المكونة من شخصين _حتى الآن_ وأن ثمة إخراس لصوت الأنثى في هذا الصدد بصفتها شيء يتم الإنفاق عليه..
نعم أريد أن اقول أن حرية القرار ونضج الرؤية ينطلق أولاً من استقلال مادي والذي بالطبع هو قرين الاستقلال المعنوي..
فليس هناك بشخص حر وهناك من ينفق عليه حتى وإن كان والده.
والنفس الإنسانية تميل بطبيعتها إلى التسلط والتحكم في الإنسان الآخر.. وليس هناك أقوى من قوة المال لتفعيل هذا التحكم..
أنت الآن تقول الأسرة وأنا أقول لك أن الزواج ليس إلا مرحلة من المراحل .. بحيث أنه يأتي التعليم ثم بناء الذات وتعليمها وتثقيفها.. ومحاولة إيجاد حقل عمل مناسب للقدرات والمهارات التي يملكها الإنسان سواء كان أنثى أو ذكر.
(وقد اتفقنا سويًا على تساوي كل منهما من حيث النمو العقلي والشعوري)
وأرى الدكتور المسيري يستخدم أدوات عاطفية بعبارات رنانة منها أنهم يستخدمون المرأة للزج بها في سوق الاستهلاك وأن : لعله قد يكون من المفيد ألا نتحدث عن "حق المرأة في العمل" (أي أن تعمل في رقعة الحياة العامة نظير أجر), أي العمل المنتج مادياً الذي يؤدي إلى منتج مادي (سلع - خدمات). ونعيد صياغة رؤية الناس بحيث يعاد تعريف العمل فيصبح "العمل الإنساني", أي العمل المنتج إنسانياً ( وبذلك نؤكد أسبقية الإنساني على المادي والطبيعي).
فلماذا إذًا ننأى بالمرأة مذا الحقل الاستهلاكي والسوق الذي تسحب من إنسانية الإنسان ومن رصيده العاطفي والشعوري.. ونزج بالرجل فيه؟
لماذا الرجل إذًا ضحية لهذه الأشياء؟ إن كان ثمة ضرر للمرأة من التعامل والاحتكاك بالسوق وساحة العمل التجاري وثقافة الاستهلاك .. فهو أيضًا مضر بالرجل ويجب أن نحرص على إبعاده عنها كما نحرص على المرأة كذلك!!
ثم إنه بالحديث عن حق الأسرة فهو اعتراف ضمني بأنه نعم : المرأة لم تخلق لغير الزواج والإنجاب..
طبعًا الزواج والإنجاب أمر مهم جدًا ومن أركان الحياة.. ولكنه ليس الركن الوحيد
إذًا فبناء الذات اولاً _وهو الشيء الواجب على كل إنسان_ ثم الدخول في تحمل مسؤولية بناء أسرة وإنجاب أطفال..
إذًا فبناء الأسرة مرحلة .. محطة من ضمن المحطات وليس هو المحطة الوحيدة..
وهكذا يمتد د.المسيري في استخدام العبارات الرنانة لإثارة عواطف القاريء واستنفار مشاعره بكلام من نوعية : أن معدلات الاستهلاك تجعل من المرأة سلعة.. و وجود شركات التجميل تجعل المرأة دائمًا غير راضية عن شكلها وعن جسدها وأنها غير مرغوبة جنسيًا..
حسنًا ولم لا نقول أن هناك أيضًا شركات تستهدف الرجال؟
ودعنا نقول : هل كل النساء يلهثن وراء هذه الشركات ومنتجات التجميل؟ أم أن المسألة مسألة وعي؟
هل تريد أن تقول أن المرأة/الإنسان منزوع الوعي وينهار ببساطة أمام مؤامرات الاستهلاك ضده ؟
كفاك حتى هنا صديقي المسيري ودعونا نتكلم عن الفريق الآخر..
مالذي دعاك لكي تقول أن المرأة كيان مخلوق لخدمة الرجل مقابل الرعاية والإنفاق وأن ثمة قوامة للرجل على المرأة؟
كيف سولت لك نفسك أص��اً أن تقول هذا أو تفكر فيه إلاعن طريق خضوع المرأة للرعاية والإنفاق سواء من الوالد أو من الزوج أو من الأخ ؟ و وقوعها تحت سطوة الرعاية الذكورية ؟
حسنًا فأعتقد الاستقلال المادي/ النابع من الاستقلال المعنوي هو الأصل..
أريد أن أقول أن هناك فيلسوف لا أذكر أسمه قال :
" ستتحرر المرأة عندما لا يصبح هناك دعاوى لتحرر (المرأة) "ـ
ولأن المرأة لا تملك الإنفاق على نفسها ولا رعاية وحماية نفسها فإنها لا محالة ستتعرض لأن تصبح ألعوبة في يد الرجل بدافع التحكم المادي والسلطوي
وأخيرًا أحب أن أقول شيئًا موجزًا :
أعتقد أن إيمانك بحرية المرأة من عدمه نابع من تجربتك الذاتية لا من قواعد مطلقة!
بحيث أن حتى كاتب الكتاب عندما رأى تجربته مع زوجته دعاه هذا لكتابة الكتاب والاستطراد عن حق الأسرة ودور المرأة داخل إطار الأسرة لا داخل ذاته..
وشيء آخر:
نظرتك لـ " الفيمينستس " من حولك وأن هناك بعضًا منهم يجعلون من الأمر حربًا لا تهدأ بين الرجل والمرأة ويعملون فعلاً على تثوير الرجل ضد المرأة حتى أن المرأة نفسها تدعي أنها أفضل من الرجل وأنها الأصل والأساس والـ......إلخ إلخ إلخ
لذلك تظن أن قضية المرأة هذه ودعاوى تحررها مجرد ترهات وهلاوس وهواجس نفسية داخل أدمغة الداعين لها..
حقيقة يبقى سؤال هو مايحدد نظرتك لقضية المرأة :
" هل ترى أن ثمة ظلم وتمييز واقع على المرأة وخصوصًا في مجتمعاتنا العربية أم لا ؟ "
والسلام ختام